فهرست المدونة

 

كتاب : آداب الصحبة المؤلف : أبي عبد الرحمن السلمي/أرشيف الألباني/ يمتنع مع لام القَبْلِ أن تسري دلالات الآيات ا.../الي الحائرين + تحقيق الفول في محمد بن عيد الرحمن م.../نوفمبر 2021 /أرشيف الألباني/ظهر الفساد في البر والبحر بما كسبت أيدي الناس‏}/شرح كامل لمناسك الحج للشيخ / عبد العزيز بن باز/شروط قول لا إله إلا الله للشيخ عبد العزيز بن باز/موقف الدعاة والعلماء من كثرة انتشار الباطل/ما هو الوسط في الدين ؟ للشيخ محمد بن صالح العثيمين/الحكمة من خلق الجن والإنس للشيخ محمد بن صالح العثيمين/ج 1. كتاب:الاختيارات الفقهية/ج 2. كتاب:الاختيارات الفقهية المؤلف : شيخ الإسلام.../معجم لسان العرب لابن منظور/ج 1. كتاب:روضة الناظر وجنة المناظر عبد الله بن أحم.../ج2..كتاب:روضة الناظر وجنة المناظر ..عبد الله بن أح.../كتاب:إجمال الإصابة في أقوال الصحابة خليل بن كيكلدي.../ج1..كتاب:أصول الفقه المسمى إجابة السائل شرح بغية ا.../ج.1-:أصول السرخسي ابى بكر محمد بن احمد بن ابى سهل .../كتاب:أصول البزدوي علي بن محمد البزدوي الحنفيى أقسا.../كتاب:تحفة الملوك محمد بن أبي بكر بن عبد القادر ال.../ج1..كتاب:تحفة الفقهاء علاء الدين السمرقندي أقسام ا.../كتاب:تبيين الحقائق شرح كنز الدقائق فخر الدين عثمان.../كتاب:العناية شرح الهداية محمد بن محمد البابرتي أقس.../كتاب:الجوهرة النيرة أبو بكر بن علي بن محمد الحدادي.../كتاب:الكسب محمد بن الحسن الشيباني/ج1. كتاب:المبسوط محمد بن الحسن بن فرقد الشيباني أ.../دليل جمهرة العلوم كتب أهل الحديث المطبوعة مرتبة عل.../كتاب:المحرر في الفقه على مذهب الإمام أحمد بن حنبل ...

جواهر القران لأبي حامد الغزالي

 كتاب جواهر القرآن أبو حامد الغزالي

الأحد، 7 نوفمبر 2021

كتاب:تبيين الحقائق شرح كنز الدقائق فخر الدين عثمان بن علي الزيلعي أقسام الكتاب62. جزء الروابط مرفقة


كتاب:تبيين الحقائق شرح كنز الدقائق فخر الدين عثمان بن علي الزيلعي

أقسام الكتاب1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17 18 19 20 21 22 23 24 25 26 27 28 29 30 31 32 33 34 35 36 37 38 39 40 41 42 43 44 45 46 47 48 49 50 51 52 53 54 55 56 57 58 59 60 61 62 --
 
الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي شَرَحَ قُلُوبَ الْعَارِفِينَ بِنُورِ هِدَايَتِهِ ، وَزَيَّنَهَا بِالْإِيمَانِ وَمَا أَلْهَمَهَا مِنْ حِكْمَتِهِ ، أَحْمَدُهُ حَمْدَ عَارِفٍ لِعَظَمَتِهِ مُقِرٍّ بِوَحْدَانِيِّتِهِ ، وَعَلَى مَنْ خَتَمَ بِهِ الرِّسَالَةَ أَفْضَلَ صَلَاتِهِ وَتَحِيَّتِهِ مُحَمَّدٍ الْمُصْطَفَى الْمَخْصُوصِ بِإِظْهَارِ مِلَّتِهِ عَلَى الْمِلَلِ كُلِّهَا وَدَوَامِ شَرِيعَتِهِ إلَى آخِرِ الدَّهْرِ وَنِهَايَتِهِ ، وَعَلَى آلِهِ الْكِرَامِ وَجَمِيعِ صَحَابَتِهِ وَعَلَى التَّابِعِينَ لَهُمْ إلَى يَوْمِ الدِّينِ بِإِحْيَاءِ سُنَّتِهِ ( أَمَّا بَعْدُ ) فَإِنِّي لَمَّا رَأَيْت هَذَا الْمُخْتَصَرَ الْمُسَمَّى بِكَنْزِ الدَّقَائِقِ أَحْسَنَ مُخْتَصَرٍ فِي الْفِقْهِ حَاوِيًا مَا يُحْتَاجُ إلَيْهِ مِنْ الْوَاقِعَاتِ مَعَ لَطَافَةِ حَجْمِهِ لِاخْتِصَارِ نَظْمِهِ ، أَحْبَبْت أَنْ يَكُونَ لَهُ شَرْحٌ مُتَوَسِّطٌ يَحُلُّ أَلْفَاظَهُ ، وَيُعَلِّلُ أَحْكَامَهُ ، وَيَزِيدُ عَلَيْهِ يَسِيرًا مِنْ الْفُرُوعِ مُنَاسِبًا لَهُ مُسَمًّى بِتَبْيِينِ الْحَقَائِقِ ؛ لِمَا فِيهِ مِنْ تَبْيِينِ مَا اكْتَنَزَ مِنْ الدَّقَائِقِ وَزِيَادَةِ مَا يُحْتَاجُ إلَيْهِ مِنْ اللَّوَاحِقِ ، وَأَسْأَلُ اللَّهَ تَعَالَى أَنْ يُوَفِّقَنِي لِإِتْمَامِهِ مُعْتَصِمًا بِهِ عَنْ الزَّلَلِ وَالْخَلَلِ فِيمَا أَقُولُ وَأَفْعَلُ ، وَهُوَ حَسْبِي وَنِعْمَ الْوَكِيلُ نِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ .

( كِتَابُ الطَّهَارَةِ ) قَالَ رَحِمَهُ اللَّهُ ( فَرْضُ الْوُضُوءِ غَسْلُ وَجْهِهِ ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى { فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ } قَالَ رَحِمَهُ اللَّهُ : ( وَهُوَ مِنْ قِصَاصِ الشَّعْرِ إلَى أَسْفَلِ الذَّقَنِ وَإِلَى شَحْمَتَيْ الْأُذُنِ ) أَيْ الْوَجْهُ هَذِهِ الْجُمْلَةُ لِأَنَّهُ مُشْتَقٌّ مِنْ الْمُوَاجَهَةِ وَهِيَ تَقَعُ بِهَذِهِ الْجُمْلَةِ ، وَقَوْلُهُ : مِنْ قِصَاصِ الشَّعْرِ خَرَجَ مَخْرَجَ الْغَالِبِ وَإِلَّا فَحَدُّ الْوَجْهِ فِي الطُّولِ مِنْ مُبْتَدَأِ سَطْحِ الْجَبْهَةِ إلَى مُنْتَهَى اللَّحْيَيْنِ كَانَ عَلَيْهِ شَعْرٌ أَوْ لَمْ يَكُنْ قَالَ رَحِمَهُ اللَّهُ ( وَيَدَيْهِ بِمِرْفَقَيْهِ ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى { وَأَيْدِيكُمْ إلَى الْمَرَافِقِ } وَقَوْلُهُ : بِمِرْفَقَيْهِ أَيْ مَعَ مِرْفَقَيْهِ ، وَتَكُونُ الْبَاءُ لِلْمُصَاحَبَةِ ، يُقَالُ : اشْتَرَيْت الْفَرَسَ بِسَرْجِهِ أَيْ مَعَ سَرْجِهِ ، وَقَالَ زُفَرُ لَا تَدْخُلُ الْمَرَافِقُ ؛ لِأَنَّ الْغَايَةَ لَا تَدْخُلُ فِي الْمُغَيَّا قُلْنَا : نَعَمْ لَا تَدْخُلُ لَكِنَّ الْمُغَيَّا هُنَا إنَّمَا هُوَ الْإِسْقَاطُ ، فَتَقْدِيرُهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ أَسْقِطُوا مِنْ الْمَنَاكِبِ إلَى الْمَرَافِقِ ، إذْ لَوْلَا هَذَا التَّقْدِيرُ لَمْ يَكُنْ لِإِخْرَاجِ مَا وَرَاءَ الْمَرَافِقِ وَجْهٌ ، بَعْدَمَا تَنَاوَلَهُ لَفْظُ الْيَدِ قَالَ رَحِمَهُ اللَّهُ ( وَرِجْلَيْهِ بِكَعْبَيْهِ ) وَالْكَلَامُ فِيهِمَا كَالْكَلَامِ فِي الْيَدِ ، وَالْكَعْبُ هُوَ الْعَظْمُ النَّاتِئُ ، وَرَوَى هِشَامٌ عَنْ مُحَمَّدٍ أَنَّهُ الْمَفْصِلُ الَّذِي عِنْدَ مَعْقِدِ الشِّرَاكِ ، وَهُوَ سَهْوٌ مِنْهُ ؛ لِأَنَّ مُحَمَّدًا رَحِمَهُ اللَّهُ لَمْ يُرِدْ ذَلِكَ فِي الْوُضُوءِ ، وَإِنَّمَا قَالَ ذَلِكَ فِي الْمُحْرِمِ إذَا لَمْ يَجِدْ نَعْلَيْنِ يَقْطَعُ خُفَّيْهِ مِنْ أَسْفَلِ الْكَعْبِ الَّذِي فِي وَسَطِ الْقَدَمِ ، وَيَرِدُ عَلَيْهِ أَيْضًا قَوْله تَعَالَى { إلَى الْكَعْبَيْنِ } بِتَثْنِيَةِ الْكَعْبِ ؛ لِأَنَّ الِاثْنَيْنِ مِنْ وَاحِدٍ فَتَثْنِيَتُهُ بِلَفْظِ التَّثْنِيَةِ ، وَمِنْ اثْنَيْنِ وَهُوَ جُزْءٌ لَهُ فَتَثْنِيَتُهُ بِلَفْظِ الْجَمْعِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى { فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا } وَلَمْ يَقُلْ قَلْبَاكُمَا

وَلَوْ كَانَ كَمَا قَالَهُ لَقِيلَ إلَى الْكِعَابِ كَالْمَرَافِقِ فَبَطَلَ زَعْمُهُ ، وَمِنْ النَّاسِ مَنْ زَعَمَ أَنَّ وَظِيفَةَ الرِّجْلِ الْمَسْحُ لِقَوْلِهِ تَعَالَى { وَأَرْجُلِكُمْ } بِالْجَرِّ عَطْفًا عَلَى الرَّأْسِ ، وَلَنَا قِرَاءَةُ النَّصْبِ عَطْفًا عَلَى الْيَدَيْنِ { ، وَقَالَ عَلَيْهِ السَّلَامُ بَعْدَمَا غَسَلَ رِجْلَيْهِ هَذَا وُضُوءٌ لَا يَقْبَلُ اللَّهُ الصَّلَاةَ إلَّا بِهِ } ، وَالْجَرُّ لِلْمُجَاوَرَةِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى { وَحُورٍ عِينٍ } عَلَى مَنْ قَرَأَ بِالْجَرِّ قَالَ رَحِمَهُ اللَّهُ : ( وَمَسْحُ رُبْعِ رَأْسِهِ ) لِحَدِيثِ الْمُغِيرَةِ { أَنَّهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ مَسَحَ عَلَى نَاصِيَتِهِ } وَهِيَ الرُّبْعُ ؛ لِأَنَّهَا أَحَدُ جَوَانِبِهِ الْأَرْبَعِ ، وَقَالَ مُحَمَّدٌ الْوَاجِبُ قَدْرُ ثَلَاثَةِ أَصَابِعَ اعْتِبَارًا لِآلَةِ الْمَسْحِ ، وَهِيَ الْيَدُ وَالْأَصْلُ فِيهَا الْأَصَابِعُ ، وَهِيَ عَشَرَةٌ فَرُبْعُهَا اثْنَانِ وَنِصْفٌ ، وَالْوَاحِدُ لَا يَتَجَزَّأُ فَكَمُلَ ، وَهُمَا اعْتَبَرَا الْمَمْسُوحَ ، وَالْحُجَّةُ عَلَيْهِ مَا رَوَيْنَا إذْ لَوْ جَازَ أَقَلُّ مِنْ ذَلِكَ لَفَعَلَهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ مَرَّةً تَعْلِيمًا لِلْجَوَازِ ، وَقَوْلُهُ ( وَلِحْيَتِهِ ) يَجُوزُ أَنْ تَكُونَ اللِّحْيَةُ مَعْطُوفَةً عَلَى الرَّأْسِ أَيْ وَمَسْحُ رُبْعِ رَأْسِهِ وَرُبْعِ لِحْيَتِهِ ، وَهُوَ رِوَايَةُ الْحَسَنِ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا سَقَطَ غَسْلُ مَا تَحْتَهُ لِعَدَمِ الْمُوَاجَهَةِ بِهِ أَوْ لِتَعَسُّرِهِ وَجَبَ مَسْحُهُ كَالْجَبِيرَةِ ، وَالْمَمْسُوحُ لَا يَجِبُ اسْتِيعَابُهُ فَاعْتُبِرَ الرُّبْعُ ، وَيَجُوزُ أَنْ تَكُونَ مَعْطُوفَةً عَلَى الرُّبْعِ أَيْ وَمَسْحُ رُبْعِ رَأْسِهِ وَمَسْحُ لِحْيَتِهِ ، فَعَلَى هَذَا يَجِبُ مَسْحُ كُلِّ اللِّحْيَةِ وَهِيَ رِوَايَةُ بِشْرٍ عَنْ أَبِي يُوسُفَ وَمِثْلُهُ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ ، وَرُوِيَ عَنْهُ غَسْلُ الرُّبْعِ وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ أَنَّهُ لَا يَجِبُ غَسْلُهُ وَلَا مَسْحُهُ ، وَرُوِيَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ أَنَّهُ يَجِبُ إمْرَارُ الْمَاءِ عَلَى ظَاهِرِ اللِّحْيَةِ وَهُوَ الْأَصَحُّ ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا تَعَسَّرَ غَسْلُ مَا تَحْتَ الشَّعْرِ انْتَقَلَ الْوَاجِبُ إلَيْهِ

مِنْ غَيْرِ تَغْيِيرٍ كَالْحَاجِبَيْنِ وَأَهْدَابِ الْعَيْنَيْنِ ، وَأَقْرَبُ مِنْهُ مَسْحُ الرَّأْسِ لَمَّا تَعَسَّرَ انْتَقَلَ الْوَظِيفَةُ إلَى الشَّعْرِ مِنْ غَيْرِ تَغْيِيرٍ ، وَهَذَا كُلُّهُ فِي غَيْرِ الْمُسْتَرْسِلِ ، وَأَمَّا الْمُسْتَرْسِلُ عَنْ الذَّقَنِ فَلَا يَجِبُ إيصَالُ الْمَاءِ إلَيْهِ لِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ الْوَجْهِ

( قَوْلُهُ فِي الْمَتْنِ وَهُوَ مِنْ قِصَاصِ الشَّعْرِ إلَى آخِرِهِ ) نُوقِشَ الْمُصَنِّفُ فِي هَذَا التَّرْكِيبِ مِنْ وُجُوهٍ ( الْأَوَّلُ ) أَنَّ قَوْلَهُ مِنْ قِصَاصِ شَعْرِهِ لَيْسَ كَذَلِكَ ؛ لِأَنَّ الْوَجْهَ فِي الطُّولِ مِنْ مَبْدَأِ سَطْحِ الْجَبْهَةِ إلَى مُنْتَهَى اللَّحْيَيْنِ كَانَ عَلَيْهِ شَعْرٌ أَوْ لَمْ يَكُنْ ( الثَّانِي ) أَنَّ قَوْلَهُ وَإِلَى شَحْمَتَيْ الْأُذُنِ مَعْطُوفٌ عَلَى قَوْلِهِ إلَى أَسْفَلِ ذَقَنِهِ فَيَكُونُ دَاخِلًا فِي حُكْمِهِ ، وَيَكُونُ الْمَعْنَى حَدُّ الْوَجْهَ طُولًا مِنْ قِصَاصِ شَعْرِهِ إلَى أَنْ يَنْتَهِيَ إلَى أَسْفَلِ الذَّقَنِ وَإِلَى أَنْ يَنْتَهِيَ إلَى شَحْمَتَيْ الْأُذُنِ ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ عَلَى مَا لَا يَخْفَى ( الثَّالِثُ ) كَانَ يَنْبَغِي أَنْ يُقَالَ وَإِلَى شَحْمَتَيْ الْأُذُنَيْنِ ؛ لِأَنَّ لِكُلِّ أُذُنٍ شَحْمَةً وَالْعَرْضُ مِنْ الشَّحْمَةِ إلَى الشَّحْمَةِ وَلَيْسَ لِلْأُذُنِ الْوَاحِدَةِ شَحْمَتَانِ ( الرَّابِعُ ) يَلْزَمُ مِنْ هَذَا الْحَدِّ أَنَّهُ يَجِبُ غَسْلُ دَاخِلِ الْعَيْنَيْنِ وَالْأَنْفِ وَالْفَمِ وَأُصُولِ شَعْرِ الْحَاجِبَيْنِ وَاللِّحْيَةِ وَالشَّارِبِ وَوَنِيمِ الذُّبَابِ وَدَمِ الْبَرَاغِيثِ ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ وَأُجِيبَ عَنْ الْأَوَّلِ أَنَّهُ بِاعْتِبَارِ الْغَالِبِ وَعَنْ الثَّانِي بِأَنَّ فِيهِ مُقَدَّرًا وَهُوَ مَا ذَكَرْنَاهُ ، وَإِنْ كَانَ فِيهِ تَعَسُّفٌ وَهُوَ أَيْضًا بِعَيْنِهِ عِبَارَةُ صَاحِبِ الْهِدَايَةِ حَيْثُ قَالَ : وَحَدُّ الْوَجْهِ مِنْ قِصَاصِ الشَّعْرِ إلَى أَسْفَلِ الذَّقَنِ وَإِلَى شَحْمَتَيْ الْأُذُنِ ؛ لِأَنَّ الْمُوَاجَهَةَ تَقَعُ بِهَذِهِ الْجُمْلَةِ وَهُوَ مُشْتَقٌّ مِنْهَا ، وَقَدْ عُلِمَ أَنَّ الْفُقَهَاءَ يَتَسَامَحُونَ فِي إطْلَاقِ الْعِبَارَاتِ وَلَكِنَّ الْعِبَارَةَ الْمُنَقَّحَةَ أَنْ يُقَالَ وَهُوَ مِنْ قِصَاصِ شَعْرِهِ إلَى أَسْفَلِ ذَقَنِهِ وَمِنْ شَحْمَةِ الْأُذُنِ إلَى شَحْمَةِ الْأُذُنِ وَعَنْ الثَّالِثِ بِمَا قَدَّرْنَا أَيْضًا مَعَ مَا فِيهِ مِنْ الْمُسَامَحَةِ ، وَعَنْ الرَّابِعِ أَنَّ هَذِهِ الْأَشْيَاءَ سَقَطَتْ لِلْحَرَجِ وَعَلَى حَدِّ مَنْ يَقُولُ الْوَجْهُ مَا يُوَاجِهُهُ الْإِنْسَانُ لَا تَدْخُلُ هَذِهِ الْأَشْيَاءُ لِخُرُوجِهَا

عَنْ الْمُوَاجَهَةِ عَيْنِيٌّ وَفِي الْقَافِ ثَلَاثُ لُغَاتٍ وَالضَّمُّ أَعْلَاهَا وَقَوْلُهُ إلَى أَسْفَلِ الذَّقَنِ بِفَتْحِ الذَّالِ الْمُعْجَمَةِ وَالْقَافِ وَهُوَ مُجْتَمَعُ لَحْيَيْهِ ( قَوْلُهُ فِي الْمَتْنِ وَيَدَيْهِ بِمِرْفَقَيْهِ ) وَمَا بَيْنَهُمَا مِنْ الْأَصَابِعِ وَالْيَدِ الزَّائِدَتَيْنِ وَيَغْسِلُ الْأَقْطَعُ مَا بَقِيَ مِنْ مَحَلِّ الْفَرْضِ حَتَّى طَرَفَ الْعُضْوِ كَنُونٍ ( قَوْلُهُ : لِأَنَّ الْغَايَةَ لَا تَدْخُلُ فِي الْمُغَيَّا ) أَيْ كَاللَّيْلِ فِي الصَّوْمِ وَهُوَ قَوْلُ زُفَرَ ( قَوْلُهُ إلَى الْمَرَافِقِ ) لِأَنَّ قَوْلَهُ { وَأَيْدِيَكُمْ } يَتَنَاوَلُ كُلَّ الْأَيْدِي إلَى الْمَنَاكِبِ وَهُوَ لُغَةٌ ( قَوْلُهُ بِلَفْظِ التَّثْنِيَةِ ) أَيْ لَمَّا قَالَ إلَى الْكَعْبَيْنِ دَلَّ أَنَّهُ ثَنَّى فِي كُلِّ رِجْلٍ ( قَوْلُهُ وَمِنْ النَّاسِ ) وَهُمْ الرَّوَافِضُ قَالَ فِي مِعْرَاجِ الدِّرَايَةِ وَعِنْدَ الرَّوَافِضِ الْمَسْحُ عَلَى ظَاهِرِ الْقَدَمِ وَالْأَصَابِعِ إلَى الْكَعْبَيْنِ وَالْغَسْلُ غَيْرُ جَائِزٍ ( قَوْلُهُ عَلَى مَنْ قَرَأَ بِالْجَرِّ ) أَيْ هُوَ حَمْزَةُ وَالْكِسَائِيُّ وَحَفْصٌ ( قَوْلُهُ فِي الْمَتْنِ وَمَسْحُ رُبْعِ رَأْسِهِ ) وَالْغَسْلُ يَنُوبُ عَنْهُ وَلَوْ مَعَ الْوَجْهِ ، وَالْوُضُوءُ ثَلَاثَةُ أَنْوَاعٍ فَرْضٌ عَلَى الْمُحْدِثِ لِلصَّلَاةِ وَلَوْ جِنَازَةً أَوْ نَفْلًا وَمَا فِي مَعْنَاهُ كَسَجْدَةِ التِّلَاوَةِ عِنْدَ مَنْ يَعْتَبِرُهَا وَمَسِّ الْمُصْحَفِ ، وَوَاجِبٌ لِلطَّوَافِ بِالْبَيْتِ وَلِهَذَا يَنْجَبِرُ بِالدَّمِ ، وَسُنَّةٌ لِلنَّوْمِ عَلَى طَهَارَةٍ وَقَبْلَ الْغُسْلِ وَبَعْدَ الْغِيبَةِ وَالنَّمِيمَةِ وَالْكَذِبِ وَغُسْلِ الْمَيِّتِ وَحَمْلِهِ وَعِنْدَ الْأَذَانِ وَالْإِقَامَةِ وَالْخُطْبَةِ وَالسَّعْيِ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ وَلِلْجُنُبِ عِنْدَ أَكْلِهِ وَشُرْبِهِ وَنَوْمِهِ وَيَقَظَتِهِ وَلِزِيَارَةِ قَبْرِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَبَعْدَ أَكْلِ لَحْمِ الْجَزُورِ لِلْخُرُوجِ مِنْ الِاخْتِلَافِ انْتَهَى ( قَوْلُهُ اعْتِبَارًا لِآلَةِ الْمَسْحِ ) وَجْهُ اعْتِبَارِ الْآلَةِ أَنَّ الْبَاءَ إنْ دَخَلَتْ عَلَى الْمَحَلِّ اقْتَضَتْ اسْتِيعَابَ الْآلَةِ دُونَ الْمَحَلِّ ،

وَأَكْثَرُ الْآلَةِ قَائِمَةٌ مَقَامَ كُلِّهَا فَيَجِبُ الْمَسْحُ بِثَلَاثِ أَصَابِعَ انْتَهَى يَحْيَى ( قَوْلُهُ وَأَقْرَبُ مِنْهُ مَسْحُ الرَّأْسِ ) قِيَاسُ اللِّحْيَةِ عَلَى شَعْرِ الرَّأْسِ أَظْهَرُ مِنْ قِيَاسِهَا عَلَى الْحَاجِبَيْنِ وَأَهْدَابِ الْعَيْنَيْنِ ؛ لِأَنَّ مَا تَحْتَ اللِّحْيَةِ مِنْ الْبَشَرَةِ غَيْرُ ظَاهِرٍ كَمَا فِي شَعْرِ الرَّأْسِ بِخِلَافِ الْحَاجِبَيْنِ انْتَهَى ( قَوْلُهُ فَلَا يَجِبُ ) وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ يَجِبُ وَهُوَ أَصَحُّ مَذْهَبِهِ لِأَنَّهُ مِنْ الْوَجْهِ بِحُكْمِ التَّبَعِيَّةِ انْتَهَى كَاكِيٌّ ( قَوْلُهُ لِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ الْوَجْهِ ) تَقُولُ رَأَيْت وَجْهَهُ دُونَ لِحْيَتِهِ وَلَا يُقَالُ طَالَ وَجْهُهُ دُونَ لِحْيَتِهِ وَلَا يُقَالُ طَالَ وَجْهُهُ وَيُقَالُ طَالَتْ لِحْيَتُهُ انْتَهَى

قَالَ رَحِمَهُ اللَّهُ ( وَسُنَّتُهُ ) أَيْ سُنَّةُ الْوُضُوءِ ( غَسْلُ يَدَيْهِ إلَى رُسْغَيْهِ ابْتِدَاءً كَالتَّسْمِيَةِ ) ، أَمَّا الْبُدَاءَةُ بِغَسْلِ الْيَدَيْنِ فَلِأَنَّهُمَا آلَةُ التَّطْهِيرِ فَيُبْدَأُ بِتَنْظِيفِهِمَا وَقَالَ إلَى رُسْغَيْهِ لِوُقُوعِ الْكِفَايَةِ بِهِ فِي التَّنْظِيفِ ، وَأَطْلَقَهُ لِيَتَنَاوَلَ الْمُسْتَيْقِظَ وَغَيْرَهُ ، وَقَالَ كَالتَّسْمِيَةِ وَيَعْنِي كَمَا أَنَّ التَّسْمِيَةَ سُنَّةٌ فِي الِابْتِدَاءِ مُطْلَقًا ، فَكَذَا غَسْلُ الْيَدَيْنِ سُنَّةٌ مُطْلَقًا ، وَتَقْيِيدُهُ بِالْمُسْتَيْقِظِ فِي الْحَدِيثِ لَا يُنَافِي غَيْرَهُ ، وَلِهَذَا لَمْ يَتْرُكْهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ قَطُّ وَكَذَا مَنْ حَكَى وُضُوءَهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ ، وَأَمَّا التَّسْمِيَةُ فَلِقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ { مَنْ تَوَضَّأَ وَذَكَرَ اسْمَ اللَّهِ تَعَالَى كَانَ طَهُورًا لِجَمِيعِ بَدَنِهِ وَمَنْ تَوَضَّأَ وَلَمْ يَذْكُرْ اسْمَ اللَّهِ تَعَالَى كَانَ طَهُورًا لِأَعْضَاءِ وُضُوئِهِ } ، وَهَذَا يَقْتَضِي وُجُودَ الْوُضُوءِ بِلَا تَسْمِيَةٍ ، وَتُعْتَبَرُ التَّسْمِيَةُ عِنْدَ ابْتِدَاءِ الْوُضُوءِ حَتَّى لَوْ نَسِيَهَا ، ثُمَّ ذَكَرَ بَعْدَ غَسْلِ الْبَعْضِ وَسَمَّى لَا يَكُونُ مُقِيمًا لِلسُّنَّةِ بِخِلَافِ الْأَكْلِ وَنَحْوِهِ ، وَالْفَرْقُ أَنَّ الْوُضُوءَ كُلَّهُ شَيْءٌ وَاحِدٌ لَا يَتَجَزَّأُ ، فَيُشْتَرَطُ عِنْدَ ابْتِدَائِهِ ، وَقَدْ فَاتَ وَكُلُّ لُقْمَةٍ مِنْ الْأَكْلِ فِعْلٌ مُبْتَدَأٌ ، فَلَمْ يَفُتْ ، ثُمَّ قِيلَ يُسَمِّي قَبْلَ الِاسْتِنْجَاءِ بِالْمَاءِ لِأَنَّهُ مِنْ الْوُضُوءِ وَقِيلَ بَعْدَهُ ؛ لِأَنَّ الذِّكْرَ عِنْدَ كَشْفِ الْعَوْرَةِ لَا يَكُونُ تَعْظِيمًا ، وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ يُسَمِّي فِيهِمَا احْتِيَاطًا قَوْلُهُ ( وَالسِّوَاكِ ) يَحْتَمِلُ وَجْهَيْنِ : أَحَدُهُمَا أَنْ يَكُونَ مَجْرُورًا عَطْفًا عَلَى التَّسْمِيَةِ ، وَالثَّانِي أَنْ يَكُونَ مَرْفُوعًا عَطْفًا عَلَى الْغَسْلِ ، وَالْأَوَّلُ أَظْهَرُ ؛ لِأَنَّ السُّنَّةَ أَنْ يَسْتَاكَ عِنْدَ ابْتِدَاءِ الْوُضُوءِ لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ { لَوْلَا أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمَّتِي لَأَمَرْتهمْ بِالسِّوَاكِ عِنْدَ كُلِّ وُضُوءٍ } ، وَقَدْ وَاظَبَ عَلَيْهِ النَّبِيُّ

صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَكَانَ عِنْدَ فَقْدِهِ يُعَالِجُ بِالْأُصْبُعِ ، وَالصَّحِيحُ أَنَّهُمَا مُسْتَحَبَّانِ يَعْنِي السِّوَاكَ وَالتَّسْمِيَةَ ؛ لِأَنَّهُمَا لَيْسَا مِنْ خَصَائِصِ الْوُضُوءِ قَالَ رَحِمَهُ اللَّهُ ( وَغَسْلُ فَمِهِ وَأَنْفِهِ ) عَدَلَ عَنْ الْمَضْمَضَةِ وَالِاسْتِنْشَاقِ إلَى الْغَسْلِ إمَّا اخْتِصَارًا أَوْ ؛ لِأَنَّ الْغَسْلَ يُشْعِرُ بِالِاسْتِيعَابِ فَكَانَ أَوْلَى ، وَهَذَا لِأَنَّ السُّنَّةَ فِيهِمَا الْمُبَالَغَةُ لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ { بَالِغْ فِي الْمَضْمَضَةِ وَالِاسْتِنْشَاقِ إلَّا أَنْ تَكُونَ صَائِمًا } ، وَالْغَسْلُ أَدَلُّ عَلَى ذَلِكَ ، وَهُوَ سُنَّةٌ لِأَنَّ النَّبِيَّ عَلَيْهِ السَّلَامُ وَاظَبَ عَلَيْهِ وَكَيْفِيَّتُهُ أَنْ يَتَمَضْمَضَ ثَلَاثًا وَيَسْتَنْشِقَ كَذَلِكَ يَأْخُذُ لِكُلِّ مَرَّةٍ مَاءً جَدِيدًا هَكَذَا فَعَلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَمَا رُوِيَ عَنْهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ { أَنَّهُ تَمَضْمَضَ وَاسْتَنْشَقَ بِكَفٍّ وَاحِدٍ } مَعْنَاهُ أَنَّهُ لَمْ يَسْتَعِنْ بِالْيَدَيْنِ مِثْلَ مَا يَفْعَلُ فِي غَسْلِ الْوَجْهِ ، أَوْ مَعْنَاهُ فَعَلَهُمَا بِالْيَدِ الْيُمْنَى فَيَكُونُ رَدًّا عَلَى مَنْ يَقُولُ : الِاسْتِنْشَاقُ بِالْيُسْرَى ؛ لِأَنَّ الْأَنْفَ مَوْضِعُ الْأَذَى كَمَوْضِعِ الِاسْتِنْجَاءِ ، وَقَوْلُهُ وَغَسْلِ فَمِهِ يَجُوزُ بِالْجَرِّ عَلَى أَنَّهُ مَعْطُوفٌ عَلَى التَّسْمِيَةِ فَتَكُونُ الْمَضْمَضَةُ مِنْ السُّنَّةِ الَّتِي فِي ابْتِدَاءِ الْوُضُوءِ ؛ لِأَنَّهَا أَوَّلُ الْوُضُوءِ عَلَى اعْتِبَارِ التَّرْتِيبِ قَالَ رَحِمَهُ اللَّهُ ( وَتَخْلِيلُ لِحْيَتِهِ وَأَصَابِعِهِ ) أَمَّا تَخْلِيلُ اللِّحْيَةِ فَقِيلَ هُوَ قَوْلُ أَبِي يُوسُفَ فَإِنَّهُ يَقُولُ إنَّهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ فَعَلَهُ وَعِنْدَهُمَا جَائِزٌ وَمَعْنَاهُ لَا يَكُونُ بِدْعَةً ، وَلَيْسَ بِسُنَّةٍ لِأَنَّهُ إكْمَالُ الْفَرْضِ فِي مَحَلِّهِ ، وَدَاخِلُهَا لَيْسَ بِمَحَلِّ الْفَرْضِ وَأَمَّا تَخْلِيلُ الْأَصَابِعِ فَسُنَّةٌ إجْمَاعًا لِلْأَمْرِ الْوَارِدِ بِهِ ، وَلِأَنَّ أَثْنَاءَهَا مَحَلٌّ لِلْفَرْضِ بِخِلَافِ اللِّحْيَةِ عِنْدَهُمَا هَذَا إذَا وَصَلَ الْمَاءُ إلَى أَثْنَائِهَا ، وَإِنْ لَمْ يَصِلْ

بِأَنْ كَانَتْ مُنْضَمَّةً فَوَاجِبٌ قَالَ رَحِمَهُ اللَّهُ ( وَتَثْلِيثُ الْغَسْلِ ) لِأَنَّهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ { تَوَضَّأَ ثَلَاثًا ثَلَاثًا ، وَقَالَ هَذَا وُضُوئِي وَوُضُوءُ الْأَنْبِيَاءِ مِنْ قَبْلِي فَمَنْ زَادَ عَلَى هَذَا أَوْ نَقَصَ فَقَدْ تَعَدَّى وَظَلَمَ } ، ثُمَّ قِيلَ التَّعَدِّي يَرْجِعُ إلَى الزِّيَادَةِ لِأَنَّهُ مُجَاوَزَةُ الْحَدِّ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى { وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ } وَالظُّلْمُ إلَى النُّقْصَانِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى { وَلَمْ تَظْلِمْ مِنْهُ شَيْئًا } أَيْ لَمْ تَنْقُصْ ، فَالْأَوَّلُ فَرْضٌ وَالثَّانِي سُنَّةٌ وَالثَّالِثُ إكْمَالُ السُّنَّةِ ، وَقِيلَ الثَّانِي وَالثَّالِثُ سُنَّةٌ ، وَقِيلَ الثَّانِي سُنَّةٌ وَالثَّالِثُ نَفْلٌ ، وَقِيلَ عَلَى عَكْسِهِ ، وَعَنْ أَبِي بَكْرٍ الْإِسْكَافِ أَنَّ الثَّلَاثَ تَقَعُ فَرْضًا كَإِطَالَةِ الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ وَنَحْوِ ذَلِكَ وَتَكَلَّمُوا فِي مَعْنَى الزِّيَادَةِ وَالنُّقْصَانِ قِيلَ أُرِيدَ بِهِ مُجَرَّدُ الْعَدَدِ فِيهِمَا ، وَقِيلَ الزِّيَادَةُ عَلَى أَعْضَاءِ الْوُضُوءِ ، وَالنُّقْصَانُ عَنْ أَعْضَاءِ الْوُضُوءِ ، وَقِيلَ الزِّيَادَةُ عَلَى الْحَدِّ الْمَحْدُودِ ، وَالنُّقْصَانُ عَنْ الْحَدِّ الْمَحْدُودِ ، وَقِيلَ الزِّيَادَةُ وَالنُّقْصَانُ لِعَدَمِ رُؤْيَتِهِ الثَّلَاثَ سُنَّةً حَتَّى لَوْ رَأَى الثَّلَاثَ سُنَّةً ، ثُمَّ زَادَ لِحَاجَةٍ أُخْرَى كَإِرَادَةِ الْوُضُوءِ عَلَى الْوُضُوءِ لَيْسَ عَلَيْهِ شَيْءٌ ، وَكَذَا النُّقْصَانُ لِحَاجَةٍ أُخْرَى قَالَ رَحِمَهُ اللَّهُ ( وَنِيَّتُهُ ) أَيْ وَنِيَّةُ الْوُضُوءِ وَالْهَاءُ رَاجِعَةٌ إلَى الْوُضُوءِ لِأَنَّهُ الْمَذْكُورُ ، وَكَذَا وَقَعَ فِي مُخْتَصَرِ الْقُدُورِيِّ حَيْثُ قَالَ يَنْوِي الطَّهَارَةَ وَالْمَذْهَبُ أَنْ يَنْوِيَ مَا لَا يَصِحُّ إلَّا بِالطَّهَارَةِ مِنْ الْعِبَادَاتِ أَوْ رَفْعَ الْحَدَثِ كَمَا فِي التَّيَمُّمِ وَعَنْ بَعْضِهِمْ نِيَّةُ الطَّهَارَةِ فِي التَّيَمُّمِ تَكْفِي فَكَذَا هَاهُنَا فَعَلَى هَذَا لَا يَرِدُ عَلَيْهِ ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الضَّمِيرُ عَائِدًا عَلَى الشَّخْصِ الْمُتَوَضِّئِ ؛ لِأَنَّ الْكَلَامَ يَدُلُّ عَلَيْهِ أَيْ وَنِيَّةُ الرَّجُلِ الصَّلَاةَ

، فَيَكُونُ الْمَفْعُولُ مَحْذُوفًا ثُمَّ هِيَ سُنَّةٌ ، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ فَرْضٌ لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ { الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ } وَلِأَنَّهُ عِبَادَةٌ فَلَا يَصِحُّ بِدُونِ النِّيَّةِ كَالتَّيَمُّمِ ، وَلَنَا أَنَّهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ لَمْ يُعَلِّمْ الْأَعْرَابِيَّ النِّيَّةَ حِينَ عَلَّمَهُ الْوُضُوءَ مَعَ جَهْلِهِ ، وَلَوْ كَانَ فَرْضًا لَعَلَّمَهُ ، وَلِأَنَّهُ شَرْطُ الصَّلَاةِ فَلَا يَفْتَقِرُ إلَى النِّيَّةِ كَسَائِرِ شُرُوطِهَا بِخِلَافِ التَّيَمُّمِ ؛ لِأَنَّ النِّيَّةَ مَأْمُورٌ بِهَا فِيهِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى { فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا } أَيْ فَاقْصِدُوا ، وَلِأَنَّهَا فِي التَّيَمُّمِ لِصَيْرُورَةِ التُّرَابِ طَهُورًا لِأَنَّهُ مُلَوَّثِ وَالْمَاءُ مُطَهِّرٌ بِنَفْسِهِ حِسًّا وَكَذَا شَرْعًا وَحُكْمًا لِقَوْلِهِ تَعَالَى { مَاءً طَهُورًا } فَمَنْ شَرَطَ النِّيَّةَ لِصَيْرُورَتِهِ طَهُورًا فَقَدْ زَادَ فِيهِ ، وَهُوَ نَسْخٌ قَالَ رَحِمَهُ اللَّهُ ( وَمَسْحُ كُلِّ رَأْسِهِ مَرَّةً وَأُذُنَيْهِ بِمَائِهِ ) أَيْ وَمَسْحُ كُلِّ أُذُنَيْهِ بِمَاءِ الرَّأْسِ ؛ لِأَنَّهُ مَعْطُوفٌ عَلَى الرَّأْسِ وَتَكَلَّمُوا فِي كَيْفِيَّةِ الْمَسْحِ وَالْأَظْهَرُ أَنَّهُ يَضَعُ كَفَّيْهِ وَأَصَابِعَهُ عَلَى مُقَدَّمِ رَأْسِهِ ، وَيَمُدُّهُمَا إلَى قَفَاهُ عَلَى وَجْهٍ يَسْتَوْعِبُ جَمِيعَ الرَّأْسِ ، ثُمَّ يَمْسَحُ أُذُنَيْهِ بِإِصْبَعَيْهِ وَلَا يَكُونُ الْمَاءُ مُسْتَعْمَلًا بِهَذَا ؛ لِأَنَّ الِاسْتِيعَابَ بِمَاءٍ وَاحِدٍ لَا يَكُونُ إلَّا بِهَذِهِ الطَّرِيقَةِ وَمَا قَالَهُ بَعْضُهُمْ مِنْ أَنَّهُ يُجَافِي كَفَّيْهِ تَحَرُّزًا عَنْ الِاسْتِعْمَالِ لَا يُفِيدُ ؛ لِأَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ الْوَضْعِ وَالْمَدِّ فَإِنْ كَانَ مُسْتَعْمَلًا بِالْوَضْعِ الْأَوَّلِ فَكَذَا بِالثَّانِي فَلَا يُفِيدُ تَأْخِيرُهُ ، وَلِأَنَّ الْأُذُنَيْنِ مِنْ الرَّأْسِ بِالنَّصِّ أَيْ حُكْمُهُمَا حُكْمُ الرَّأْسِ ، وَلَا يَكُونُ ذَلِكَ إلَّا إذَا مَسَحَهُمَا بِمَاءٍ مَسَحَ بِهِ الرَّأْسَ ، وَلِأَنَّهُ لَا يَحْتَاجُ إلَى تَجْدِيدِ الْمَاءِ لِكُلِّ جُزْءٍ مِنْ أَجْزَاءِ الرَّأْسِ فَالْأُذُنُ أَوْلَى لِكَوْنِهِ تَبَعًا لَهُ ، وَقَوْلُهُ مَرَّةً مَذْهَبُنَا

، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ ثَلَاثًا كَالْمَغْسُولِ ، وَلَنَا { أَنَّ عُثْمَانَ حَكَى وُضُوءَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَمَسَحَ مَرَّةً } وَلِأَنَّ التَّكْرَارَ فِي الْغَسْلِ لِأَجْلِ الْمُبَالَغَةِ فِي التَّنْظِيفِ ، وَلَا يَحْصُلُ ذَلِكَ بِالْمَسْحِ فَلَا يُفِيدُ التَّكْرَارُ فَصَارَ كَمَسْحِ الْخُفِّ وَالْجَبِيرَةِ وَالتَّيَمُّمِ قَالَ رَحِمَهُ اللَّهُ ( وَالتَّرْتِيبُ الْمَنْصُوصُ ) أَيْ التَّرْتِيبُ الْمَنْصُوصُ عَلَيْهِ مِنْ جِهَةِ الْعُلَمَاءِ ، وَهُوَ أَنْ يَبْدَأَ بِمَا بَدَأَ اللَّهُ بِذِكْرِهِ ، وَلَا نَصَّ عَلَيْهِ مِنْ جِهَةِ الشَّارِعِ عَلَى مَا يَأْتِي بَيَانُهُ ، وَهُوَ سُنَّةٌ عِنْدَنَا وَقَالَ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ فَرْضٌ لِقَوْلِهِ تَعَالَى لِقَوْلِهِ { إذَا قُمْتُمْ إلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ } الْآيَةَ فَأَوْجَبَ غَسْلَ الْوَجْهِ عَقِيبَ الْقِيَامِ إلَى الصَّلَاةِ مِنْ غَيْرِ فَصْلٍ ؛ لِأَنَّ الْفَاءَ لِلتَّعْقِيبِ ، وَمَنْ أَجَازَ الْبُدَاءَةَ بِغَيْرِهِ فَقَدْ فَصَلَ ، وَلِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { لَا يَقْبَلُ اللَّهُ صَلَاةَ امْرِئٍ حَتَّى يَضَعَ الطَّهُورَ مَوَاضِعَهُ فَيَغْسِلَ يَدَيْهِ ثُمَّ يَغْسِلَ وَجْهَهُ ثُمَّ ذِرَاعَيْهِ } الْحَدِيثَ وَكَلِمَةُ ثُمَّ لِلتَّرْتِيبِ ، وَلَنَا أَنَّ الْوَاوَ لِمُطْلَقِ الْجَمْعِ بِإِجْمَاعِ أَهْلِ اللُّغَةِ نَصَّ عَلَيْهِ سِيبَوَيْهِ ، وَأَمَّا تَعَلُّقُهُ بِالْفَاءِ قُلْنَا إنَّ الْفَاءَ وَإِنْ اقْتَضَتْ التَّرْتِيبَ لَكِنَّ الْمَعْطُوفَ عَلَى مَا دَخَلَتْ عَلَيْهِ الْفَاءُ بِالْوَاوِ مَعَ مَا دَخَلَتْ عَلَيْهِ كَالشَّيْءِ الْوَاحِدَةِ فَأَفَادَتْ تَرْتِيبَ غَسْلِ هَذِهِ الْأَعْضَاءِ عَلَى الْقِيَامِ إلَى الصَّلَاةِ لَا تَرْتِيبَ بَعْضِهَا عَلَى بَعْضٍ وَهَذَا مِمَّا يُعْلَمُ بِالْبَدِيهَةِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى { وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إلَى أَهْلِهِ } فَلِلْقَاتِلِ أَنْ يَبْدَأَ بِأَيِّهِمَا شَاءَ إجْمَاعًا وَلَوْ قَالَ لِغُلَامِهِ إذَا دَخَلْت السُّوقَ فَاشْتَرِ لَحْمًا وَخُبْزًا وَمَوْزًا لَا يَلْزَمُهُ شِرَاءُ اللَّحْمِ أَوَّلًا ،

وَأَمَّا الْجَوَابُ عَنْ تَعَلُّقِهِ بِثُمَّ فَإِنَّهُ مَتْرُوكُ الظَّاهِرِ مِنْ وَجْهَيْنِ : أَحَدُهُمَا أَنَّهُ يُوجِبُ الْبُدَاءَةَ بِالْيَدَيْنِ وَهُوَ يُوجِبُهُ بِالْوَجْهِ ، وَالثَّانِي أَنَّ كَلِمَةَ ثُمَّ لِلتَّرَاخِي وَلَمْ يَقُلْ بِهِ أَحَدٌ فَصَارَتْ بِمَعْنَى الْوَاوِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى { وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ } أَيْ وَصَوَّرْنَاكُمْ ، وقَوْله تَعَالَى { فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ وَمَا أَدْرَاك مَا الْعَقَبَةُ فَكُّ رَقَبَةٍ أَوْ إطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ يَتِيمًا ذَا مَقْرَبَةٍ أَوْ مِسْكِينًا ذَا مَتْرَبَةٍ ثُمَّ كَانَ مِنْ الَّذِينَ آمَنُوا } أَيْ وَكَانَ مِنْ الَّذِينَ آمَنُوا وَقْتَ الْإِطْعَامِ ؛ لِأَنَّ إطْعَامَ الْكَافِرِ لَا يَنْفَعُ وَلَوْ آمَنَ بَعْدَهُ فَإِنْ قِيلَ قَوْلُهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ فِي حَدِيثٍ آخَرَ حِينَ تَوَضَّأَ مَرَّةً مَرَّةً وَقَالَ { هَذَا وُضُوءٌ لَا يَقْبَلُ اللَّهُ الصَّلَاةَ إلَّا بِهِ } يُوجِبُ التَّرْتِيبَ ؛ لِأَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّ وُضُوءَهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ كَانَ مُرَتَّبًا قُلْنَا الظَّاهِرُ أَنَّهُ كَانَ بِالْمَضْمَضَةِ وَالِاسْتِنْشَاقِ وَالِابْتِدَاءِ بِالْيَمِينِ وَنَحْوِ ذَلِكَ مِنْ آدَابِهِ ، وَلَمْ يَقُلْ بِهِ أَحَدٌ قَالَ رَحِمَهُ اللَّهُ ( وَالْوَلَاءُ ) ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَاظَبَ عَلَيْهِ وَهُوَ أَنْ يَغْسِلَ الْعُضْوَ الثَّانِيَ قَبْلَ جَفَافِ الْأَوَّلِ ، وَقِيلَ أَنْ لَا يَشْتَغِلَ بَيْنَهُمَا بِعَمَلٍ آخَرَ غَيْرِ الْوُضُوءِ

( قَوْلُهُ وَسُنَّةُ الْوُضُوءِ ) ثَلَاثَةَ عَشَرَ أَيْ عَلَى مَا ذَكَرَهُ انْتَهَى عَيْنِيٌّ ( قَوْلُهُ فِي الْمَتْنِ إلَى رُسْغَيْهِ ) قَالَ فِي الْقَامُوسِ الرُّسْغُ كَالْقُفْلِ مَفْصِلٌ مَا بَيْنَ السَّاعِدِ وَالْكَفِّ وَالسَّاقِ وَالْقَدَمِ انْتَهَى ( قَوْلُهُ فِي الْمَتْنِ ابْتِدَاءً ) نُصِبَ عَلَى الظَّرْفِ أَيْ فِي ابْتِدَاءِ الْوُضُوءِ وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ حَالًا عَلَى تَقْدِيرِ مُبْتَدِئًا انْتَهَى عَيْنِيٌّ السُّنَّةُ نَفْسُ الِابْتِدَاءِ بِفِعْلِ الْيَدَيْنِ ، وَأَمَّا نَفْسُ الْغَسْلِ فَفَرْضٌ انْتَهَى قَوْلُهُ وَتَقْيِيدُهُ بِالْمُسْتَيْقِظِ فِي الْحَدِيثِ ) { إذَا اسْتَيْقَظَ أَحَدُكُمْ مِنْ مَنَامِهِ فَلْيَغْسِلْ يَدَيْهِ قَبْلَ أَنْ يُدْخِلَهُمَا فِي وُضُوئِهِ فَإِنَّ أَحَدَكُمْ لَا يَدْرِي أَيْنَ بَاتَتْ يَدُهُ } أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ بِهَذِهِ الْعِبَارَةِ ، وَبَقِيَّةُ الْجَمَاعَةِ بِأَلْفَاظٍ مُخْتَلِفَةٍ انْتَهَى عَيْنِيٌّ ( قَوْلُهُ وَذَكَرَ اسْمَ اللَّهِ تَعَالَى ) أَيْ فِي ابْتِدَائِهِ لِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { كُلُّ أَمْرٍ ذِي بَالٍ } الْحَدِيثَ انْتَهَى غَايَةٌ ( قَوْلُهُ فَلَمْ يَفُتْ ) وَهُوَ إنَّمَا يَسْتَلْزِمُ فِي الْأَكْلِ تَحْصِيلَ السُّنَّةِ فِي الْبَاقِي لِاسْتِدْرَاكِ مَا فَاتَ انْتَهَى ( قَوْلُهُ إنَّهُ يُسَمِّي فِيهِمَا ) أَيْ لَا حَالَةَ الِانْكِشَافِ وَلَا فِي مَحَلِّ النَّجَاسَةِ انْتَهَى كَمَالٌ ( قَوْلُهُ فِي الْمَتْنِ وَالسِّوَاكِ ) أَيْ اسْتِعْمَالُهُ وَذَكَرَ فِي كِتَابِ الِاسْتِحْسَانِ مِنْ الْمُحِيطِ أَنَّ الْعَلْكَ لِلْمَرْأَةِ يَقُومُ مَقَامَ السِّوَاكِ لِأَنَّهَا تَخَافُ مِنْ السِّوَاكِ سُقُوطَ سِنِّهَا ؛ لِأَنَّ سِنَّهَا أَضْعَفُ مِنْ سِنِّ الرَّجُلِ وَهُوَ مَا يُنَقِّي الْأَسْنَانَ انْتَهَى فَإِنْ قُلْت مِنْ فَوَائِده أَنَّهُ يَشُدُّ اللِّثَةَ فَكَيْفَ يَسْتَقِيمُ هَذَا فَالْجَوَابُ أَنَّهُ لَا بُعْدَ فِي كَوْنِ الْمُوَاظَبَةِ عَلَيْهِ قَدْ تُفْضِي إلَى سُقُوطِ الْأَسْنَانِ مِنْ بَعْضِ أَفْرَادِ الْإِنْسَانِ ، وَمِمَّا يَشْهَدُ بِهِ مَا أَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ فِي الْأَوْسَطِ بِرِجَالِ الصَّحِيحِ أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ { لَزِمْت السِّوَاكَ حَتَّى خَشِيت

أَنْ يَدْرَدَ فِي } وَالدَّرَدُ سُقُوطُ الْأَسْنَانِ لَكِنَّ الْوَجْهَ أَنْ يُقَالَ لَا تُسْتَحَبُّ لِمَنْ هَذِهِ حَالَتُهُ الْمُوَاظَبَةُ عَلَيْهِ بَلْ يُسْتَحَبُّ لَهُ فِعْلُهُ أَحْيَانًا انْتَهَى ( قَوْلُهُ وَالْأَوَّلُ أَظْهَرُ ) قَالَ الْعَيْنِيُّ قُلْت بَلْ الْأَظْهَرُ هُوَ الثَّانِي ؛ لِأَنَّ الْمَنْقُولَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَلَى مَا ذَكَرَهُ صَاحِبُ الْمُفِيدِ أَنَّ السِّوَاكَ مِنْ سُنَنِ الدِّينِ فَحِينَئِذٍ يَسْتَوِي فِيهِ كُلُّ الْأَحْوَالِ انْتَهَى ( قَوْلُهُ وَالصَّحِيحُ أَنَّهُمَا ) أَيْ التَّسْمِيَةَ وَالسِّوَاكَ انْتَهَى ( قَوْلُهُ عَدَلَ عَنْ الْمَضْمَضَةِ ) وَالْمَضْمَضَةُ إدَارَةُ الْمَاءِ فِي الْفَمِ ، وَأَمَّا الِاسْتِنْشَاقُ فَهُوَ جَذْبُ الْمَاءِ بِالْمَنْخَرَيْنِ انْتَهَى ( قَوْلُهُ يُشْعِرُ بِالِاسْتِيعَابِ ) وَإِمَّا تَنْبِيهًا عَلَى حَدَّيْهِمَا انْتَهَى عَيْنِيٌّ ( قَوْلُهُ بَالِغْ فِي الْمَضْمَضَةِ وَالِاسْتِنْشَاقِ ) الْمُبَالَغَةُ فِي الْمَضْمَضَةِ بِالْغَرْغَرَةِ وَفِي الِاسْتِنْشَاقِ بِالِاسْتِنْثَارِ انْتَهَى كَافِي ( قَوْلُهُ وَهُوَ ) أَيْ غَسْلُ فَمِهِ وَأَنْفِهِ انْتَهَى ( قَوْلُهُ وَاظَبَ عَلَيْهِ ) وَلِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ فَعَلَى هَذَا يَنْبَغِي أَنْ تَكُونَا وَاجِبَتَيْنِ إذْ لَمْ يَذْكُرُوا عَنْهُ تَرْكَهُمَا وَلَا مَرَّةً وَاحِدَةً وَالْمُوَاظَبَةُ عَلَى الْفِعْلِ مَعَ عَدَمِ التَّرْكِ دَلِيلُ الْوُجُوبِ انْتَهَى ( قَوْلُهُ بِالْيَدِ الْيُسْرَى ) أَيْ لِأَنَّ الْأَنْفَ مَوْضِعُ الْأَذَى كَمَوْضِعِ الِاسْتِنْجَاءِ انْتَهَى ( قَوْلُهُ يَجُوزُ بِالْجَرِّ ) أَيْ وَيَجُوزُ بِالرَّفْعِ عَطْفًا عَلَى الْغَسْلِ كَمَا قَالَ ذَلِكَ فِي السِّوَاكِ قَالَ فِي الظَّهِيرِيَّةِ : وَإِذَا أَخَذَ الْمَاءَ بِكَفِّهِ فَمَضْمَضَ بِبَعْضِهِ وَاسْتَنْشَقَ بِالْبَاقِي جَازَ ، وَلَوْ كَانَ عَلَى خِلَافِهِ لَا يَجُوزُ انْتَهَى ( قَوْلُهُ لَيْسَ بِمَحَلِّ الْفَرْضِ ) لِعَدَمِ وُجُوبِ إيصَالِ الْمَاءِ إلَى بَاطِنِ الشَّعْرِ ، وَيُشْكِلُ عَلَى هَذَا بِالْمَضْمَضَةِ وَالِاسْتِنْشَاقِ فَإِنَّهُمَا سُنَّتَانِ مَعَ أَنَّهُمَا لَيْسَا فِي مَحَلِّ الْفَرْضِ ، وَقَالَ الْكَاكِيُّ فِي جَوَابِهِ إنَّهُمَا فِي الْوَجْهِ

وَالْوَجْهُ مَحَلُّ الْفَرْضِ إذْ لَهُمَا حُكْمُ الْخَارِجِ مِنْ وَجْهٍ كَمَا ذَكَرْنَا انْتَهَى ( قَوْلُهُ : وَأَمَّا تَخْلِيلُ الْأَصَابِعِ ) أَيْ أَصَابِعِ الْيَدِ وَالرِّجْلِ انْتَهَى ( قَوْلُهُ فَسُنَّةٌ إجْمَاعًا لِلْأَمْرِ الْوَارِدِ ) فَإِنْ قِيلَ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ التَّخْلِيلُ وَاجِبًا نَظَرًا إلَى الْأَمْرِ كَمَا قَالَ مَالِكٌ فِي الْيَدَيْنِ وَاحِدٌ وَثَانِيهَا وَفِي الرِّجْلَيْنِ أَيْضًا مَعَ كَوْنِهِ مَقْرُونًا بِالْوَعِيدِ لِتَارِكِهِ قُلْنَا هَذَا لَا يُفِيدُ الْفَرْضِيَّةَ لِكَوْنِهِ مِنْ الْآحَادِ وَلَا الْوُجُوبَ ؛ لِأَنَّهُ لَا مَدْخَلَ لِلْوُجُوبِ فِي الْوُضُوءِ لِأَنَّهُ شَرْطُ الصَّلَاةِ فَيَكُونُ تَبَعًا لَهَا ، وَلِهَذَا يَسْقُطُ بِسُقُوطِهَا وَيَجِبُ بِوُجُوبِهَا فَلَوْ قُلْنَا بِالْوُجُوبِ كَمَا فِي الصَّلَاةِ لَسَاوَى التَّبَعُ الْأَصْلَ كَذَا فِي الْكَافِي وَغَيْرِهِ لَكِنَّ هَذَا ضَعِيفٌ ، وَقَدْ بَيَّنَّا وَجْهَ الضَّعْفِ فِي بَيَانِ الْوُصُولِ فِي شَرْحِ الْأُصُولِ وَجَامِعِ الْأَسْرَارِ فِي شَرْحِ الْمَنَارِ بَلْ الْوَاجِبُ الْقَوِيُّ أَنَّ الْأَمْرَ الثَّابِتَ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ إنَّمَا يُفِيدُ الْوُجُوبَ إذَا لَمْ يَمْنَعْهُ مَانِعٌ وَلَمْ تُوجَدْ قَرِينَةٌ صَارِفَةٌ عَنْ ظَاهِرِهِ كَخَبَرِ صَدَقَةِ الْفِطْرِ وَالْأُضْحِيَّةِ وَخَبَرِ الْفَاتِحَةِ أَمَّا إذَا وُجِدَ لَا يُمْكِنُ الْقَوْلُ بِالْوُجُوبِ وَهَاهُنَا عَارَضَ هَذَا الْأَمْرَ مِنْ تَعْلِيمِ الْأَعْرَابِيِّ وَالْأَخْبَارِ الَّتِي حُكِيَ فِيهَا وُضُوءُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِأَنَّ التَّخْلِيلَ لَمْ يُذْكَرْ فِيهَا فَحُمِلَ عَلَى النَّدْبِ أَوْ السُّنَّةِ الَّتِي دُونَ الْوُجُوبِ عَمَلًا بِالدَّلِيلِ بِقَدْرِ الْإِمْكَانِ وَهَكَذَا جَمِيعُ الدَّلَائِلِ الَّتِي تَدُلُّ ظَوَاهِرُهَا عَلَيْهِ فِي الْوُضُوءِ مُعَارَضٌ بِمَا يَمْنَعُ الْقَوْلَ بِهِ إذَا تَأَمَّلْت فِيهَا وَقَالَ شَيْخِي الْعَلَّامَةُ فِي قَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ { خَلِّلُوا } الْحَدِيثَ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ وَظِيفَةَ الرِّجْلِ الْغَسْلُ لَا الْمَسْحُ فَكَانَ حُجَّةً عَلَى الرَّوَافِضِ انْتَهَى كَاكِيٌّ ( قَوْلُهُ { فَقَدْ تَعَدَّى وَظَلَمَ } ) قَالَ

الْكَرْمَانِيُّ إنَّهُ ضَعِيفٌ ، وَقَالَ الْعِرَاقِيُّ فِي تَخْرِيجِ أَحَادِيثِ الْإِحْيَاءِ : إنَّهُ لَمْ يَجِدْ لَهُ أَصْلًا انْتَهَى فَإِنْ قُلْت لَوْ كَانَ النَّقْصُ مِنْ الثَّلَاثِ ظُلْمًا كَانَ التَّثْلِيثُ وَاجِبًا لَا سُنَّةً قُلْت : كَوْنُهُ ظُلْمًا بِاعْتِبَارِ عَدَمِ رُؤْيَتِهِ سُنَّةً لَا بِمُجَرَّدِ النَّقْضِ انْتَهَى يَحْيَى ( قَوْلُهُ وَالثَّالِثُ نَفْلٌ ) وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ بِمَعْنَى الْأَوَّلِ انْتَهَى فَتْحٌ ( قَوْلُهُ وَقِيلَ الزِّيَادَةُ عَلَى الْحَدِّ الْمَحْدُودِ إلَى آخِرِهِ ) رَدَّ هَذَا التَّأْوِيلَ قَوْلُهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ { مَنْ اسْتَطَاعَ مِنْكُمْ أَنْ يُطِيلَ غُرَّتَهُ فَلْيَفْعَلْ } وَالْحَدِيثُ فِي الْمَصَابِيحِ وَجَوَابُهُ أَنَّ الْمُرَادَ هُوَ الزِّيَادَةُ عَلَى اعْتِقَادِ أَنَّ الْفَرْضَ لَمْ يَحْصُلْ بِدُونِهَا انْتَهَى ( قَوْلُهُ ثُمَّ زَادَ لِحَاجَةٍ أُخْرَى ) كَإِرَادَةِ الْوُضُوءِ أَوْ طُمَأْنِينَةِ الْقَلْبِ عِنْدَ الشَّكِّ انْتَهَى كَافِي ( قَوْلُهُ وَكَذَا النُّقْصَانُ لِحَاجَةٍ أُخْرَى ) كَإِعْوَازِ الْمَاءِ انْتَهَى ( قَوْلُهُ أَنْ يَنْوِيَ مَا لَا يَصِحُّ إلَّا بِالطَّهَارَةِ مِنْ الْعِبَادَةِ ) فَلَوْ نَوَى الصَّوْمَ مَثَلًا لَا يُجْزِئُهُ عَنْ الصَّلَاةِ ، وَالْحَاصِلُ أَنَّ ظَاهِرَ عِبَارَةِ الْمَتْنِ تُفِيدُ أَنَّ السُّنَّةَ نِيَّةُ الطَّهَارَةِ ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ بَلْ السُّنَّةُ أَنْ يَنْوِيَ عِبَادَةً لَا تَصِحُّ بِدُونِ الطَّهَارَةِ كَالصَّلَاةِ فَلَا يَصِحُّ الْحَمْلُ عَلَى الظَّاهِرِ إلَّا عَلَى قَوْلِ الْبَعْضِ انْتَهَى يَحْيَى وَوَقْتُهَا عِنْدَ غَسْلِ الْوَجْهِ وَمَحَلُّهَا الْقَلْبُ انْتَهَى جَوْهَرَةٌ قَالَ الْقُدُورِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ فِي مُخْتَصَرِهِ : وَيُسْتَحَبُّ لِلْمُتَوَضِّئِ أَنْ يَنْوِيَ الطَّهَارَةَ قَالَ الشَّيْخُ قَاسِمٌ رَحِمَهُ اللَّهُ فِي شَرْحِهِ أَيْ يَقْصِدَ بِقَلْبِهِ إيقَاعَ أَفْعَالِ الْوُضُوءِ لِلطَّهَارَةِ امْتِثَالًا لِأَمْرِ اللَّهِ تَعَالَى وَمَا قَالَهُ أَبُو زُرْعَةَ : إنَّ الْمَاءَ لِرَفْعِ الْحَدَثِ وَاسْتِبَاحَةِ الصَّلَاةِ فَلَيْسَ بِشَيْءٍ ؛ لِأَنَّ النِّيَّةَ عَمَلُ الْقَلْبِ وَلَا مُعْتَبَرَ بِالنِّسْيَانِ ، وَالْأَصَحُّ أَنَّ النِّيَّةَ سُنَّةٌ

لِأَنَّ بِهَا يَصِيرُ الْفِعْلُ قُرْبَةً بِالْإِجْمَاعِ انْتَهَى ( قَوْلُهُ فِي الْمَتْنِ وَمَسْحُ كُلِّ رَأْسِهِ مَرَّةً ) وَتَرْكُهُ دَائِمًا إثْمٌ قَالَ فِي الظَّهِيرِيَّةِ وَالتَّثْلِيثُ فِي الْغَسْلِ سُنَّةٌ وَالتَّثْلِيثُ فِي مَسْحِ الرَّأْسِ بِالْمِيَاهِ الْمُخْتَلِفَةِ بِدْعَةٌ ، وَعَنْ أَبِي حَنِيفَةَ فِي غَرِيبِ الرِّوَايَةِ سُنَّةٌ انْتَهَى ( قَوْلُهُ فِي الْمَتْنِ ثُمَّ يَمْسَحُ أُذُنَيْهِ بِإِصْبَعَيْهِ ) قَالَ فِي الْيَنَابِيعِ ثُمَّ يُدْخِلُ السَّبَّابَةَ فِي أُذُنِهِ وَيُدِيرُ إبْهَامَيْهِ مِنْ وَرَائِهِمَا انْتَهَى قَالَ فِي شَرْحِ مِسْكِينٍ وَإِدْخَالُ الْأَصَابِعِ فِي صِمَاخِ الْأُذُنَيْنِ أَدَبٌ ، وَلَيْسَ بِسُنَّةٍ هُوَ الْمَشْهُورُ وَكَذَا فِي الْمُحِيطِ انْتَهَى قَوْلُهُ مِنْ أَنَّهُ يُجَافِي كَفَّيْهِ ) أَيْ يَمُدُّ الْأَصَابِعَ مِنْ مُقَدَّمِ الرَّأْسِ إلَى الْقَفَا ، ثُمَّ يَمْسَحُ الْفَوْدَيْنِ بِالْكَفَّيْنِ انْتَهَى يَحْيَى السِّيرَامِيُّ ( قَوْلُهُ لَا بُدَّ مِنْ الْوَضْعِ ) أَيْ وَضْعِ الْكَفَّيْنِ وَمَدِّهِ انْتَهَى ( قَوْلُهُ وَقَالَ الشَّافِعِيُّ ثَلَاثًا ) وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ انْتَهَى كَافِي ( قَوْلُهُ وَلِأَنَّ التَّكْرَارَ ) أَيْ وَلِأَنَّ تَكْرَارَ الْمَسْحِ غَسْلٌ فَتُغَيِّرُ وَظِيفَةَ الرَّأْسِ ، وَقِيَاسُنَا أَوْلَى مِنْ قِيَاسِ الشَّافِعِيِّ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ الْمَمْسُوحُ عَلَى الْمَغْسُولِ لِأَنَّهُ قِيَاسُ الْمَمْسُوحِ عَلَى الْمَمْسُوحِ انْتَهَى ابْنُ فَرْشَتَةَ ( قَوْلُهُ الْمَنْصُوصُ عَلَيْهِ مِنْ جِهَةِ الْعُلَمَاءِ ) لِيَخْرُجَ الْمَنْصُوصُ عَلَيْهِ مِنْ جِهَةِ النَّصِّ فَإِنَّهُ لَا تَجُوزُ مُخَالَفَتُهُ ( قَوْلُهُ { لَا يَقْبَلُ اللَّهُ صَلَاةَ امْرِئٍ } إلَى آخِرِهِ ) هَذَا الْحَدِيثُ ضَعَّفَهُ أَبُو بَكْرٍ الرَّازِيّ وَقَالَ النَّوَوِيُّ هُوَ ضَعِيفٌ غَيْرُ مَعْرُوفٍ انْتَهَى كَاكِيٌّ ( قَوْلُهُ عَلَى الْقِيَامِ إلَى الصَّلَاةِ ) فَصَارَ كَأَنَّهُ قَالَ : وَاَللَّهُ أَعْلَمُ فَاغْسِلُوا هَذِهِ الْأَعْضَاءَ ( قَوْلُهُ وَهُوَ ) أَيْ نَصُّ الْقُرْآنِ أَوْ الشَّافِعِيُّ انْتَهَى قَوْله تَعَالَى { وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ } أَيْ وَصَوَّرْنَاكُمْ وقَوْله

تَعَالَى { فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ } إلَى قَوْله تَعَالَى { ثُمَّ كَانَ مِنْ الَّذِينَ آمَنُوا } أَيْ وَكَانَ مِنْ الَّذِينَ آمَنُوا وَقْتَ الْإِطْعَامِ ؛ لِأَنَّ إطْعَامَ الْكَافِرِ لَا يَنْفَعُ وَلَوْ آمَنَ بَعْدَهُ كَذَا فِي أَصْلِ نُسْخَةِ الشَّيْخِ يَحْيَى السِّيرَامِيِّ الَّتِي بِخَطِّ الشَّيْخِ شَمْسِ الدِّينِ الزَّرَايَتِيِّ قَالَ السِّيرَامِيُّ لَمْ يُوجَدْ هَذَا فِي الْمُسَوَّدَةِ الَّتِي بِخَطِّ الْمُصَنِّفِ ( قَوْلُهُ وَلَمْ يَقُلْ بِهِ أَحَدٌ ) أَيْ لَمْ يَقُلْ أَحَدٌ بِعَدَمِ قَبُولِ الصَّلَاةِ بِدُونِ آدَابِهِ فَعُلِمَ أَنَّ عَدَمَ الْقَبُولِ رَاجِعٌ لِأَصْلِ الْوُضُوءِ دُونَ سُنَنِهِ وَآدَابِهِ انْتَهَى يَحْيَى

قَالَ رَحِمَهُ اللَّهُ ( وَمُسْتَحَبُّهُ التَّيَامُنُ ) لِحَدِيثِ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا { إنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يُحِبُّ التَّيَامُنَ فِي شَأْنِهِ كُلِّهِ حَتَّى فِي تَنَعُّلِهِ وَتَرَجُّلِهِ وَطَهُورِهِ } قَالَ رَحِمَهُ اللَّهُ ( وَمَسْحُ رَقَبَتِهِ ) لِأَنَّهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ مَسَحَ عَلَيْهَا .( قَوْلُهُ فِي الْمَتْنِ وَمَسْحُ رَقَبَتِهِ ) أَيْ بِظَهْرِ الْيَدَيْنِ لِعَدَمِ اسْتِعْمَالِ بَلَّتِهِمَا وَالْحُلْقُومُ بِدْعَةٌ انْتَهَى كَمَالٌ ، وَقَالَ فِي الِاخْتِيَارِ وَمَسْحُ الرَّقَبَةِ قِيلَ سُنَّةٌ وَقِيلَ مُسْتَحَبٌّ انْتَهَى

وَمِنْ آدَابِ الْوُضُوءِ اسْتِقْبَالُ الْقِبْلَةِ عِنْدَهُ وَدَلْكُ أَعْضَائِهِ وَإِدْخَالُ خِنْصَرِهِ فِي صِمَاخِ أُذُنَيْهِ ، ذَكَرَهُ فِي الْغَايَةِ ، وَتَقْدِيمُ الْوُضُوءِ عَلَى الْوَقْتِ وَتَحْرِيكُ خَاتَمِهِ ، وَأَنْ لَا يَسْتَعِينَ فِيهِ بِغَيْرِهِ وَأَنْ لَا يَتَكَلَّمَ فِيهِ بِكَلَامِ النَّاسِ وَيَنْثُرَ الْمَاءَ عَلَى وَجْهِهِ مِنْ غَيْرِ لَطْمٍ وَالْجُلُوسُ فِي مَكَان مُرْتَفِعٍ وَجَعْلُ الْإِنَاءِ الصَّغِيرِ عَلَى يَسَارِهِ وَالْكَبِيرِ الَّذِي يَغْتَرِفُ مِنْهُ عَلَى يَمِينِهِ ، وَالْجَمْعُ بَيْنَ نِيَّةِ الْقَلْبِ وَفِعْلِ اللِّسَانِ وَتَسْمِيَةُ اللَّهِ تَعَالَى عِنْدَ غَسْلِ كُلِّ عُضْوٍ ، وَأَنْ يَقُولَ عِنْدَ الْمَضْمَضَةِ اللَّهُمَّ أَعِنِّي عَلَى تِلَاوَةِ الْقُرْآنِ وَذِكْرِك وَشُكْرِك وَحُسْنِ عِبَادَتِك وَعِنْدَ الِاسْتِنْشَاقِ اللَّهُمَّ أَرِحْنِي رَائِحَةَ الْجَنَّةِ وَلَا تُرِحْنِي رَائِحَةَ النَّارِ وَعِنْدَ غَسْلِ وَجْهِهِ اللَّهُمَّ بَيِّضْ وَجْهِي يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ ، وَعِنْدَ غَسْلِ يَدِهِ الْيُمْنَى اللَّهُمَّ أَعْطِنِي كِتَابِي بِيَمِينِي وَحَاسِبْنِي حِسَابًا يَسِيرًا ، وَعِنْدَ غَسْلِ الْيُسْرَى اللَّهُمَّ لَا تُعْطِنِي كِتَابِي بِشِمَالِي وَلَا مِنْ وَرَاءِ ظَهْرِي ، وَعِنْدَ مَسْحِ رَأْسِهِ اللَّهُمَّ أَظِلَّنِي تَحْتَ ظِلِّ عَرْشِك يَوْمَ لَا ظِلَّ إلَّا ظِلُّ عَرْشِك ، وَعِنْدَ مَسْحِ أُذُنَيْهِ اللَّهُمَّ اجْعَلْنِي مِنْ الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ ، وَعِنْدَ مَسْحِ عُنُقِهِ اللَّهُمَّ أَعْتِقْ رَقَبَتِي مِنْ النَّارِ ، وَعِنْدَ غَسْلِ قَدَمِهِ الْيُمْنَى اللَّهُمَّ ثَبِّتْ قَدَمِي عَلَى الصِّرَاطِ يَوْمَ تَزِلُّ الْأَقْدَامُ ، وَعِنْدَ غَسْلِ رِجْلِهِ الْيُسْرَى اللَّهُمَّ اجْعَلْ ذَنْبِي مَغْفُورًا وَسَعْيِي مَشْكُورًا وَتِجَارَتِي لَنْ تَبُورَ ، وَيُصَلِّي عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعْدَ غَسْلِ كُلِّ عُضْوٍ ، وَيَقُولُ بَعْدَ الْفَرَاغِ اللَّهُمَّ اجْعَلْنِي مِنْ التَّوَّابِينَ وَاجْعَلْنِي مِنْ الْمُتَطَهِّرِينَ ، وَيَشْرَبُ شَيْئًا مِنْ فَضْلِ وَضُوئِهِ مُسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةِ قَائِمًا قِيلَ لَا يَشْرَبُ قَائِمًا إلَّا فِي هَذَا

الْمَوْضِعِ وَعِنْدَ زَمْزَمَ ، وَيُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ بَعْدَ الْفَرَاغِ وَلَا يُنْقِصُ مَاؤُهُ أَيْ مَاءَ وُضُوئِهِ عَنْ مُدٍّ .

( قَوْلُهُ وَأَنْ لَا يَسْتَعِينَ فِيهِ بِغَيْرِهِ ) قَالَ فِي الِاخْتِيَارِ وَيُكْرَهُ أَنْ يَسْتَعِينَ فِي وُضُوئِهِ بِغَيْرِهِ إلَّا عِنْدَ الْفَجْرِ لِيَكُونَ أَعْظَمَ لِثَوَابِهِ وَأَخْلَصَ لِعِبَادَتِهِ انْتَهَى وَفِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ { أَنَّ أُسَامَةَ صَبَّ الْمَاءَ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي وُضُوئِهِ } ، وَكَذَلِكَ الْمُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ وَفِي شَرْحِهِ لِمُغَلْطَاي قَالَ فِي الطَّبَرِيِّ صَحَّ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ صَبَّ عَلَى يَدَيْ عُمَرَ الْوَضُوءَ وَرُوِيَ عَنْ ابْنِ عُمَرَ الْمَنْعُ عَنْهُ ، وَالصَّحِيحُ خِلَافُهُ لِأَنَّ رَاوِيَ الْمَنْعِ عَنْهُ أَيَقَعُ وَهُوَ مَجْهُولٌ ، وَثَبَتَ أَنَّ مُجَاهِدًا كَانَ يَسْكُبُ الْمَاءَ عَلَى ابْنِ عُمَرَ فَيَغْسِلُ رِجْلَيْهِ ، وَكَذَا النَّهْيُ عَنْ عَلِيٍّ لَيْسَ بِصَحِيحٍ ؛ لِأَنَّ رِوَايَةَ النَّضْرِ بْنِ مَنْصُورٍ عَنْ أَبِي الْجَوْنِ عَنْهُ وَهُمَا غَيْرُ حُجَّةٍ فِي الدِّينِ ، وَلِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ أُسَامَةُ تَبَرَّعَ بِالصَّبِّ وَكَذَا غَيْرُهُ مِنْ غَيْرِ أَمْرٍ مِنْهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَهَلْ يَجُوزُ أَنْ يَسْتَدْعِيَ الْإِنْسَانُ الصَّبَّ مِنْ غَيْرِهِ فَيَأْمُرُهُ بِهِ فَيُقَالُ لَهُ نَعَمْ لِمَا رَوَيْنَا مِنْ عِنْدِ التِّرْمِذِيِّ مُحْسِنًا مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَقِيلٍ عَنْ الرَّبِيعِ أَنَّهَا قَالَتْ { أَتَيْت النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِمِيضَأَةٍ فَقَالَ اُسْكُبِي فَسَكَبْت } وَالِاسْتِعَانَةُ جَائِزَةٌ فِي السَّفَرِ وَالْحَضَرِ لِمَا فِي حَدِيثِ صَفْوَانَ بْنِ عَسَّالٍ مِنْ عِنْدِ ابْنِ مَاجَهْ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَلَى شَرْطِ ابْنِ حِبَّانَ قَالَ { صَبَبْت عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْمَاءَ فِي السَّفَرِ وَالْحَضَرِ فِي الْوُضُوءِ } ، وَأَمَّا فِي حَدِيثِ { إنَّا لَا نَسْتَعِينُ عَلَى الْوُضُوءِ بِأَحَدٍ } فَقَدْ ذَكَرَ فِيهِ النَّوَوِيُّ أَنَّهُ حَدِيثٌ بَاطِلٌ ، لَكِنْ صَحَّ أَنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ مَا كَانَ يَسْتَعِينُ عَلَى الْوُضُوءِ بِأَحَدٍ فَيُحْمَلُ الْأَوَّلُ عَلَى الْجَوَازِ وَالثَّانِي عَلَى الِاسْتِحْبَابِ ، كَذَا قَالَهُ السُّرُوجِيُّ قَالَ فِي الْقُنْيَةِ :

وَالْوُضُوءُ بِنَفْسِهِ أَوْلَى مِنْ الِاسْتِعَانَةِ بِغَيْرِهِ كَالصَّلَاةِ فِي الْأَرْضِ الطَّاهِرَةِ أَوْلَى مِنْهَا عَلَى الطَّنَافِسِ انْتَهَى وَذَكَرَ الْعَلَّامَةُ كَمَالُ الدِّينِ رَحِمَهُ اللَّهُ مِنْ جِهَةِ الْآدَابِ اسْتِقَاءَ مَائِهِ بِنَفْسِهِ وَأَنْ يَمْلَأَ الْإِنَاءَ بَعْدَ فَرَاغِهِ اسْتِعْدَادًا لِصَلَاةٍ أُخْرَى ، وَأَنْ لَا يُكَلِّمَ النَّاسَ فِي الْوُضُوءِ انْتَهَى زَادُ الْفَقِيرِ ( قَوْلُهُ وَأَنْ يَقُولَ عِنْدَ الْمَضْمَضَةِ اللَّهُمَّ أَعِنِّي عَلَى تِلَاوَةِ ذِكْرِك إلَى آخِرِهِ ) ذَكَرَ النَّوَوِيُّ أَنَّ هَذِهِ الْأَدْعِيَةَ مَأْثُورَةٌ عَنْ السَّلَفِ ، وَلَيْسَتْ بِمَنْقُولَةٍ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ انْتَهَى

وَمَكْرُوهَاتُهُ لَطْمُ الْوَجْهِ بِالْمَاءِ وَالْإِسْرَافُ فِيهِ وَتَثْلِيثُ الْمَسْحِ بِمَاءٍ جَدِيدٍ وَلَا بَأْسَ بِالتَّمَسُّحِ بِالْمِنْدِيلِ بَعْدَ الْوُضُوءِ ، رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عُثْمَانَ وَأَنَسٍ وَمَسْرُوقٍ وَالْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ( قَوْلُهُ وَلَا بَأْسَ بِالتَّمَسُّحِ بِالْمِنْدِيلِ ) وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ وَأَحْمَدُ انْتَهَى كَاكِيٌّ ، وَعَنْ الْحَلْوَانِيِّ التَّجْفِيفُ قَبْلَ غَسْلِ الْقَدَمَيْنِ بِالْمِنْدِيلِ لَا يُفْعَلُ ؛ لِأَنَّ فِيهِ تَرْكَ الْوَلَاءِ انْتَهَى كَاكِيٌّ

قَالَ رَحِمَهُ اللَّهُ ( وَيَنْقُضُهُ خُرُوجُ نَجِسٍ مِنْهُ ) أَيْ وَيَنْقُضُ الْوُضُوءَ خُرُوجُ نَجِسٍ فَدَخَلَ تَحْتَ هَذِهِ الْكَلِمَةِ جَمِيعُ النَّوَاقِضِ الْحَقِيقِيَّةِ ، وَإِنْ كَانَ طَاهِرًا فِي نَفْسِهِ كَالدُّودَةِ مِنْ الدُّبُرِ ؛ لِأَنَّهَا تَسْتَصْحِبُ شَيْئًا مِنْ النَّجَاسَةِ وَتِلْكَ هِيَ النَّاقِضَةُ لِلْوُضُوءِ فَصَدَقَ قَوْلُهُ خُرُوجُ نَجِسٍ ، وَهُوَ مُجْمَلٌ فَيَحْتَاجُ فِيهِ إلَى التَّفْصِيلِ مِنْ بَيَانِ الْمَخْرَجِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهُ اعْلَمْ أَنَّ الْمَخْرَجَ عَلَى نَوْعَيْنِ سَبِيلَيْنِ وَغَيْرِهِمَا ، أَمَّا السَّبِيلَانِ فَخُرُوجُ كُلِّ شَيْءٍ مِنْهُمَا نَاقِضٌ لِلْوُضُوءِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى { أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنْ الْغَائِطِ } وَهُوَ اسْمٌ لِلْمَوْضِعِ الْمُطْمَئِنِّ مِنْ الْأَرْضِ فَاسْتُعِيرَ لِمَا يَخْرُجُ إلَيْهِ ، فَيَتَنَاوَلُ الْمُعْتَادَ وَغَيْرَهُ ، وَلِقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ حِينَ سُئِلَ عَنْ الْحَدَثِ مَا يَخْرُجُ مِنْ السَّبِيلَيْنِ وَكَلِمَةُ مَا عَامَّةٌ تَتَنَاوَلُ الْمُعْتَادَ وَغَيْرَهُ خِلَافًا لِمَالِكٍ رَحِمَهُ اللَّهُ فِي غَيْرِ الْمُعْتَادِ ، وَالْحُجَّةُ عَلَيْهِ مَا تَلَوْنَاهُ وَمَا رَوَيْنَاهُ وَقَوْلُهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ لِلْمُسْتَحَاضَةِ { تَوَضَّئِي لِوَقْتِ كُلِّ صَلَاةٍ } وَدَمُ الِاسْتِحَاضَةِ لَيْسَ بِمُعْتَادٍ ، ثُمَّ خُرُوجُهُ يَكُونُ بِالظُّهُورِ حَتَّى لَا يَنْتَقِضُ بِنُزُولِ الْبَوْلِ إلَى قَصَبَةِ الذَّكَرِ ، وَلَوْ نَزَلَ إلَى الْقُلْفَةِ انْتَقَضَ ، وَهُوَ مُشْكِلٌ لِأَنَّهُمْ قَالُوا لَا يَجِبُ عَلَى الْجُنُبِ إيصَالُ الْمَاءِ إلَيْهِ ؛ لِأَنَّهُ خِلْقَةٌ كَالْقَصَبَةِ عَلَى مَا يَجِيءُ بَيَانُهُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى وَإِنْ حَشَا إحْلِيلَهُ بِقُطْنٍ فَخُرُوجُهُ بِابْتِلَالِ خَارِجِهِ ، وَإِنْ حَشَتْ الْمَرْأَةُ فَرْجَهَا بِهِ فَإِنْ كَانَ دَاخِلَ الْفَرْجِ فَلَا وُضُوءَ عَلَيْهَا خِلَافًا لِأَبِي يُوسُفَ فِيمَا إذَا عَلِمَتْ أَنَّهَا لَوْ لَمْ تَحْبِسْهُ لَخَرَجَ وَلَوْ أَدْخَلَتْ فِي فَرْجِهَا أَوْ دُبُرِهَا يَدَهَا أَوْ شَيْئًا آخَرَ يَنْتَقِضُ وُضُوءُهَا إذَا أَخْرَجَتْهُ ؛ لِأَنَّهُ يَسْتَصْحِبُ النَّجَاسَةَ ، وَالرِّيحُ الْخَارِجُ مِنْ قُبُلِ

الْمَرْأَةِ ، وَذَكَرِ الرَّجُلِ لَا يَنْقُضُ الْوُضُوءَ لِأَنَّهُ اخْتِلَاجٌ وَلَيْسَ بِرِيحٍ ، وَعَنْ مُحَمَّدٍ أَنَّهُ حَدَثٌ مِنْ قُبُلِهَا قِيَاسًا عَلَى الدُّبُرِ وَعَلَى هَذَا الْخِلَافِ الدُّودَةُ الْخَارِجَةُ مِنْ قُبُلِهَا ، وَإِنْ كَانَتْ الْمَرْأَةُ مُفْضَاةً وَهِيَ الَّتِي صَارَ مَسْلَكُ الْبَوْلِ وَالْغَائِطِ مِنْهَا وَاحِدًا أَوْ الَّتِي صَارَ مَسْلَكُ بَوْلِهَا وَوَطْئِهَا وَاحِدًا فَيُسْتَحَبُّ لَهَا الْوُضُوءُ احْتِيَاطًا وَلَا يَجِبُ ؛ لِأَنَّ الْيَقِينَ لَا يُزَالُ بِالشَّكِّ ، وَقَالَ أَبُو حَفْصٍ : يَجِبُ وَقِيلَ إنْ كَانَتْ الرِّيحُ مُنْتِنَةً يَجِبُ وَإِلَّا فَلَا ، وَالْخُنْثَى إذَا تَبَيَّنَ أَنَّهُ رَجُلٌ أَوْ امْرَأَةٌ فَالْفَرْجُ الْآخَرُ مِنْهُ بِمَنْزِلَةِ الْقُرْحَةِ فَلَا يَنْقُضُ الْخَارِجُ مِنْهُ الْوُضُوءَ مَا لَمْ يَسِلْ ، وَأَكْثَرُهُمْ عَلَى إيجَابِ الْوُضُوءِ عَلَيْهِ ، وَأَمَّا غَيْرُهُمَا أَيْ غَيْرُ السَّبِيلَيْنِ إذَا خَرَجَ مِنْهُ شَيْءٌ وَوَصَلَ إلَى مَوْضِعٍ يَجِبُ تَطْهِيرُهُ فِي الْجَنَابَةِ وَنَحْوِهِ يَنْقُضُ الْوُضُوءَ ، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ لَا يَنْقُضُ لِحَدِيثِ صَفْوَانَ بْنِ عَسَّالٍ لَكِنْ مِنْ بَوْلٍ الْحَدِيثَ ، وَلَمْ يَذْكُرْ الْخَارِجَ مِنْ غَيْرِ السَّبِيلَيْنِ وَلَوْ كَانَ حَدَثًا لَذَكَرَهُ ، وَلِأَنَّ تَرْكَ مَوْضِعٍ أَصَابَهُ نَجَسٌ وَغَسْلَ مَوْضِعٍ لَمْ يُصِبْهُ مِمَّا لَا يُعْقَلُ فَيُقْتَصَرُ عَلَى مَوْرِدِ الشَّرْعِ وَلَنَا قَوْلُهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ { الْوُضُوءُ مِنْ كُلِّ دَمٍ سَائِلٍ } وَهُوَ مَذْهَبُ الْعَشَرَةِ الْمُبَشَّرِينَ بِالْجَنَّةِ وَابْنِ مَسْعُودٍ وَابْنِ عَبَّاسٍ وَزَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ وَأَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ وَغَيْرِهِمْ مِنْ كِبَارِ الصَّحَابَةِ وَصُدُورِ التَّابِعِينَ ، وَلِأَنَّ خُرُوجَ النَّجَسِ مُؤَثِّرٌ فِي زَوَالِ الطَّهَارَةِ ، أَمَّا مَوْضِعُ الْخُرُوجِ فَظَاهِرٌ وَأَمَّا غَيْرُهُ فَلِأَنَّ بَدَنَ الْإِنْسَانِ بِاعْتِبَارِ مَا يَخْرُجُ مِنْهُ لَا يَتَجَزَّأُ فِي الْوَصْفِ فَإِذَا وُصِفَ مَوْضِعٌ مِنْهُ بِالنَّجَاسَةِ وَجَبَ وَصْفُ كُلِّهِ بِذَلِكَ كَالْإِيمَانِ وَالْكُفْرِ وَالْكَذِبِ وَالصِّدْقِ وَنَحْوِ ذَلِكَ فَإِنَّهُ يُوصَفُ بِهِ كُلُّهُ ، وَإِنْ كَانَ

كُلُّ وَاحِدٍ مِنْ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ فِي مَحَلٍّ مَخْصُوصٍ فَإِذَا صَارَ كُلُّهُ نَجِسًا وَجَبَ تَطْهِيرُ كُلِّهِ ، لَكِنْ وَرَدَ الشَّرْعُ بِالِاقْتِصَارِ عَلَى الْأَعْضَاءِ الْأَرْبَعَةِ فِي السَّبِيلَيْنِ لِلْحَرَجِ لِتَكَرُّرِ مَا يَخْرُجُ مِنْهُمَا فَأَلْحَقْنَا بِهِ مَا هُوَ فِي مَعْنَاهُ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ ، وَمَا رَوَاهُ لَا يُنَافِي غَيْرَهُ أَلَا تَرَى أَنَّ اللَّمْسَ عِنْدَهُ حَدَثٌ مَعَ أَنَّهُ لَمْ يُذْكَرْ فِي هَذَا الْحَدِيثِ ، ثُمَّ الْخُرُوجُ إنَّمَا يَتَحَقَّقُ بِوُصُولِهِ إلَى مَا ذَكَرْنَا ؛ لِأَنَّ مَا تَحْتَ الْجِلْدَةِ مَمْلُوءٌ دَمًا فَبِالظُّهُورِ لَا يَكُونُ خَارِجًا بَلْ بَادِيًا وَهُوَ فِي مَوْضِعِهِ بِخِلَافِ السَّبِيلَيْنِ ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ الْمَوْضِعَ لَيْسَ بِمَوْضِعِ النَّجَاسَةِ فَيُسْتَدَلُّ بِالظُّهُورِ عَلَى الِانْتِقَالِ عَنْ مَوْضِعِهِ ، وَكَذَا لَوْ عَلَا عَلَى رَأْسِ الْجُرْحِ مَا لَمْ يَنْحَدِرْ لَمْ يَنْقُضْ ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِسَائِلٍ وَبِهِ يَتَحَقَّقُ الْخُرُوجُ وَقَالَ مُحَمَّدٌ يَنْتَقِضُ وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ وَلَا فَرْقَ بَيْنَ الصَّدِيدِ وَالدَّمِ وَالْقَيْحِ وَالْمَاءِ خِلَافًا لِلْحَسَنِ فِي غَيْرِ الدَّمِ ، هُوَ يَجْعَلُهُ كَالْعَرَقِ وَاللَّبَنِ وَالْمُخَاطِ وَلَنَا أَنَّهُ دَمٌ تَمَّ نُضْجُهُ ؛ لِأَنَّ الدَّمَ يَنْضَجُ فَيَصِيرُ صَدِيدًا ، ثُمَّ يَزْدَادُ نُضْجًا فَيَصِيرُ قَيْحًا ، ثُمَّ يَزْدَادُ نُضْجًا فَيَصِيرُ مَاءً فَإِذَا تَمَّ نُضْجُهُ فَلَا يَتَغَيَّرُ فَصَارَ كَسَائِرِ أَنْوَاعِهِ ، كَذَا ذَكَرَهُ فِي الْغَايَةِ وَذَكَرَ قَاضِي خَانْ خِلَافَ الْحَسَنِ فِي الْمَاءِ لَا غَيْرُ وَلَوْ نَزَلَ الدَّمُ مِنْ الْأَنْفِ انْتَقَضَ وُضُوءُهُ إذَا وَصَلَ إلَى مَا لَانَ مِنْهُ ؛ لِأَنَّهُ يَجِبُ تَطْهِيرُهُ وَإِنْ خَرَجَ مِنْ نَفْسِ الْفَمِ تُعْتَبَرُ الْغَلَبَةُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الرِّيقِ ، وَإِنْ تَسَاوَيَا انْتَقَضَ الْوُضُوءُ ؛ لِأَنَّ الْبُصَاقَ سَائِلٌ بِقُوَّةِ نَفْسِهِ فَكَذَا مُسَاوِيهِ بِخِلَافِ الْمَغْلُوبِ لِأَنَّهُ سَائِلٌ بِقُوَّةِ الْغَالِبِ ، وَيُعْتَبَرُ ذَلِكَ مِنْ حَيْثُ اللَّوْنُ فَإِنْ كَانَ أَحْمَرَ انْتَقَضَ ، وَإِنْ كَانَ أَصْفَرَ لَا يَنْتَقِضُ ، وَذَكَرَ الْإِمَامُ عَلَاءُ الدِّينِ

أَنَّ مَنْ أَكَلَ خُبْزًا وَرَأَى أَثَرَ الدَّمِ فِيهِ مِنْ أُصُولِ أَسْنَانِهِ يَنْبَغِي أَنْ يَضَعَ إصْبَعَهُ أَوْ طَرَفَ كُمِّهِ عَلَى ذَلِكَ الْمَوْضِعِ فَإِنْ وَجَدَ فِيهِ أَثَرَ الدَّمِ انْتَقَضَ وُضُوءُهُ وَإِلَّا فَلَا وَالْقَيْحُ الْخَارِجُ مِنْ الْأُذُنِ أَوْ الصَّدِيدُ إنْ كَانَ بِدُونِ الْوَجَعِ لَا يَنْقُضُ الْوُضُوءَ ، وَمَعَ الْوَجَعِ يَنْقُضُ لِأَنَّهُ دَلِيلُ الْجُرْحِ رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ الْحَلْوَانِيِّ وَلَوْ كَانَ فِي عَيْنَيْهِ رَمَدٌ أَوْ عَمَشٌ يَسِيلُ مِنْهُمَا الدُّمُوعُ قَالُوا يُؤْمَرُ بِالْوُضُوءِ لِوَقْتِ كُلِّ صَلَاةٍ لِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ صَدِيدًا أَوْ قَيْحًا ، وَلَوْ كَانَ الدَّمُ فِي الْجُرْحِ فَأَخَذَهُ بِخِرْقَةٍ أَوْ أَكَلَهُ الذُّبَابُ فَازْدَادَ فِي مَكَانِهِ فَإِنْ كَانَ بِحَيْثُ يَزِيدُ وَيَسِيلُ لَوْ لَمْ يَأْخُذْهُ بَطَلَ وُضُوءُهُ ، وَإِلَّا فَلَا وَلَوْ خَرَجَ بِالْعَصْرِ لَا يَنْقُضُ الْوُضُوءَ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِخَارِجٍ ، وَإِنَّمَا هُوَ مُخْرَجٌ ، وَقَالَ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ يَنْقُضُ وَهُوَ حَدَثٌ عَمْدٌ عِنْدَهُ قَالَ رَحِمَهُ اللَّهُ

( قَوْلُهُ فِي الْمَتْنِ وَيَنْقُضُهُ خُرُوجُ نَجِسٍ ) أَشَارَ بِالْخُرُوجِ إلَى أَنَّ الْمَخْرَجَ لَا يَنْقُضُ ، وَالْخُرُوجُ بِمُجَرَّدِ الظُّهُورِ فِي السَّبِيلَيْنِ وَفِي غَيْرِهِمَا بِالسَّيَلَانِ إلَى مَوْضِعٍ يَلْحَقُهُ حُكْمُ التَّطْهِيرِ انْتَهَى ( قَوْلُهُ النَّوَاقِضُ الْحَقِيقِيَّةُ ) احْتِرَازًا عَنْ النَّوَاقِضِ الْحُكْمِيَّةِ كَالنَّوْمِ وَالْإِغْمَاءِ وَالسُّكْرِ انْتَهَى ( قَوْلُهُ فَتِلْكَ هِيَ النَّاقِضَةُ لِلْوُضُوءِ ) وَعَلَى هَذَا فَإِضَافَتُهُمْ النَّقْضَ إلَى الدُّودَةِ مَجَازٌ انْتَهَى ( قَوْلُهُ فَيَتَنَاوَلُ الْمُعْتَادَ وَغَيْرَهُ ) كَالْحَصَاةِ وَالدُّودَةِ وَالْمُعْتَادُ قَدْ لَا يَكُونُ عَلَى الْوَجْهِ الْمُعْتَادِ كَالْبَوْلِ وَالدَّمِ وَدَمِ الِاسْتِحَاضَةِ ، وَلَفْظُ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةَ يَتَنَاوَلُ الْجَمِيعَ ( قَوْلُهُ وَلَوْ نَزَلَ إلَى الْقُلْفَةِ ) قَالَ الْكَمَالُ رَحِمَهُ اللَّهُ وَإِلَى الْقُلْفَةِ فِيهِ خِلَافٌ وَالصَّحِيحُ النَّقْضُ فِيهِ قَالَ الْمُصَنِّفُ فِي التَّجْنِيسِ ؛ لِأَنَّ هَذَا بِمَنْزِلَةِ الْمَرْأَةِ إذَا خَرَجَ مِنْ فَرْجِهَا بَوْلٌ وَلَمْ يَظْهَرْ ( قَوْلُهُ بِابْتِلَالِ خَارِجِهِ ) وَلَوْ نَفَذَ إلَى طَاقٍ وَلَمْ يَنْفُذْ إلَى الْآخَرِ نَقَضَ انْتَهَى كَاكِيٌّ ( قَوْلُهُ فَلَا وُضُوءَ عَلَيْهَا ) فَلَوْ أَخْرَجَتْهُ وَعَلَيْهِ بَلَّةٌ كَانَ حَدَثًا حَالَةَ الْإِخْرَاجِ ، وَإِنْ كَانَتْ الْقُطْنَةُ فِي الشَّفَتَيْنِ نَقَضَ انْتَهَى كَاكِيٌّ ( قَوْلُهُ فِيمَا تَقَدَّمَ وَيَنْقُضُهُ خُرُوجُ نَجِسٍ ) ظَاهِرُهُ أَنَّ النَّاقِضَ هُوَ الْخُرُوجُ لَا الْخَارِجُ النَّجِسُ وَعِبَارَتُهُ فِي الْوَافِي وَيَنْقُضُهُ مَا خَرَجَ مِنْ السَّبِيلَيْنِ وَهِيَ كَمَا تَرَى صَرِيحَةٌ فِي أَنَّ النَّاقِضَ هُوَ الْخَارِجُ النَّجِسُ ، وَقَدْ قَالَ الْمُصَنِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى فِي الْمُسْتَصْفَى عِنْدَ قَوْلِهِ فِي النَّافِعِ وَالدَّمُ وَالْقَيْحُ إذَا خَرَجَا مِنْ الْبَدَنِ شُرِطَ الْخُرُوجُ ؛ لِأَنَّ نَفْسَ النَّجَاسَةِ غَيْرُ نَاقِضٍ مَا لَمْ تُوصَفْ بِالْخُرُوجِ إذْ لَوْ كَانَ نَفْسُهَا نَاقِضًا لَمَا حَصَلَتْ الطَّهَارَةُ لِشَخْصٍ مَا قَوْلُهُ يَدُهَا ) قَالَ الْوَلْوَالِجِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ

مَنْ أَدْخَلَ إصْبَعَهُ عِنْدَ الِاسْتِنْجَاءِ فِي الدُّبُرِ يَنْقُضُ وُضُوءُهُ وَيَفْسُدُ صَوْمُهُ ؛ لِأَنَّ إصْبَعَهُ لَا يَخْلُو عَنْ الْبَلَّةِ السَّائِلَةِ انْتَهَى ( قَوْلُهُ وَذَكَرِ الرَّجُلِ لَا يَنْقُضُ ) أَيْ فِي أَصَحِّ الرِّوَايَتَيْنِ انْتَهَى كَاكِيٌّ ( قَوْلُهُ فَيُسْتَحَبُّ لَهَا الْوُضُوءُ احْتِيَاطًا ) لِاحْتِمَالِ خُرُوجِهَا مِنْ الدُّبُرِ انْتَهَى هِدَايَةٌ وَأَثَرُ هَذَا الِاحْتِمَالِ يَظْهَرُ فِي مَسْأَلَةٍ أُخْرَى وَهِيَ أَنَّ الْمُفْضَاةَ إذَا طَلَّقَهَا زَوْجُهَا ثَلَاثًا وَتَزَوَّجَتْ بِآخَرَ ، وَدَخَلَ بِهَا الزَّوْجُ الثَّانِي لَا تَحِلُّ لِلْأَوَّلِ مَا لَمْ تَحْبَلْ لِاحْتِمَالِ أَنَّ الْوَطْءَ كَانَ فِي دُبُرِهَا لَا فِي قُبُلِهَا انْتَهَى كَاكِيٌّ وَفِي حُرْمَةِ جِمَاعِهَا عَلَى الزَّوْجِ قَالَ فِي فَتَاوَى قَاضِي خَانْ إلَّا أَنْ يَعْلَمَ أَنَّهُ يُمْكِنُهُ إتْيَانُهَا فِي قُبُلِهَا مِنْ غَيْرِ تَعَدٍّ انْتَهَى كَمَالٌ وَكَتَبَ أَيْضًا عَلَى قَوْلِهِ فَيُسْتَحَبُّ لَهَا الْوُضُوءُ إلَى آخِرِهِ مَا نَصُّهُ قَالَ الْكَمَالُ رَحِمَهُ اللَّهُ : وَفِي التَّعْلِيلِ وَهُوَ قَوْلُهُ لِاحْتِمَالِ خُرُوجِهِ مِنْ الدُّبُرِ إشَارَةً إلَى الْأَوَّلِ انْتَهَى ( قَوْلُهُ وَقَالَ أَبُو حَفْصٍ يَجِبُ ) وَهُوَ رِوَايَةُ هِشَامٍ عَنْ مُحَمَّدٍ انْتَهَى كَاكِيٌّ ( قَوْلُهُ إذَا تَبَيَّنَ أَنَّهُ رَجُلٌ أَوْ امْرَأَةٌ ) وَإِنْ كَانَ مُشْكِلًا فَكُلٌّ مِنْهُمَا فِي حُكْمِ الْفَرْجِ الْمُعْتَادِ حَتَّى انْتَقَضَ وُضُوءُهُ بِمُجَرَّدِ الظُّهُورِ ، وَلَا يُشْتَرَطُ السَّيَلَانُ إلَى مَوْضِعٍ يَلْحَقُهُ حُكْمُ التَّطْهِيرِ انْتَهَى يَحْيَى ( قَوْلُهُ وَأَكْثَرُهُمْ عَلَى إيجَابِ الْوُضُوءِ ) يَعْنِي سَالَ أَوْ لَمْ يَسِلْ احْتِيَاطًا لِاحْتِمَالِ أَنَّهُ فَرْجٌ انْتَهَى ( قَوْلُهُ وَأَمَّا غَيْرُهُمَا ) أَيْ غَيْرُ السَّبِيلَيْنِ ( قَوْلُهُ وَوَصَلَ إلَى مَوْضِعٍ ) أَيْ وَهُوَ ظَاهِرُ الْبَدَنِ ( قَوْلُهُ فِي الْجَنَابَةِ وَنَحْوِهِ ) أَيْ الْحَدَثِ الْأَصْغَرِ انْتَهَى ( قَوْلُهُ عَلَى مَوْرِدِ الشَّرْعِ ) أَيْ وَهُوَ الْخَارِجُ مِنْ السَّبِيلَيْنِ انْتَهَى ( قَوْلُهُ وَصُدُورِ التَّابِعِينَ ) كَالْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ وَالثَّوْرِيِّ ،

وَالْحَاصِلُ أَنَّ الْخَارِجَ مِنْ السَّبِيلَيْنِ إنَّمَا كَانَ حَدَثًا لِكَوْنِهِ خَارِجًا نَجِسًا ، وَهَذَا الْمَعْنَى مُتَحَقِّقٌ فِي الْخَارِجِ النَّجِسِ مِنْ غَيْرِ السَّبِيلَيْنِ فَهُوَ فِي مَعْنَاهُ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ فَيَلْحَقُ بِهِ دَلَالَةً فَيَكُونُ حَدَثًا يَحْيَى ( قَوْلُهُ خِلَافَ الْحَسَنِ فِي الْمَاءِ ) قَالَ الْحَلْوَانِيُّ : وَفِيهِ تَوْسِعَةٌ لِمَنْ بِهِ جَرَبٌ أَوْ جُدَرِيٌّ أَوْ مَجَلَتْ يَدُهُ مُجْتَبَى ( قَوْلُهُ قَالُوا يُؤْمَرُ بِالْوُضُوءِ ) قَالَ الزَّاهِدِيُّ وَهَذِهِ مَسْأَلَةٌ النَّاسُ عَنْهَا غَافِلُونَ قَالَ الشَّيْخُ كَمَالُ الدِّينِ فِي فَصْلِ الْمُسْتَحَاضَةِ وَقَوْلُ هَذَا التَّعْلِيلِ يَقْتَضِي أَنَّهُ أَمْرُ اسْتِحْبَابٍ فَإِنَّ الشَّكَّ وَالِاحْتِمَالَ فِي كَوْنِهِ نَاقِضًا لَا يُوجِبُ الْحُكْمَ بِالنَّقْضِ إذْ الْيَقِينُ لَا يَزُولُ بِالشَّكِّ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ نَعَمْ إذَا عَلِمَ مِنْ طَرِيقِ غَلَبَةِ الظَّنِّ بِإِخْبَارِ الْأَطِبَّاءِ أَوْ عَلَامَةٍ تُغَلِّبُ ظَنَّ الْمُبْتَلَى يَجِبُ انْتَهَى قَوْلُهُ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِخَارِجٍ ، وَإِنَّمَا هُوَ مُخْرَجٌ ) قَالَ الْكَمَالُ لَا تَأْثِيرَ يَظْهَرُ لِلْإِخْرَاجِ وَعَدَمِهِ فِي هَذَا الْحُكْمِ بَلْ النَّقْضُ لِكَوْنِهِ خَارِجًا نَجِسًا ، وَذَلِكَ يَتَحَقَّقُ مَعَ الْإِخْرَاجِ كَمَا يَتَحَقَّقُ مَعَ عَدَمِهِ فَصَارَ كَالْفَصْدِ وَقِشْرِ النَّفْطَةِ ، فَلِذَا اخْتَارَ السَّرَخْسِيُّ فِي جَامِعِهِ النَّقْضَ وَفِي الْكَافِي وَالْأَصَحُّ أَنَّ الْمُخْرَجَ نَاقِضٌ ، وَكَيْفَ وَجَمِيعُ الْأَدِلَّةِ الْمُورَدَةِ مِنْ السُّنَّةِ وَالْقِيَاسِ تُفِيدُ تَعَلُّقَ النَّقْضِ بِالْخَارِجِ النَّجِسِ وَهُوَ ثَابِتٌ فِي الْمُخْرَجِ انْتَهَى وَفِي النَّوَازِلِ وَفَتَاوَى الْعَتَّابِيِّ عُصِرَتْ الْقُرْحَةُ فَخَرَجَ مِنْهَا شَيْءٌ كَثِيرٌ وَلَوْ لَمْ يَعْصِرْ لَا يَخْرُجُ لَا يَنْقُضُ ، وَلَكِنْ قَالَ وَفِيهِ نَظَرٌ وَفِي الْجَامِعِ لِلْإِمَامِ السَّرَخْسِيِّ إذَا عَصَرَهَا فَخَرَجَ الدَّمُ بِعَصْرِهَا انْتَقَضَ وَهُوَ حَدَثٌ عَمْدٌ كَالْفَصْدِ وَالْحِجَامَةِ وَلَا يَبْنِي عَلَى صَلَاتِهِ وَفِي الْكَافِي الْأَصَحُّ أَنَّ الْمُخْرَجَ نَاقِضٌ وَفِي الْفَوَائِدِ الظَّهِيرِيَّةِ مِثْلُ مَا ذَكَرَ

فِي الْكِتَابِ ، وَقِيلَ فِي الْفَرْقِ إنَّ فِيهِمَا بَعْدَ قَطْعِ الْجِلْدَةِ يَخْرُجُ الدَّمُ بِنَفْسِهِ وَكَذَلِكَ الْمُخْرَجُ انْتَهَى كَاكِيٌّ

( وَقَيْءٌ مَلَأَ فَاهُ وَلَوْ مِرَّةً أَوْ عَلَقًا أَوْ طَعَامًا أَوْ مَاءً ) ، وَإِنَّمَا أَفْرَدَ الْقَيْءَ بِالذِّكْرِ وَإِنْ كَانَ يَدْخُلُ تَحْتَ قَوْلِهِ خُرُوجُ نَجِسٍ لِمَا أَنَّهُ يُخَالِفُ فِي حَدِّ الْخُرُوجِ عَلَى مَا يَأْتِي ، وَهُوَ حَدَثٌ عِنْدَنَا لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ { إذَا قَاءَ أَحَدُكُمْ فِي صَلَاتِهِ أَوْ قَلَسَ فَلْيَنْصَرِفْ وَلْيَتَوَضَّأْ } الْحَدِيثَ ، وَهُوَ مَذْهَبُ الْعَشَرَةِ الْمُبَشَّرِينَ بِالْجَنَّةِ وَمَنْ تَابَعَهُمْ ، وَعَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ حِينَ عَدَّ الْأَحْدَاثَ قَالَ أَوْ دَسْعَةٌ تَمْلَأُ الْفَمَ وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ مِثْلُهُ وَلَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْوَاعِ الْقَيْءِ ؛ لِأَنَّهَا نَجِسَةٌ خِلَافًا لِلْحَسَنِ فِي الْمَاءِ وَالطَّعَامِ إذَا لَمْ يَتَغَيَّرَا ، وَلَوْ قَاءَ دَمًا إنْ نَزَلَ مِنْ الرَّأْسِ نَقَضَ قَلَّ أَوْ كَثُرَ بِإِجْمَاعِ أَصْحَابِنَا وَإِنْ صَعِدَ مِنْ الْجَوْفِ فَرُوِيَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ مِثْلُهُ ، وَرَوَى الْحَسَنُ عَنْهُ أَنَّهُ يُعْتَبَرُ مِلْءُ الْفَمِ ، وَهُوَ قَوْلُ مُحَمَّدٍ وَالْمُخْتَارُ إنْ كَانَ عَلَقًا يُعْتَبَرُ مِلْءُ الْفَمِ ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِدَمٍ وَإِنَّمَا هُوَ سَوْدَاءُ احْتَرَقَتْ ، وَإِنْ كَانَ مَائِعًا نَقَضَ وَإِنْ قَلَّ لِأَنَّهُ مِنْ قُرْحَةٍ فِي الْجَوْفِ ، وَقَدْ وَصَلَ إلَى مَا يَلْحَقُهُ حُكْمُ التَّطْهِيرِ ، وَشَرْطٌ أَنْ يَكُونَ مِلْءَ الْفَمِ ؛ لِأَنَّ لِلْفَمِ حُكْمَ الْخَارِجِ حَتَّى لَا يُفْطِرُ الصَّائِمُ بِالْمَضْمَضَةِ ، وَلَهُ حُكْمُ الدَّاخِلِ حَتَّى لَا يُفْطِرُ بِابْتِلَاعِ شَيْءٍ مِنْ بَيْنِ أَسْنَانِهِ مِثْلُ الرِّيقِ فَلَا يُعْطَى لَهُ حُكْمُ الْخَارِجِ مَا لَمْ يَمْلَأْ الْفَمَ ، وَاخْتَلَفُوا فِي حَدِّ مِلْءِ الْفَمِ فَقَالَ بَعْضُهُمْ مَا لَا يُمْكِنُ ضَبْطُهُ إلَّا بِكُلْفَةٍ ، وَقِيلَ مَا لَا يُمْكِنُ الْكَلَامُ مَعَهُ ، وَبَعْضُهُمْ قَدَّرَهُ بِالزِّيَادَةِ عَلَى نِصْفِ الْفَمِ ، وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ قَالَ رَحِمَهُ اللَّهُ ( لَا بَلْغَمًا ) أَيْ الْبَلْغَمُ الصِّرْفُ لَا يَنْقُضُ ، وَهَذَا عِنْدَهُمَا وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ يَنْقُضُ الصَّاعِدَ مِنْ الْجَوْفِ دُونَ النَّازِلِ مِنْ الرَّأْسِ

؛ لِأَنَّهُ نَوْعٌ مِنْ أَنْوَاعِ الْقَيْءِ فَصَارَ كَسَائِرِ أَنْوَاعِهِ ، وَلِأَنَّهُ يَتَنَجَّسُ فِي الْمَعِدَةِ بِخِلَافِ النَّازِلِ مِنْ الرَّأْسِ ؛ لِأَنَّ الرَّأْسَ لَيْسَ بِمَحَلِّ النَّجَاسَةِ وَالْمَعِدَةُ مَحَلُّ النَّجَاسَةِ وَلَهُمَا أَنَّهُ لَزِجٌ لَا يَتَدَاخَلُهُ أَجْزَاءُ النَّجَاسَةِ فَصَارَ كَمَا قَاءَ بُصَاقًا ، وَلَوْ كَانَ الْبَلْغَمُ مَخْلُوطًا بِالطَّعَامِ فَإِنْ كَانَ الطَّعَامُ هُوَ الْغَالِبُ نَقَضَ إجْمَاعًا قَالَ رَحِمَهُ اللَّهُ : ( أَوْ دَمًا غَلَبَ عَلَيْهِ الْبُصَاقُ ) ؛ لِأَنَّ الْحُكْمَ لِلْغَالِبِ فَصَارَ كَأَنَّهُ كُلُّهُ بُصَاقٌ ، وَقَدْ بَيَّنَّا تَفْسِيرَ الْغَلَبَةِ فِيمَا تَقَدَّمَ هَذَا إذَا خَرَجَ مِنْ نَفْسِ الْفَمِ ، وَإِنْ خَرَجَ مِنْ الْجَوْفِ فَقَدْ ذَكَرْنَا تَفَاصِيلَهُ وَاخْتِلَافَ الرِّوَايَاتِ فِيهِ قَالَ رَحِمَهُ اللَّهُ ( وَالسَّبَبُ يَجْمَعُ مُتَفَرِّقَهُ ) أَيْ السَّبَبُ يَجْمَعُ مُتَفَرِّقَ الْقَيْءِ ، وَتَفْسِيرُهُ أَنْ يَكُونَ الْقَيْءُ الثَّانِي قَبْلَ سُكُونِ النَّفْسِ مِنْ الْغَثَيَانِ ؛ لِأَنَّ لِاتِّحَادِ السَّبَبِ أَثَرًا فِي جَمِيعِ الْمُتَفَرِّقَاتِ فَإِنَّ الْعَبْدَ الْمَبِيعَ لَوْ مَرِضَ فِي يَدِ الْمُشْتَرِي بِالسَّبَبِ الَّذِي كَانَ فِي يَدِ الْبَائِعِ يَرُدُّهُ ، وَيَجْعَلُ الثَّانِيَ عَيْنَ الْأَوَّلِ ، وَهَذَا قَوْلُ مُحَمَّدٍ ، وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ إنْ اتَّحَدَ الْمَجْلِسُ يَجْمَعُ وَإِلَّا فَلَا ؛ لِأَنَّ الْمَجْلِسَ جَامِعٌ لِلْمُتَفَرِّقَاتِ أَيْضًا كَالْعُقُودِ أَيْ حَتَّى يَرْتَبِطُ الْإِيجَابُ بِالْقَبُولِ وَكَالْإِقْرَارِ وَالتِّلَاوَةِ الْمُتَكَرِّرَةِ ، وَقَالَ أَبُو عَلِيٍّ الدَّقَّاقُ يَجْمَعُ كَيْفَمَا كَانَ

( قَوْلُهُ فِي الْمَتْنِ وَقَيْءٌ مَلَأَ فَاهُ ) أَيْ فَمَ الْمُتَوَضِّئِ انْتَهَى ( قَوْلُهُ فِي الْمَتْنِ وَلَوْ مِرَّةً ) بِكَسْرِ الْمِيمِ أَيْ صَفْرَاءَ انْتَهَى عَيْنِيٌّ ( قَوْلُهُ فِي الْمَتْنِ أَوْ عَلَقًا ) أَيْ دَمًا جَامِدًا انْتَهَى عَيْنِيٌّ ( قَوْلُهُ لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ { إذَا قَاءَ أَحَدُكُمْ } إلَى آخِرِهِ ) قِيلَ الْمُدَّعَى وَهُوَ كَوْنُ الْقَيْءِ مِلْءَ الْفَمِ حَدَثًا أَخَصُّ مِنْ الدَّلِيلِ لِأَنَّهُ مُطْلَقٌ ، أَقُولُ الْمُدَّعَى هَاهُنَا كَوْنُ الْقَيْءِ حَدَثًا ، وَأَمَّا اشْتِرَاطُ مِلْءِ الْفَمِ فَبِدَلِيلٍ آخَرَ سَيَأْتِي انْتَهَى يَحْيَى ( قَوْلُهُ أَوْ قَلَسَ ) الْمَضْبُوطُ أَوْ رَعَفَ يَحْيَى ( قَوْلُهُ تَمْلَأُ الْفَمَ ) وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ قَالَهُ سَمَاعًا مِنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ انْتَهَى كَاكِيٌّ ، وَرَوَى الْبَيْهَقِيُّ وَصَاحِبُ الْمُحِيطِ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ { يُعَادُ الْوُضُوءُ مِنْ سَبْعٍ مِنْ نَوْمٍ غَالِبٍ وَقَيْءٍ ذَارِعٍ وَتَقَاطُرِ بَوْلٍ وَدَمٍ سَائِلٍ وَدَسْعَةٍ تَمْلَأُ الْفَمَ وَالْحَدَثِ وَالْقَهْقَهَةِ فِي الصَّلَاةِ } انْتَهَى كَاكِيٌّ قَالَ فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ ، وَأَمَّا قَوْلُ عَلِيٍّ أَوْ دَسْعَةٍ تَمْلَأُ الْفَمَ يُعْرَفُ وَرَوَى الْبَيْهَقِيُّ فِي الْخِلَافِيَّاتِ عَنْهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { يُعَادُ الْوُضُوءُ مِنْ سَبْعٍ مِنْ إقْطَارِ الْبَوْلِ وَالدَّمِ السَّائِلِ وَالْقَيْءِ وَمِنْ دَسْعَةٍ تَمْلَأُ الْفَمَ وَنَوْمِ الْمُضْطَجِعِ وَقَهْقَهَةِ الرَّجُلِ فِي الصَّلَاةِ وَخُرُوجِ الدَّمِ } ، وَفِيهِ سَهْلُ بْنُ عَفَّانَ وَالْجَارُودُ بْنُ يَزِيدَ وَهُمَا ضَعِيفَانِ ( قَوْلُهُ ؛ لِأَنَّ لِلْفَمِ حُكْمَ الْخَارِجِ ) قِيلَ هَذَا تَعْلِيلٌ فِي مُقَابَلَةِ النَّصِّ فَلَا يُقْبَلُ أَقُولُ هَذَا تَعْلِيلُ النَّصِّ كَمَا هُوَ الْأَصْلُ لَا تَعْلِيلَ يُقَابِلُهُ انْتَهَى يَحْيَى ( قَوْلُهُ وَهَذَا قَوْلُ مُحَمَّدٍ إلَى آخِرِهِ ) قَالَ فِي الْكَافِي وَالْأَصَحُّ قَوْلُ مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللَّهُ ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ إضَافَةُ الْأَحْكَامِ إلَى الْأَسْبَابِ ، وَإِنَّمَا تَدُلُّ فِي بَعْضِ الصُّوَرِ

لِلضَّرُورَةِ كَمَا فِي سَجْدَةِ التِّلَاوَةِ إذْ لَوْ اُعْتُبِرَ السَّبَبُ لَانْتَفَى التَّدَاخُلُ ؛ لِأَنَّ كُلَّ تِلَاوَةٍ سَبَبٌ وَفِي الْأَقَارِيرِ اُعْتُبِرَ الْمَجْلِسُ لِلْعُرْفِ وَالْإِيجَابِ وَالْقَبُولِ لِدَفْعِ الضَّرُورَةِ ( قَوْلُهُ لِلْمُتَفَرِّقَاتِ أَيْضًا ) يَعْنِي كَالسَّبَبِ ( قَوْلُهُ وَكَالْإِقْرَارِ ) أَيْ الْإِقْرَارِ إذَا تَكَرَّرَ فَهُوَ وَاحِدٌ

قَالَ رَحِمَهُ اللَّهُ ( وَنَوْمُ مُضْطَجِعٍ وَمُتَوَرِّكٍ ) لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ { إنَّمَا الْوُضُوءُ عَلَى مَنْ نَامَ مُضْطَجِعًا فَإِنَّ مَنْ اضْطَجَعَ اسْتَرْخَتْ مَفَاصِلُهُ } أَيْ اسْتَرْخَتْ غَايَةَ الِاسْتِرْخَاءِ ، وَإِلَّا فَأَصْلُ الِاسْتِرْخَاءِ مَوْجُودٌ حَالَةَ الْقِيَامِ وَنَحْوِهِ فَلَا يُفِيدُ التَّخْصِيصُ بِحَالَةِ الِاضْطِجَاعِ ثُمَّ النَّائِمُ لَا يَخْلُو إمَّا أَنْ يَكُونَ مُضْطَجِعًا ، وَقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ أَوْ مُتَوَرِّكًا وَهُوَ مُلْحَقٌ بِهِ لِزَوَالِ الْمَقْعَدَةِ عَنْ الْأَرْضِ أَوْ مُسْتَنِدًا إلَى شَيْءٍ لَوْ أُزِيلَ عَنْهُ لَسَقَطَ ، فَهَذَا لَا يَخْلُو إمَّا أَنْ تَكُونَ مَقْعَدَتُهُ زَائِلَةً عَنْ الْأَرْضِ أَوْ لَا ، فَإِنْ كَانَتْ زَائِلَةً نَقَضَ بِالْإِجْمَاعِ ، وَإِنْ كَانَتْ غَيْرَ زَائِلَةٍ فَقَدْ ذَكَرَ الْقُدُورِيُّ أَنَّهُ يَنْقُضُ ، وَهُوَ مَرْوِيٌّ عَنْ الطَّحَاوِيِّ وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ لَا يَنْتَقِضُ رَوَاهُ أَبُو يُوسُفَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَوْ يَكُونُ قَائِمًا أَوْ رَاكِعًا أَوْ سَاجِدًا فَإِنَّهُ إنْ كَانَ فِي الصَّلَاةِ لَا يَنْتَقِضُ وُضُوءُهُ لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ { لَا وُضُوءَ عَلَى مَنْ نَامَ قَائِمًا أَوْ رَاكِعًا أَوْ سَاجِدًا } ، وَإِنْ كَانَ خَارِجَ الصَّلَاةِ فَكَذَلِكَ فِي الصَّحِيحِ إنْ كَانَ عَلَى هَيْئَةِ السُّجُودِ بِأَنْ كَانَ رَافِعًا بَطْنَهُ عَنْ فَخِذَيْهِ مُجَافِيًا عَضُدَيْهِ عَنْ جَنْبَيْهِ ، وَإِلَّا انْتَقَضَ وُضُوءُهُ ، وَاخْتَلَفُوا فِي الْمَرِيضِ إذَا كَانَ يُصَلِّي مُضْطَجِعًا فَنَامَ فَالصَّحِيحُ أَنَّ وُضُوءَهُ يَنْتَقِضُ لِمَا رَوَيْنَا ، وَالنُّعَاسُ نَوْعَانِ ثَقِيلٌ وَهُوَ حَدَثٌ فِي حَالَةِ الِاضْطِجَاعِ وَخَفِيفٌ وَهُوَ لَيْسَ بِحَدَثٍ فِيهَا ، وَالْفَاصِلُ بَيْنَهُمَا أَنَّهُ إنْ كَانَ يَسْمَعُ مَا قِيلَ عِنْدَهُ فَهُوَ خَفِيفٌ وَإِلَّا فَهُوَ ثَقِيلٌ وَلَوْ نَامَ قَاعِدًا أَوْ قَائِمًا فَسَقَطَ عَلَى وَجْهِهِ أَوْ جَنْبِهِ إنْ انْتَبَهَ قَبْلَ سُقُوطِهِ أَوْ حَالَةَ سُقُوطِهِ أَوْ سَقَطَ نَائِمًا وَانْتَبَهَ مِنْ سَاعَتِهِ لَا يَنْتَقِضُ ، وَإِنْ اسْتَقَرَّ بَعْدَ السُّقُوطِ نَائِمًا ثُمَّ انْتَبَهَ نَقَضَ لِوُجُودِ النَّوْمِ مُضْطَجِعًا ، وَعَنْ

أَبِي يُوسُفَ يَنْقُضُ بِالسُّقُوطِ لِزَوَالِ الِاسْتِمْسَاكِ حَيْثُ سَقَطَ ، وَعَنْ مُحَمَّدٍ إنْ انْتَبَهَ قَبْلَ أَنْ تُزَايِلَ مَقْعَدَتُهُ الْأَرْضَ لَمْ يَنْتَقِضْ ، وَإِنْ زَايَلَهَا وَهُوَ نَائِمٌ انْتَقَضَ وَهُوَ مَرْوِيٌّ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ ، وَالظَّاهِرُ الْأَوَّلُ ثُمَّ النَّوْمُ نَفْسُهُ لَيْسَ بِحَدَثٍ ، وَإِنَّمَا الْحَدَثُ مَا لَا يَخْلُو النَّائِمُ عَنْهُ فَأُقِيمَ السَّبَبُ الظَّاهِرُ مَقَامَهُ كَمَا فِي السَّفَرِ وَنَحْوِهِ .

( قَوْلُهُ فِي الْمَتْنِ وَنَوْمُ مُضْطَجِعٍ وَمُتَوَرِّكٍ ) حُكِيَ عَنْ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ وَعَمْرِو بْنِ دِينَارٍ وَالْإِمَامِيَّةِ أَنَّ النَّوْمَ لَيْسَ بِحَدَثٍ انْتَهَى كَاكِيٌّ قَالَ فِي الْفَوَائِدِ الظَّهِيرِيَّةِ : وَكَانَ أَبُو مُوسَى الْأَشْعَرِيُّ إذَا نَامَ أَجْلَسَ عِنْدَهُ مَنْ يَحْفَظُهُ فَإِذَا انْتَبَهَ سَأَلَهُ فَإِنْ أَخْبَرَهُ بِظُهُورِ شَيْءٍ مِنْهُ أَعَادَ الْوُضُوءَ انْتَهَى وَفِي أَمَالِي قَاضِي خَانْ نَامَ جَالِسًا وَهُوَ يَتَمَايَلُ فَتَزُولُ مَقْعَدَتُهُ عَنْ الْأَرْضِ ، قَالَ الْحَلْوَانِيُّ ظَاهِرُ الْمَذْهَبِ أَنَّهُ لَيْسَ بِحَدَثٍ انْتَهَى كَاكِيٌّ وَمُجْتَبَى قَالَ فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ وَلَوْ نَامَ مُحْتَبِيًا وَرَأْسُهُ عَلَى رُكْبَتَيْهِ لَا يَنْتَقِضُ انْتَهَى وَفِي الْقُنْيَةِ وَنَوْمُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَيْسَ بِحَدَثٍ وَهُوَ مِنْ خَصَائِصِهِ ، وَذَكَرَ أَنَّهُ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَقَدْ نَظَمَ هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ الطَّرَسُوسِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى نَوْمُ النَّبِيِّ عِنْدَ الْإِمَامِ الْأَعْظَمِ لَا يَنْقُضُ الْوُضُوءَ حَتْمًا فَاعْلَمْ وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ { تَنَامُ عَيْنَايَ وَلَا يَنَامُ قَلْبِي } وَفِي الصَّحِيحِ { أَنَّهُ نَامَ حَتَّى سُمِعَ لَهُ غَطِيطٌ ثُمَّ قَامَ فَصَلَّى وَلَمْ يَتَوَضَّأْ } انْتَهَى ( قَوْلُهُ لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ { إنَّمَا الْوُضُوءُ عَلَى مَنْ نَامَ } إلَى آخِرِهِ ) قَالَ فَخْرُ الدِّينِ الرَّازِيّ إنَّمَا لِحَصْرِ الشَّيْءِ فِي الْحُكْمِ أَوْ لِحَصْرِ الْحُكْمِ فِي الشَّيْءِ ؛ لِأَنَّ إنَّ لِلْإِثْبَاتِ وَمَا لِلنَّفْيِ فَيَقْتَضِي إثْبَاتَ الْمَذْكُورِ وَنَفْيَ مَا عَدَاهُ وَلَا يُقَالُ الْحُكْمُ لَمْ يَنْحَصِرْ هَاهُنَا لِانْتِقَاضِهِ بِغَيْرِ النَّوْمِ قُلْنَا حَصْرُ الْوُضُوءِ الْمُتَعَلِّقِ بِالنَّوْمِ فِي النَّوْمِ بِصِفَةِ الِاضْطِجَاعِ ، وَإِنَّمَا أَوْجَبُوا الْوُضُوءَ عَلَى الْمُسْتَنِدِ وَالْمُتَّكِئِ لِاسْتِوَائِهِمَا الْمَنْصُوصِ عَلَيْهِ فِي الْمَعْنَى الْمَنْصُوصِ ، وَهُوَ اسْتِرْخَاءُ الْمَفَاصِلِ فَيَثْبُتُ الْحُكْمُ فِيهِمَا بِدَلَالَةِ النَّصِّ هَكَذَا قَالَ أُسْتَاذُنَا

رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ انْتَهَى مُسْتَصْفَى ( قَوْلُهُ حَالَةَ الْقِيَامِ وَنَحْوِهِ ) أَيْ مِنْ الْقُعُودِ وَالرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ ( قَوْلُهُ وَانْتَبَهَ مِنْ سَاعَتِهِ ) أَيْ قَبْلَ أَنْ يَسْتَقِرَّ عَلَى الْأَرْضِ بِوَضْعِ الْجَنْبِ عَلَيْهَا انْتَهَى يَحْيَى ( قَوْلُهُ حَيْثُ سَقَطَ ) أَيْ وَإِنْ لَمْ يَسْتَقِرَّ عَلَى الْأَرْضِ ( فَائِدَةٌ ) سُئِلْت عَنْ شَخْصٍ بِهِ انْفِلَاتُ رِيحٍ هَلْ يَنْتَقِضُ وُضُوءُهُ بِالنَّوْمِ ( فَأَجَبْت ) بِعَدَمِ النَّقْضِ بِنَاءً عَلَى مَا هُوَ الصَّحِيحُ أَنَّ النَّوْمَ نَفْسَهُ لَيْسَ بِنَاقِضٍ ، وَإِنَّمَا النَّاقِضُ مَا يَخْرُجُ وَمَنْ ذَهَبَ إلَى أَنَّ النَّوْمَ نَفْسَهُ نَاقِضٌ لَزِمَهُ نَقْضُ وُضُوءِ مَنْ بِهِ انْفِلَاتُ الرِّيحِ بِالنَّوْمِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ ( قَوْلُهُ النَّوْمُ نَفْسُهُ لَيْسَ بِحَدَثٍ ) ذَكَرَ فِي الْمَبْسُوطِ فِي كَوْنِ نَوْمِ الْمُضْطَجِعِ طَرِيقَانِ أَحَدُهُمَا أَنَّ عَيْنَهُ حَدَثٌ بِالسُّنَّةِ الْمَرْوِيَّةِ ؛ لِأَنَّ كَوْنَهُ طَاهِرًا ثَابِتٌ بِيَقِينٍ وَلَا يُزَالُ الْيَقِينُ إلَّا بِيَقِينٍ مِثْلِهِ وَخُرُوجُ شَيْءٍ مِنْهُ لَيْسَ بِيَقِينٍ فَعَرَفْنَا أَنَّ عَيْنَهُ حَدَثٌ وَالثَّانِي أَنَّ الْحَدَثَ مَا لَا يَخْلُو عَنْهُ النَّائِمُ عَادَةً فَإِنَّ نَوْمَ الْمُضْطَجِعِ مُسْتَحْكِمٌ فَتَسْتَرْخِي مَفَاصِلُهُ فَيَخْرُجُ شَيْءٌ مِنْهُ عَادَةً ، وَمَا ثَبَتَ مِنْهُ عَادَةً كَالْمُتَيَقِّنِ بِهِ فَيَثْبُتُ الْحَدَثُ تَقْدِيرًا لِقِيَامِ النَّوْمِ مَقَامَ الْخُرُوجِ انْتَهَى كَاكِيٌّ

قَالَ : رَحِمَهُ اللَّهُ ( وَإِغْمَاءٌ وَجُنُونٌ وَسُكْرٌ ) فَهَذِهِ الْأَشْيَاءُ تَكُونُ حَدَثًا فِي الْأَحْوَالِ كُلِّهَا أَيْ حَالَةَ الْقِيَامِ وَالرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ ؛ لِأَنَّهَا فَوْقَ النَّوْمِ مُضْطَجِعًا ؛ لِأَنَّ النَّائِمَ إذَا نُبِّهَ انْتَبَهَ بِخِلَافِ مَنْ قَامَ بِهِ هَذِهِ الْأَشْيَاءُ ، وَلِأَنَّ لِلْجُنُونِ وَالْإِغْمَاءِ أَثَرًا فِي سُقُوطِ الْعِبَادَةِ بِخِلَافِ النَّوْمِ ، وَلِأَنَّ الْقِيَاسَ أَنْ يَكُونَ النَّوْمُ حَدَثًا فِي الْأَحْوَالِ كُلِّهَا فَتُرِكَ بِالنَّصِّ وَلَا نَصَّ فِي هَذِهِ الْأَشْيَاءِ فَبَقِيَتْ عَلَى الْأَصْلِ ، ثُمَّ الْإِغْمَاءُ مَا يَصِيرُ الْعَقْلُ بِهِ مَغْلُوبًا وَالْجُنُونُ مَا يَصِيرُ بِهِ مَسْلُوبًا ، وَالْمُرَادُ بِالسُّكْرِ مَنْ لَا يَعْرِفُ الرَّجُلَ مِنْ الْمَرْأَةِ ، وَهُوَ اخْتِيَارُ الصَّدْرِ الشَّهِيدِ وَعَنْ الْحَلْوَانِيِّ إذَا دَخَلَ فِي مَشْيِهِ اخْتِلَالٌ نَقَضَ ، وَلِذَا يَحْنَثُ بِهِ فِي يَمِينِهِ أَنْ لَا يَسْكَرَ .

( قَوْلُهُ فِي الْمَتْنِ وَجُنُونٌ ) وَفِي مَبْسُوطِ شَيْخِ الْإِسْلَامِ لَمْ يَنْقُضْ لِغَلَبَةِ الِاسْتِرْخَاءِ ؛ لِأَنَّ الْمَجْنُونَ أَقْوَى مِنْ الصَّحِيحِ بَلْ لِعَدَمِ تَمْيِيزِ الْحَدَثِ مِنْ غَيْرِهِ انْتَهَى فَتْحٌ ( قَوْلُهُ وَالْجُنُونُ مَا بِهِ يَصِيرُ مَسْلُوبًا ) فَعَنْ هَذَا صَحَّ الْإِغْمَاءُ عَلَى الْأَنْبِيَاءِ عَلَيْهِمْ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ دُونَ الْجُنُونِ انْتَهَى ع ( قَوْلُهُ وَالْمُرَادُ بِالسُّكْرِ مَا لَا يَعْرِفُ الرَّجُلَ مِنْ الْمَرْأَةِ ) قَالَ شَيْخُنَا الْعَلَّامَةُ سَرِيِّ الدِّينِ أَمْتَعَ اللَّهُ بِحَيَاتِهِ فِي شَرْحِهِ عَلَى قَيْدِ الشَّرَائِدِ مَا نَصُّهُ وَحَدُّ السُّكْرِ النَّاقِضِ فِيهِ خِلَافٌ فَقِيلَ هُوَ حَدُّهُ فِي الْحَدِّ ، وَهُوَ أَنْ لَا يَعْرِفَ الرَّجُلَ مِنْ الْمَرْأَةِ عِنْدَ بَعْضِ الْمَشَايِخِ ، وَهُوَ اخْتِيَارُ الصَّدْرِ الشَّهِيدِ وَالصَّحِيحُ مَا قِيلَ عَنْ شَمْسِ الْأَئِمَّةِ الْحُلْوَانِيُّ أَنَّهُ دَخَلَ فِي مِشْيَتِهِ تَحَرُّكٌ فَهَذَا سُكْرٌ يَنْتَقِضُ بِهِ الْوُضُوءُ ، وَكَذَا الْجَوَابُ فِي حُكْمِ الْحِنْثِ إذَا حَلَفَ أَنَّهُ لَيْسَ بِسَكْرَانَ وَكَانَ عَلَى هَذِهِ الْكَيْفِيَّةِ يَحْنَثُ ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ بِحَالٍ لَا يَعْرِفُ الرَّجُلَ مِنْ الْمَرْأَةِ كَذَا فِي الذَّخِيرَةِ وَفِي عُرُوضِ هَذَا فِي الصَّلَاةِ نَظَرٌ اللَّهُمَّ إلَّا أَنْ يُحْمَلَ عَلَى أَنَّهُ شَرِبَ الْمُسْكِرَ فَقَامَ إلَى الصَّلَاةِ قَبْلَ أَنْ يَصِيرَ إلَى هَذِهِ الْحَالَةِ ، ثُمَّ صَارَ فِي أَثْنَائِهَا إلَى حَالَةٍ لَوْ مَشَى فِيهَا لَتَحَرَّكَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ انْتَهَى ( قَوْلُهُ إذَا دَخَلَ فِي مَشْيِهِ اخْتِلَالٌ نَقَضَ ) قَالَ الزَّاهِدِيُّ هُوَ الْأَصَحُّ وَقَالَ صَدْرُ الشَّرِيعَةِ فِي شَرْحِ الْوِقَايَةِ هُوَ الصَّحِيحُ انْتَهَى

قَالَ رَحِمَهُ اللَّهُ : ( وَقَهْقَهَةُ مُصَلٍّ بَالِغٍ ) اُحْتُرِزَ بِقَوْلِهِ مُصَلٍّ مِمَّا لَيْسَ بِمُصَلٍّ ، وَيَنْصَرِفُ قَوْلُهُ مُصَلٍّ إلَى الصَّلَاةِ الْكَامِلَةِ الْأَرْكَانِ لِأَنَّهَا هِيَ الْمَعْهُودَةُ ، وَإِنْ كَانَ يُصَلِّي بِالْإِيمَاءِ أَوْ عَلَى الدَّابَّةِ حَيْثُ يَجُوزُ ، وَكَذَا لَوْ قَهْقَهَ بَعْدَمَا قَعَدَ قَدْرَ التَّشَهُّدِ أَوْ فِي سُجُودِ السَّهْوِ أَوْ بَعْدَمَا تَوَضَّأَ لِحَدَثٍ قَبْلَ أَنْ يَبْنِيَ بَعْدَ أَنْ كَانَتْ الصَّلَاةُ مُطْلَقَةً بِخِلَافِ صَلَاةِ الْجِنَازَةِ ، وَاحْتُرِزَ بِقَوْلِهِ بَالِغٍ مِمَّنْ لَيْسَ بِبَالِغٍ لِأَنَّهَا لَيْسَتْ بِجِنَايَةٍ فِي حَقِّهِ وَقِيلَ يَنْقُضُ ثُمَّ لَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يُقَهْقِهَ عَامِدًا أَوْ نَاسِيًا فَالْكُلُّ نَاقِضٌ وَقَالَ الشَّافِعِيُّ لَا يَنْقُضُ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ حَدَثًا لَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ فِي الصَّلَاةِ أَوْ خَارِجَهَا كَسَائِرِ الْأَحْدَاثِ ، وَلَنَا مَا رُوِيَ { أَنَّ أَعْمَى تَرَدَّى فِي بِئْرٍ وَالنَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُصَلِّي بِأَصْحَابِهِ فَضَحِكَ بَعْضُ مَنْ كَانَ يُصَلِّي مَعَهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ فَأَمَرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَنْ كَانَ ضَحِكَ مِنْهُمْ أَنْ يُعِيدَ الْوُضُوءَ وَيُعِيدَ الصَّلَاةَ } ، وَالْقِيَاسُ بِمُقَابَلَةِ الْمَنْقُولِ مَرْدُودٌ ، وَلِأَنَّ الْفَرْقَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ سَائِرِ الْأَحْدَاثِ ظَاهِرٌ وَهُوَ أَنَّ الْمَقْصُودَ بِالصَّلَاةِ إظْهَارُ الْخُشُوعِ ، وَالضِّحْكُ يُنَافِيهِ فَنَاسَبَ الْمُجَازَاةَ بِانْتِقَاضِ الطَّهَارَةِ زَجْرًا لَهُ كَالْإِرْثِ وَالْوَصِيَّةِ يَبْطُلَانِ بِالْقَتْلِ ، وَلِأَنَّ مَنْ بَلَغَ هَذِهِ الْغَايَةَ مِنْ الضِّحْكِ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ رُبَّمَا غَابَ حِسُّهُ فَأَشْبَهَ نَوْمَ الْمُضْطَجِعِ وَالْجُنُونَ فَإِنْ قِيلَ لَيْسَ فِي مَسْجِدِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ بِئْرٌ وَلَا يُتَصَوَّرُ مِنْ الصَّحَابَةِ ضَحِكٌ خُصُوصًا خَلْفَهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ فَلَا يَثْبُتُ ، قُلْنَا : لَيْسَ الْمُرَادُ بِمَنْ ضَحِكَ الْخُلَفَاءَ الرَّاشِدِينَ وَلَا الْعَشَرَةَ الْمُبَشَّرِينَ بِالْجَنَّةِ وَلَا الْكِبَارَ مِنْ الْمُهَاجِرِينَ

وَالْأَنْصَارِ بَلْ لَعَلَّ الضَّاحِكَ كَانَ مِنْ بَعْضِ الْأَحْدَاثِ أَوْ الْمُنَافِقِينَ أَوْ بَعْضِ الْأَعْرَابِ لِغَلَبَةِ الْجَهْلِ عَلَيْهِمْ كَمَا بَالَ أَعْرَابِيٌّ فِي مَسْجِدِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ وَهُوَ نَظِيرُ قَوْله تَعَالَى { وَتَرَكُوك قَائِمًا } فَإِنَّهُ لَمْ يَتْرُكْهُ كِبَارُ الصَّحَابَةِ بِاللَّهْوِ ، وَكَذَا الْمُرَادُ بِالْبِئْرِ بِئْرٌ حُفِرَتْ لِأَجْلِ الْمَطَرِ عِنْدَ بَابِ الْمَسْجِدِ ؛ لِأَنَّهَا تُسَمَّى بِئْرًا وَيَبْطُلُ التَّيَمُّمُ بِالْقَهْقَهَةِ وَلَا يَبْطُلُ الْغُسْلُ وَقِيلَ تَبْطُلُ طَهَارَةُ الْأَعْضَاءِ الْأَرْبَعَةِ ، فَيُعِيدُ الْوُضُوءَ دُونَ الْغُسْلِ وَلَوْ قَهْقَهَ نَائِمًا فِي الصَّلَاةِ قِيلَ تَفْسُدُ صَلَاتُهُ وَوُضُوءُهُ ، أَمَّا الصَّلَاةُ فَلِأَجْلِ أَنَّهُ كَلَامٌ وَأَمَّا الْوُضُوءُ فَلِلنَّصِّ إذْ هُوَ فِي الصَّلَاةِ ، وَقِيلَ يَبْطُلُ الْوُضُوءُ دُونَ الصَّلَاةِ كَغَيْرِهَا مِنْ الْأَحْدَاثِ إذَا سَبَقَهُ الْحَدَثُ ، وَقِيلَ تَبْطُلُ الصَّلَاةُ دُونَ الْوُضُوءِ لِأَنَّهَا لَيْسَتْ بِقَبِيحٍ فِي حَقِّهِ فَلَا تَكُونُ جِنَايَةً ، وَبُطْلَانُ الصَّلَاةِ لِأَجْلِ أَنَّهَا كَلَامٌ ، وَالصَّحِيحُ أَنَّهَا لَا تُبْطِلُ الْوُضُوءَ وَلَا الصَّلَاةَ ؛ لِأَنَّ النَّوْمَ يُبْطِلُ حُكْمَ الْكَلَامِ كَمَا فِي سَائِرِ الْأَحْكَامِ ، وَلَيْسَتْ الْقَهْقَهَةُ بِقَبِيحَةٍ فِي حَقِّهِ فَلَا يَثْبُتُ بِهِ حُكْمٌ ، ثُمَّ الْقَهْقَهَةُ مَا يَكُونُ مَسْمُوعًا لَهُ وَلِجِيرَانِهِ بَدَتْ أَسْنَانُهُ أَوْ لَا ، وَقَدْ تَقَدَّمَ حُكْمُهَا ، وَالضَّحِكُ مَا يَكُونُ مَسْمُوعًا لَهُ دُونَ جِيرَانِهِ ، وَهُوَ مُبْطِلٌ لِلصَّلَاةِ دُونَ الْوُضُوءِ ، وَالتَّبَسُّمُ مَا لَا صَوْتَ فِيهِ وَلَا تَأْثِيرَ لَهُ فِي وَاحِدٍ مِنْهُمَا

( قَوْلُهُ وَكَذَا لَوْ قَهْقَهَ بَعْدَمَا قَعَدَ قَدْرَ التَّشَهُّدِ ) خِلَافًا لِزُفَرَ لِأَنَّهَا لَا تُفْسِدُ الْوُضُوءَ وَقُلْنَا الْقَهْقَهَةُ حَدَثٌ فِي الصَّلَاةِ ، وَلَا تَفْصِيلَ فِي الْأَخْبَارِ وَحُرْمَةُ الصَّلَاةِ بَاقِيَةٌ انْتَهَى كَافِي ( قَوْلُهُ بِخِلَافِ صَلَاةِ الْجِنَازَةِ ) أَيْ وَسَجْدَةُ التِّلَاوَةِ حَتَّى لَوْ قَهْقَهَ فِي صَلَاةِ الْجِنَازَةِ أَوْ سَجْدَةُ التِّلَاوَةِ لَا يَنْتَقِضُ الْوُضُوءُ بَلْ يَبْطُلُ مَا قَهْقَهَ فِيهِ شَرْحُ الْوِقَايَةِ انْتَهَى هَذَا إذَا قَهْقَهَ فِي سَجْدَةِ التِّلَاوَةِ خَارِجَ الصَّلَاةِ ، أَمَّا لَوْ قَهْقَهَ فِي سَجْدَةِ التِّلَاوَةِ فِي الصَّلَاةِ تَنْتَقِضُ طَهَارَتُهُ ذَكَرَهُ فِي النِّهَايَةِ فِي سُجُودِ التِّلَاوَةِ وَنَحْنُ نَقُولُ الضَّحِكُ فِي غَيْرِ الصَّلَاةِ لَيْسَ كَالضَّحِكِ فِي الصَّلَاةِ ؛ لِأَنَّ حَالَةَ الصَّلَاةِ حَالَةُ الْمُنَاجَاةِ مَعَ اللَّهِ تَعَالَى فَتَعْظُمُ الْجِنَايَةُ مِنْهُ بِالضَّحِكِ فِي حَالَةِ الْمُنَاجَاةِ ، وَصَلَاةُ الْجِنَازَةِ لَيْسَتْ بِصَلَاةٍ مُطْلَقَةٍ فَلَا تَكُونُ مُنَاجَاةً ، وَكَذَلِكَ سَجْدَةُ التِّلَاوَةِ وَالْمَخْصُوصُ عَنْ الْقِيَاسِ لَا يَلْحَقُ بِهِ مَا لَيْسَ فِي مَعْنَاهُ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ فَلَا يَكُونُ مُنَاجَاةً انْتَهَى مُسْتَصْفَى ( قَوْلُهُ بِانْتِقَاضِ الطَّهَارَةِ ) وَبَعْضُ الْمَشَايِخِ جَعَلَهَا حَدَثًا فَلَا يَجُوزُ مَسُّ الْمُصْحَفِ مَعَهَا ، وَبَعْضُهُمْ أَوْجَبَ الْوُضُوءَ عُقُوبَةً فَيَجُوزُ مَسُّ الْمُصْحَفِ مَعَهَا انْتَهَى كَاكِيٌّ ( قَوْلُهُ وَيُبْطِلُ التَّيَمُّمَ الْقَهْقَهَةُ ) أَيْ لِأَنَّهُ فِي مَعْنَى الْوُضُوءِ قَالَهُ فِي التَّجْنِيسِ وَلَمْ يَحْكِ خِلَافًا وَفِي الْمُحِيطِ وَلَا يُبْطِلُ الْغُسْلَ وَهَلْ يُبْطِلُ الْوُضُوءَ فِي حَقِّ الْمُغْتَسِلِ حَتَّى لَا يَجُوزُ أَنْ يُصَلِّيَ بَعْدَهُ بِلَا تَجْدِيدِ وُضُوئِهِ ؟ اخْتَلَفَ الْمَشَايِخُ فِيهِ قِيلَ لَا يُبْطِلُهُ فَلَا يُعِيدُ الْوُضُوءَ لِأَنَّهُ ثَابِتٌ فِي ضِمْنِ الْغُسْلِ فَإِذَا لَمْ يَبْطُلْ الْمُتَضَمِّنُ لَا يَبْطُلُ الْمُتَضَمَّنُ ، وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ يُبْطِلُهُ وَيُعِيدُهُ ؛ لِأَنَّ إعَادَةَ الْوُضُوءِ وَاجِبَةٌ بِطَرِيقِ الْعُقُوبَةِ عِنْدَ

الْقَهْقَهَةِ لَا أَنَّهَا حَدَثٌ حَقِيقَةً ؛ لِأَنَّهَا لَيْسَ بِخَارِجٍ نَجِسٍ بَلْ هِيَ كَالْبُكَاءِ وَالْكَلَامِ انْتَهَى كَاكِيٌّ ( قَوْلُهُ لِأَنَّ النَّوْمَ يُبْطِلُ حُكْمَ الْكَلَامِ ) الْمُخْتَارُ أَنَّ كَلَامَ النَّائِمِ مُفْسِدٌ لِلصَّلَاةِ انْتَهَى يَحْيَى ( قَوْلُهُ وَلَيْسَتْ الْقَهْقَهَةُ إلَى آخِرِهِ ) وَعَلَّلَهُ فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ بِأَنَّهَا إنَّمَا جُعِلَتْ حَدَثًا بِشَرْطِ كَوْنِهَا جِنَايَةً وَلَا جِنَايَةَ مِنْ النَّائِمِ بِخِلَافِ السَّهْوِ لِأَنَّهُ جِنَايَةٌ فَيُؤَاخَذُ بِهِ ، وَلَا يَغْلِبُ وُجُودُ الْقَهْقَهَةِ سَاهِيًا ؛ لِأَنَّ حَالَةَ الصَّلَاةِ تُذَكِّرُهُ فَلَا يُعْذَرُ قَالَ الْكَمَالُ رَحِمَهُ اللَّهُ فِي كِتَابِهِ زَادِ الْفَقِيرِ وَيَنْقُضُهُ الْقَهْقَهَةُ فِي الصَّلَاةِ الْمُطْلَقَةِ إلَّا إذَا كَانَ نَائِمًا فِي صَلَاتِهِ وَقَهْقَهَ فِي نَوْمِهِ لَا يَنْتَقِضُ ، وَلَكِنْ تَفْسُدُ صَلَاتُهُ فِي الْمُخْتَارِ ، وَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ أُحْجِيَّةٌ وَضَحِكُ الصَّبِيِّ وَالْبَالِغِ سَوَاءٌ قَالَ فِي شَرْحِ الْمَجْمَعِ لِلْمُصَنِّفِ رَحِمَهُ اللَّهُ وَأَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ الضِّحْكَ يَنْقُضُ الصَّلَاةَ وَلَا يَنْقُضُ الْوُضُوءَ .

قَالَ رَحِمَهُ اللَّهُ ( وَمُبَاشَرَةٌ فَاحِشَةٌ ) وَهِيَ أَنْ يُبَاشِرَ امْرَأَتَهُ مِنْ غَيْرِ حَائِلٍ ، وَيَنْتَشِرَ ذَكَرُهُ لَهَا وَيَضَعَ فَرْجُهُ عَلَى فَرْجِهَا ، وَلَمْ يَشْتَرِطْ بَعْضُهُمْ مُمَاسَّةَ الْفَرْجِ لِلْفَرْجِ ، وَالْأَوَّلُ الظَّاهِرُ وَقَالَ مُحَمَّدٌ لَا يَنْتَقِضُ الْوُضُوءُ إلَّا بِخُرُوجِ مَذْيٍ وَهُوَ الْقِيَاسُ لِأَنَّهُ يُمْكِنُهُ الْوُقُوفُ عَلَى حَقِيقَتِهِ بِخِلَافِ الْتِقَاءِ الْخِتَانَيْنِ ، وَجْهُ الِاسْتِحْسَانِ أَنَّ الْمُبَاشَرَةَ الْفَاحِشَةَ لَا تَخْلُو عَنْ خُرُوجِ مَذْيٍ غَالِبًا وَهُوَ كَالْمُتَحَقِّقِ وَلَا عِبْرَةَ بِالنَّادِرِ( قَوْلُهُ فِي الْمَتْنِ وَمُبَاشَرَةُ فَاحِشَةٍ ) تُوجِبُ الْوُضُوءَ عَلَى الرَّجُلِ وَالْمَرْأَةِ انْتَهَى قُنْيَةٌ ( فَرْعٌ ) ذَكَرَهُ فِي الْفَتْحِ مُحْدِثٌ غَسَلَ بَعْضَ أَعْضَاءِ الْوُضُوءِ فَفَنِيَ الْمَاءُ فَتَيَمَّمَ وَشَرَعَ فِي الصَّلَاةِ فَقَهْقَهَ ، ثُمَّ وَجَدَ الْمَاءَ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ يَغْسِلُ بَاقِيَ الْأَعْضَاءِ وَيُصَلِّي وَعِنْدَهُمَا يَغْسِلُ جَمِيعَهَا بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْقَهْقَهَةَ هَلْ تُبْطِلُ مَا غَسَلَ مِنْ أَعْضَاءِ الْوُضُوءِ عِنْدَهُ لَا وَعِنْدَهُمَا نَعَمْ انْتَهَى ( قَوْلُهُ وَيَنْتَشِرُ ذَكَرُهُ ) فِي الْمُلَامَسَةِ الْفَاحِشَةِ لَا يُعْتَبَرُ انْتِشَارُ آلَةِ الرَّجُلِ فِي انْتِقَاضِ طَهَارَةِ الْمَرْأَةِ كَاللَّمْسِ فِي حُرْمَةِ الْمُصَاهَرَةِ انْتَهَى قُنْيَةٌ وَالْمُبَاشَرَةُ الْفَاحِشَةُ بَيْنَ الْمَرْأَتَيْنِ وَبَيْنَ الرَّجُلِ وَالْأَمْرَدِ تَنْقُضُ عِنْدَهُمَا انْتَهَى قُنْيَةٌ

قَالَ رَحِمَهُ اللَّهُ ( لَا خُرُوجُ دُودَةٍ مِنْ جُرْحٍ ) أَيْ الدُّودَةُ الْخَارِجَةُ مِنْ الْجُرْحِ لَا تَنْقُضُ الْوُضُوءَ بِخِلَافِ الْخَارِجَةِ مِنْ الدُّبُرِ ، وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا مِنْ وَجْهَيْنِ : أَحَدُهُمَا أَنَّ الْخَارِجَةَ مِنْ الدُّبُرِ مُتَوَلِّدَةٌ مِنْ الطَّعَامِ ، وَهُوَ لَوْ خَرَجَ بِنَفْسِهِ نَقَضَ الْوُضُوءَ فَكَذَا مَا تَوَلَّدَ مِنْهُ ، وَالْخَارِجَةُ مِنْ الْجُرْحِ مُتَوَلِّدَةٌ مِنْ اللَّحْمِ وَهُوَ لَوْ سَقَطَ لَا يَنْقُضُ فَكَذَا مَا تَوَلَّدَ مِنْهُ وَالثَّانِي أَنَّهَا تَسْتَصْحِبُ قَلِيلًا مِنْ الرُّطُوبَةِ وَهُوَ حَدَثٌ فِي السَّبِيلَيْنِ دُونَ غَيْرِهِمَا .( قَوْلُهُ فِي الْمَتْنِ لَا خُرُوجُ دُودَةٍ مِنْ جُرْحٍ ) وَكَذَا إذَا خَرَجَ الْعِرْقُ الْبَدَنِيُّ ) لَا يَنْقُضُ انْتَهَى مس

قَالَ رَحِمَهُ اللَّهُ ( وَمَسُّ ذَكَرٍ ) أَيْ مَسُّهُ لَا يَنْقُضُ الْوُضُوءَ ، وَهُوَ مَعْطُوفٌ عَلَى غَيْرِ النَّاقِضِ ، وَهُوَ مَذْهَبُ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ وَعَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ وَابْنِ مَسْعُودٍ وَابْنِ عَبَّاسٍ وَزَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ وَغَيْرِهِمْ مِنْ كِبَارِ الصَّحَابَةِ وَصُدُورِ التَّابِعِينَ مِثْلُ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ وَسَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ وَالثَّوْرِيِّ وَقَالَ الطَّحَاوِيُّ لَمْ نَعْلَمْ أَحَدًا مِنْ الصَّحَابَةِ أَفْتَى بِالْوُضُوءِ مِنْهُ غَيْرَ ابْنِ عُمَرَ ، وَقَدْ خَالَفَهُ أَكْثَرُهُمْ وَقَالَ الشَّافِعِيُّ يَنْقُضُ الْوُضُوءَ لِحَدِيثِ بُسْرَةَ بْنِ صَفْوَانَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ { مَنْ مَسَّ ذَكَرَهُ فَلْيَتَوَضَّأْ } ، وَلِأَنَّهُ سَبَبٌ لِاسْتِطْلَاقِ وِكَاءِ الْمَذْيِ فَصَارَ كَالْمَذْيِ ، وَكَمَا فِي الْتِقَاءِ الْخِتَانَيْنِ لَمَّا كَانَ سَبَبًا لِاسْتِطْلَاقِ الْمَنِيِّ جُعِلَ كَالْمَنِيِّ ، وَلَنَا حَدِيثُ قَيْسِ بْنِ طَلْقٍ { أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جَاءَهُ رَجُلٌ كَأَنَّهُ بَدَوِيٌّ فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا تَرَى فِي رَجُلٍ مَسَّ ذَكَرَهُ فِي الصَّلَاةِ قَالَ هَلْ هُوَ إلَّا مُضْغَةٌ مِنْك أَوْ بَضْعَةٌ مِنْك } ، قَالَ التِّرْمِذِيُّ وَهَذَا الْحَدِيثُ أَحْسَنُ شَيْءٍ فِي هَذَا الْبَابِ وَأَصَحُّ ، وَقَدْ رَوَاهُ غَيْرُهُ مِنْ الْأَكَابِرِ وَعَنْ أَبِي أُمَامَةَ الْبَاهِلِيِّ { أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سُئِلَ عَنْ مَسِّ الذَّكَرِ فَقَالَ إنَّمَا هُوَ جُزْءٌ مِنْك } وَحَدِيثُ بُسْرَةَ ضَعَّفَهُ جَمَاعَةٌ حَتَّى قَالَ يَحْيَى بْنُ مَعِينٍ ثَلَاثَةُ أَحَادِيثَ لَمْ تَصِحَّ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَدِيثُ مَسِّ الذَّكَرِ { وَلَا نِكَاحَ إلَّا بِوَلِيٍّ } { وَكُلُّ مُسْكِرٍ حَرَامٌ } ، ذَكَرَ ذَلِكَ أَبُو الْفَرَجِ وَمِثْلُهُ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ وَإِسْحَاقَ بْنِ رَاهْوَيْهِ وَأَمَّا قَوْلُهُمْ سَبَبٌ لِاسْتِطْلَاقِ وِكَاءِ الْمَذْيِ قُلْنَا الْإِقَامَةُ لَهَا قَاعِدَتَانِ : إحْدَاهُمَا أَنْ يَتَعَذَّرَ الِاطِّلَاعُ عَلَى حَقِيقَةِ الشَّيْءِ فَيُقَامُ السَّبَبُ مَقَامَهُ كَمَا فِي نَوْمِ

الْمُضْطَجِعِ وَالْتِقَاءِ الْخِتَانَيْنِ أُقِيمَا مَقَامَ الْخَارِجِ وَالثَّانِيَةُ أَنْ يَكُونَ الْغَالِبُ وُجُودَهُ عِنْدَ سَبَبِهِ مَعَ إمْكَانِ الِاطِّلَاعِ فَيُجْعَلُ النَّادِرُ كَالْمَعْدُومِ كَمَا قُلْنَا فِي الْمُبَاشَرَةِ الْفَاحِشَةِ ، وَلَمْ يُوجَدْ وَاحِدٌ مِنْهُمَا هُنَا وَلِأَنَّهُمْ قَالُوا إذَا مَسَّ ذَكَرَ غَيْرِهِ يَنْتَقِضُ وُضُوءُ الْمَاسِّ دُونَ الْمَمْسُوسِ ، وَهُوَ مِمَّا لَا يُعْقَلُ مَعْنَاهُ ؛ لِأَنَّهُ لَا يَتَنَاوَلُهُ لَفْظُ الْحَدِيثِ وَلَا وُجِدَ الْمَعْنَى الَّذِي ذَكَرُوهُ فِي الْمَاسِّ بَلْ كَانَ الْمَمْسُوسُ أَوْلَى بِالنَّقْضِ عَلَى اعْتِبَارِ الشَّهْوَةِ ، وَأَبْعَدُ مِنْهُ مَسُّ الذَّكَرِ الْمَقْطُوعِ أَوْ مَوْضِعُ الْجَبِّ فَإِنَّهُ عِنْدَهُمْ يَنْقُضُ بِلَا دَلِيلٍ نَقْلِيٍّ وَلَا عَقْلِيٍّ وَعَلَى هَذَا الْخِلَافِ مَسُّ فَرْجِ الْبَهِيمَةِ قَالَ رَحِمَهُ اللَّهُ ( وَامْرَأَةٍ ) أَيْ وَمَسُّ امْرَأَةٍ وَهُوَ مَعْطُوفٌ عَلَى غَيْرِ النَّاقِضِ وَقَالَ الشَّافِعِيُّ يَنْقُضُ الْوُضُوءَ لِقَوْلِهِ تَعَالَى { أَوْ لَامَسْتُمْ النِّسَاءَ } وَلِأَنَّ مَسَّهَا سَبَبُ خُرُوجِ الْمَذْيِ فَيُدَارُ الْحُكْمُ عَلَيْهِ ، وَلَنَا حَدِيثُ { عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ كُنْت أَنَامُ بَيْنَ يَدَيْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَرِجْلَايَ فِي قِبْلَتِهِ فَإِذَا سَجَدَ غَمَزَنِي فَقَبَضْت رِجْلِي ، وَإِذَا قَامَ بَسَطْتهمَا } وَعَنْهَا { أَنَّهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ كَانَ يُقَبِّلُ بَعْضَ نِسَائِهِ ثُمَّ يَخْرُجُ إلَى الصَّلَاةِ وَلَا يَتَوَضَّأُ } وَلَا حُجَّةَ لَهُمْ فِي الْآيَةِ ؛ لِأَنَّ الْمُرَادَ بِهَا الْجِمَاعُ ؛ لِأَنَّ اللَّمْسَ يُذْكَرُ وَيُرَادُ بِهِ الْجِمَاعُ ، وَفَسَّرَ الْآيَةَ ابْنُ عَبَّاسٍ بِالْجِمَاعِ وَهُوَ تُرْجُمَانُ الْقُرْآنِ وَهُوَ مُوَافِقٌ لِمَا قَالَهُ أَهْلُ اللُّغَةِ حَتَّى قَالَ ابْنُ السِّكِّيتِ اللَّمْسُ إذَا قُرِنَ بِالْمَرْأَةِ يُرَادُ بِهِ الْجِمَاعُ ، تَقُولُ الْعَرَبُ لَمَسْت الْمَرْأَةَ أَيْ جَامَعْتهَا فَكَانَ الْحَمْلُ عَلَى الْجِمَاعِ أَوْلَى ، وَيُؤَيِّدُهُ أَنَّ الْمُلَامَسَةَ مُفَاعَلَةٌ مِنْ اللَّمْسِ ، وَذَلِكَ يَكُونُ بَيْنَ اثْنَيْنِ وَعِنْدَهُمْ لَا

يُشْتَرَطُ اللَّمْسُ مِنْ الطَّرَفَيْنِ فَكَانَتْ الْآيَةُ حُجَّةً عَلَيْهِمْ وَلِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى ذَكَرَ الْمَسَّ وَأَرَادَ بِهِ الْجِمَاعَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى حِكَايَةً عَنْ مَرْيَمَ { وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ } ، وَكَذَا الْمُبَاشَرَةُ بِقَوْلِهِ تَعَالَى { وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ } فَالظَّاهِرُ أَنَّ هَذَا مِثْلُهُ ؛ لِأَنَّ الْمَسَّ وَاللَّمْسَ بِمَعْنًى وَاحِدٍ فِي اللُّغَةِ حَتَّى قَالَ الْجَوْهَرِيُّ اللَّمْسُ وَالْمَسُّ بِالْيَدِ وَيُكْنَى بِهِ عَنْ الْجِمَاعِ ، وَلِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَدْ بَيَّنَ الطَّهَارَةَ الصُّغْرَى وَالْكُبْرَى فِي حَالِ وُجُودِ الْمَاءِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى { إذَا قُمْتُمْ إلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ } إلَى أَنْ قَالَ { وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا } فَيَنْبَغِي أَنْ يُبَيِّنَهُمَا حَالَ عَدَمِ الْمَاءِ عِنْدَ وُجُوبِ التَّيَمُّمِ لِيَكُونَ التُّرَابُ طَهُورًا لِلْحَدَثَيْنِ الْأَصْغَرِ وَالْأَكْبَرِ كَمَا كَانَ الْمَاءُ طَهُورًا لَهُمَا لِأَنَّ بِالنَّاسِ حَاجَةً إلَى بَيَانِهِمَا فَإِذَا حُمِلَتْ الْآيَةُ عَلَى الْجِمَاعِ كَانَ بَيَانًا مُفِيدًا لِلْحُكْمِ فِيهِمَا مُحَصِّلًا لِلطَّهَارَتَيْنِ الصُّغْرَى وَالْكُبْرَى عِنْدَ عَدَمِ الْمَاءِ وَلِأَنَّهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ أَمَرَ بَعْضَ أَصْحَابِهِ بِالتَّيَمُّمِ لِلْجَنَابَةِ فَيَكُونُ بَيَانًا لِلْآيَةِ أَنَّ الْمُرَادَ بِهَا الْجِمَاعُ كَمَا فِي سَائِرِ الشَّرَائِعِ الَّذِي يَدُلُّ عَلَيْهِ ظَاهِرُ الْكِتَابِ أَوْ يَحْتَمِلُهُ ثُمَّ بَيَّنَهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ بِالْقَوْلِ أَوْ بِالْفِعْلِ .

قَالَ رَحِمَهُ اللَّهُ ( وَفَرْضُ الْغُسْلِ غَسْلُ فَمِهِ وَأَنْفِهِ وَبَدَنِهِ ) وَقَدْ تَقَدَّمَ وَجْهُ الْعُدُولِ عَنْ الْمَضْمَضَةِ وَالِاسْتِنْشَاقِ إلَى الْغَسْلِ ، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ الْمَضْمَضَةُ وَالِاسْتِنْشَاقُ سُنَّتَانِ فِيهِ لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ { عَشْرٌ مِنْ الْفِطْرَةِ أَيْ مِنْ السُّنَّةِ ، وَهِيَ قَصُّ الشَّارِبِ وَإِعْفَاءُ اللِّحْيَةِ وَالسِّوَاكُ وَالْمَضْمَضَةُ وَالِاسْتِنْشَاقُ وَقَصُّ الْأَظْفَارِ وَغَسْلُ الْبَرَاجِمِ وَنَتْفُ الْإِبْطِ وَحَلْقُ الْعَانَةِ وَانْتِقَاصُ الْمَاءِ } وَلِهَذَا كَانَتَا سُنَّتَيْنِ فِي الْوُضُوءِ ، وَلَنَا قَوْله تَعَالَى { وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا } أَيْ فَطَهِّرُوا أَبْدَانَكُمْ فَكُلُّ مَا أَمْكَنَ تَطْهِيرُهُ يَجِبُ غَسْلُهُ ، وَبَاطِنُ الْفَمِ وَالْأَنْفِ يُمْكِنُ غَسْلُهُ فَإِنَّهُمَا يُغْسَلَانِ عَادَةً وَعِبَادَةً نَفْلًا فِي الْوُضُوءِ وَفَرْضًا فِي الْجَنَابَةِ بِخِلَافِ بَاطِنِ الْعَيْنَيْنِ وَبَاطِنِ الْجُرْحِ فَإِنَّهُ يُوَرِّثُ الْعَمَى فِي الْعَيْنَيْنِ وَالضَّرَرَ فِي الْجُرْحِ ، وَلِهَذَا كُفَّ بَصَرُ مَنْ تَكَلَّفَ غَسْلَهُمَا مِنْ الصَّحَابَةِ ، وَلَا يَجِبُ غَسْلُهُمَا مِنْ النَّجَاسَةِ فَكَانَ فِيهِ ضَرُورَةٌ وَبِخِلَافِ الْوُضُوءِ ؛ لِأَنَّ فِيهِ يَجِبُ غَسْلُ الْوَجْهِ ، وَهُوَ مَا تَقَعُ الْمُوَاجَهَةُ بِهِ وَلَا تَقَعُ الْمُوَاجَهَةُ بِدَاخِلِ الْأَنْفِ وَالْفَمِ ، وَقَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ { تَحْتَ كُلِّ شَعْرَةٍ جَنَابَةٌ فَبِلُّوا الشَّعْرَ وَأَنْقُوا الْبَشَرَةَ } وَرُوِيَ { فَاغْسِلُوا الشَّعْرَ } فَفِي الْفَمِ بَشَرَةٌ وَفِي الْأَنْفِ شَعْرَةٌ وَبَشَرَةٌ ؛ لِأَنَّ الْبَشَرَةَ هِيَ الْجِلْدَةُ الَّتِي تَقِي اللَّحْمَ مِنْ الْأَذَى وَمَا رَوَاهُ الْخَصْمُ حُجَّةٌ عَلَيْهِ فَإِنَّهُ ذَكَرَ مِنْ الْعَشَرَةِ الْخِتَانَ ، وَهُوَ فَرْضٌ عِنْدَهُ وَكَذَا ذَكَرَ الِانْتِقَاصَ بِالْمَاءِ وَهُوَ الِاسْتِنْجَاءُ بِالْمَاءِ وَذَلِكَ فَرْضٌ عِنْدَهُ لَا بُدَّ مِنْهُ أَوْ مِنْ بَدَلِهِ ، وَأَطْلَقَ صَاحِبُ الْكِتَابِ اسْمَ الْفَرْضِ عَلَى غَسْلِ الْفَمِ وَإِنْ كَانَ مُجْتَهِدًا فِيهِ لِمَا أَنَّ ظَاهِرَ النَّصِّ يَتَنَاوَلُهُ ، وَاَللَّهُ

أَعْلَمُ قَوْلُهُ وَبَدَنِهِ أَيْ وَغَسْلُ جَمِيعِ بَدَنِهِ وَهَذَا بِالِاتِّفَاقِ عَلَى مَا بَيَّنَّا ، قَالَ رَحِمَهُ اللَّهُ ( لَا دَلْكُهُ ) أَيْ لَا يَجِبُ دَلْكُ بَدَنِهِ ؛ لِأَنَّ الْمَأْمُورَ بِهِ هُوَ التَّطْهِيرُ وَلَا يَتَوَقَّفُ ذَلِكَ عَلَى الدَّلْكِ فَمَنْ شَرَطَهُ فَقَدْ زَادَ فِي النَّصِّ وَهُوَ نَسْخٌ قَالَ رَحِمَهُ اللَّهُ ( وَإِدْخَالُ الْمَاءِ دَاخِلَ الْجِلْدَةِ لِلْأَقْلَفِ ) أَيْ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يُدْخِلَ الْمَاءَ دَاخِلَ الْجِلْدَةِ لِلْأَقْلَفِ لِأَنَّهُ خِلْقَةٌ كَقَصَبَةِ الذَّكَرِ وَهَذَا مُشْكِلٌ لِأَنَّهُ إذَا وَصَلَ الْبَوْلُ إلَى الْقُلْفَةِ يَنْتَقِضُ الْوُضُوءُ فَجَعَلُوهُ كَالْخَارِجِ فِي هَذَا الْحُكْمِ وَفِي حَقِّ الْغُسْلِ كَالدَّاخِلِ حَتَّى لَا يَجِبُ إيصَالُ الْمَاءِ إلَيْهِ عِنْدَ بَعْضِ الْمَشَايِخِ ، وَقَالَ الْكَرْدَرِيُّ يَجِبُ إيصَالُ الْمَاءِ إلَيْهِ عِنْدَ بَعْضِ الْمَشَايِخِ وَهُوَ الصَّحِيحُ فَعَلَى هَذَا لَا إشْكَالَ فِيهِ .

قَوْلُهُ فِي الْمَتْنِ وَفَرْضُ ) أَيْ مَفْرُوضُهُ ذَكَرَ الْمَصْدَرَ وَأَرَادَ بِهِ الْمَفْعُولَ انْتَهَى مُسْتَصْفَى ( قَوْلُهُ عَشْرٌ مِنْ الْفِطْرَةِ ) رَوَى مُسْلِمٌ عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { عَشْرٌ مِنْ الْفِطْرَةِ قَصُّ الشَّارِبِ وَإِعْفَاءُ اللِّحْيَةِ وَالسِّوَاكُ وَاسْتِنْشَاقُ الْمَاءِ وَقَصُّ الْأَظَافِرِ وَغَسْلُ الْبَرَاجِمِ وَنَتْفُ الْإِبْطِ وَحَلْقُ الْعَانَةِ وَانْتِقَاصُ الْمَاءِ قَالَ مُصْعَبُ بْنُ شَيْبَةَ وَنَسِيت الْعَاشِرَةَ إلَّا أَنْ تَكُونَ الْمَضْمَضَةُ وَانْتِقَاصُ الْمَاءِ الِاسْتِنْجَاءُ } ، وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُد مِنْ رِوَايَةِ عَمَّارٍ وَذَكَرَ الْخِتَانَ بَدَلَ إعْفَاءِ اللِّحْيَةِ ، وَذَكَرَ الِانْتِضَاحَ بَدَلَ انْتِقَاصِ الْمَاءِ انْتَهَى فَتْحُ الْقَدِيرِ قَالَ فِي الْمُسْتَصْفَى الْجُنُبُ يَسْتَوِي فِيهِ الْوَاحِدُ وَالْجَمْعُ وَالْمُذَكَّرُ وَالْمُؤَنَّثُ لِأَنَّهُ اسْمٌ جَرَى مَجْرَى الْمَصْدَرِ الَّذِي هُوَ الْإِجْنَابُ كَذَا ذَكَرَ فِي الْكَشَّافِ وَفِيهِ التَّطَهُّرُ وَالِاطِّهَارُ وَالِاغْتِسَالُ انْتَهَى ( قَوْلُهُ وَغَسْلُ الْبَرَاجِمِ ) مَفَاصِلِ الْأَصَابِعِ جَمْعُ بُرْجُمَةٍ بِضَمِّ الْبَاءِ انْتَهَى ( قَوْلُهُ وَانْتِقَاصُ الْمَاءِ إلَخْ ) الْمَاءُ إنْ أُرِيدَ بِهِ الْبَوْلُ كَانَ الِانْتِقَاصُ مَصْدَرًا مُضَافًا إلَى الْمَفْعُولِ ، وَإِنْ أُرِيدَ بِهِ الْمَاءُ الَّذِي يَغْسِلُ بِهِ الذَّكَرَ كَانَ مَصْدَرًا مُضَافًا إلَى الْفَاعِلِ ، وَالْمَفْعُولُ مُقَدَّرٌ وَهُوَ الْبَوْلُ انْتَهَى يَحْيَى ( قَوْلُهُ فَطَهِّرُوا أَبْدَانَكُمْ ) وَالْبَدَنُ اسْمٌ لِلظَّاهِرِ وَالْبَاطِنِ إلَّا أَنَّ الْبَاطِنَ سَقَطَ بِالْإِجْمَاعِ لِعَدَمِ الْإِمْكَانِ كَيْ لَا يَلْزَمَ تَكْلِيفُ مَا لَيْسَ فِي الْوُسْعِ انْتَهَى مُسْتَصْفَى ( قَوْلُهُ وَالْأَنْفُ يُمْكِنُ غَسْلُهُ ) فَشَمَلَهُمَا نَصُّ الْكِتَابِ مِنْ غَيْرِ مُعَارِضٍ كَمَا شَمَلَهُ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { تَحْتَ كُلِّ شَعْرَةٍ جَنَابَةٌ فَبِلُّوا الشَّعْرَ وَأَنْقُوا الْبَشَرَةَ } رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ مِنْ غَيْرِ مُعَارِضٍ إذْ كَوْنُهُ مِنْ الْفِطْرَةِ لَا يَنْفِي

الْوُجُوبَ ؛ لِأَنَّهَا الدِّينُ وَهُوَ أَعَمُّ مِنْهُ فَلَا يُعَارِضُهُ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { كُلُّ مَوْلُودٍ يُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ } وَالْمُرَادُ أَعْلَى الْوَاجِبَاتِ عَلَى مَا هُوَ أَعْلَى الْأَقْوَالِ انْتَهَى فَتْحٌ ( قَوْلُهُ وَبَاطِنُ الْجُرْحِ ) وَمَا يَعْسُرُ كَثَقْبِ الْقُرْطِ وَجِلْدَةِ الْأَقْلَفِ الَّتِي لَا تَنْحَسِرُ عَنْهَا الْحَشَفَةُ لَا يَجِبُ إيصَالُ الْمَاءِ إلَيْهِ انْتَهَى كُنُوزٌ ( قَوْلُهُ فَإِنَّهُ يُوَرِّثُ الْعَمَى ) أَيْ لِأَنَّهُ شَحْمٌ لَا يَقْبَلُ الْمَاءَ انْتَهَى كَافِي ( قَوْلُهُ وَلَا يَجِبُ غَسْلُهُمَا مِنْ النَّجَاسَةِ إلَى آخِرِهِ ) كَمَا إذَا اكْتَحَلَ بِكُحْلٍ نَجِسٍ انْتَهَى ( قَوْلُهُ فِي الْمَتْنِ وَبَدَنِهِ ) أَيْ جَمِيعِ ظَاهِرِ الْبَدَنِ حَتَّى لَوْ بَقِيَ الْعَجِينُ فِي الظُّفْرِ فَاغْتَسَلَ لَا يُجْزِي وَفِي الدَّرَنِ يُجْزِي إذْ هُوَ مُتَوَلِّدٌ مِنْ هُنَاكَ وَكَذَا الطِّينُ ؛ لِأَنَّ الْمَاءَ يَنْفُذُ مِنْ هُنَاكَ وَكَذَا الصِّبْغُ وَالْحِنَّاءُ انْتَهَى شَرْحُ وِقَايَةٍ فَيَجِبُ تَحْرِيكُ الْقُرْطِ وَالْخَاتَمِ الضَّيِّقَيْنِ وَلَوْ لَمْ يَكُنْ قُرْطٌ فَدَخَلَ الْمَاءُ الثَّقْبَ عِنْدَ مُرُورِهِ أَجْزَأَ كَالسُّرَّةِ ، وَإِلَّا أَدْخَلَهُ وَيُدْخِلُهُ الْقُلْفَةَ اسْتِحْبَابًا وَفِي النَّوَازِلِ لَا يُجْزِيهِ تَرْكُهُ وَالْأَصَحُّ الْأَوَّلُ لِلْحَرَجِ لَا لِكَوْنِهِ خِلْقَةً انْتَهَى كَمَالٌ كَمَا قَالَ فِي السِّرَاجِ الْوَهَّاجِ وَالْخِضَابُ إذَا تَجَسَّدَ وَيَبِسَ يَمْنَعُ تَمَامَ الْوُضُوءِ وَالْغُسْلِ كَذَا فِي الْوَجِيزِ وَقِشْرَةُ الْقُرْحَةِ إذَا ارْتَفَعَتْ وَلَمْ يَصِلْ الْمَاءُ إلَى مَا تَحْتَهَا لَا بَأْسَ بِهِ فِي الْوُضُوءِ وَالْغُسْلِ ، وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا وَبَيْنَ الْخِضَابِ أَنَّ قِشْرَةَ الْقُرْحَةِ مُتَّصِلَةٌ بِالْجِلْدِ اتِّصَالَ الْخِلْقَةِ قَالَ فِي الْيَنَابِيعِ وَإِنْ اغْتَسَلَ الْأَقْلَفُ مِنْ الْجَنَابَةِ ، وَلَمْ يَغْسِلْ مَا وَرَاءَ الْجِلْدِ مِنْ رَأْسِ الذَّكَرِ يُجْزِيهِ وَيَخْرُجُ مِنْ الْجَنَابَةِ وَعَلَى مَا فِي النَّوَازِلِ مَشَى صَاحِبُ الْبَدَائِعِ فَقَالَ : وَكَذَا الْأَقْلَفُ يَجِبُ عَلَيْهِ إيصَالُ الْمَاءِ إلَى الْقُلْفَةِ

وَقَالَ بَعْضُهُمْ لَا يَجِبُ وَلَيْسَ بِصَحِيحٍ لِإِمْكَانِ إيصَالِ الْمَاءِ إلَيْهِ بِلَا حَرَجٍ انْتَهَى ( قَوْلُهُ لَا دَلْكُهُ ) قَالَ الْكَمَالُ وَلَا يَجِبُ الدَّلْكُ إلَّا فِي رِوَايَةٍ عَنْ أَبِي يُوسُفَ وَكَأَنَّ وَجْهَهُ خُصُوصُ صِيغَةِ اطَّهَّرُوا فَإِنْ تَفْعَلْ لِلْمُبَالَغَةِ ، وَذَلِكَ بِالدَّلْكِ وَفِي الْحَقَائِقِ الدَّلْكُ عِنْدَ مَالِكٍ شَرْطٌ فِي الْوُضُوءِ وَالْغُسْلِ وَعِنْدَنَا لَيْسَ بِشَرْطٍ وَفِي الثَّوْبِ شَرْطٌ إجْمَاعًا قَالَ فِي الْمُصَفَّى قَالَ الْمَأْمُورُ بِهِ الْفِعْلُ وَهُوَ الْغُسْلُ وَالِاغْتِسَالُ وَذَا لَا يَتَحَقَّقُ إلَّا بِالدَّلْكِ كَمَا فِي غَسْلِ الثَّوْبِ قُلْنَا الْمَأْمُورُ بِهِ هُوَ الِاطِّهَارُ فَلَوْ شَرَطْنَا الدَّلْكَ يَكُونُ زِيَادَةً عَلَى النَّصِّ ، وَفِي الثَّوْبِ تَخَلَّلَتْ النَّجَاسَةُ فَلَا بُدَّ مِنْ الْعَصْرِ بَعْدَ الصَّبِّ لِلِاسْتِخْرَاجِ انْتَهَى وَالدَّلْكُ مِنْ الْمُتِمَّاتِ فَكَانَ مُسْتَحَبًّا انْتَهَى كَاكِيٌّ ( قَوْلُهُ وَهَذَا مُشْكِلٌ ) يُمْكِنُ أَنْ يُجَابَ عَنْهُ بِأَنَّ انْتِقَاضَ الْوُضُوءِ لَمْ يَكُنْ بِاعْتِبَارِ أَنَّهُ جُعِلَ كَالْخَارِجِ بَلْ بِاعْتِبَارِ أَنَّ الْبَوْلَ إذَا وَصَلَ إلَى الْقُلْفَةِ لَا بُدَّ أَنْ يَخْرُجَ مِنْهُ فَبِاعْتِبَارِهِ يَنْقُضُ الْوُضُوءَ أَوْ لِأَنَّ الْقِيَاسَ إيصَالُ الْمَاءِ إلَى دَاخِلِ الْجِلْدَةِ لَكِنْ تَرَكْنَا الْقِيَاسَ دَفْعًا لِلْحَرَجِ ، وَلَا حَرَجَ فِي انْتِقَاضِ الْوُضُوءِ فَبَقِيَ عَلَى أَصْلِ الْقِيَاسِ انْتَهَى

قَالَ رَحِمَهُ اللَّهُ ( وَسُنَّتُهُ ) أَيْ سُنَّةُ الْغُسْلِ ( أَنْ يَغْسِلَ يَدَيْهِ وَفَرْجَهُ وَنَجَاسَةً لَوْ كَانَتْ عَلَى بَدَنِهِ ، ثُمَّ يَتَوَضَّأُ ثُمَّ يُفِيضُ الْمَاءَ عَلَى بَدَنِهِ ثَلَاثًا ) لِمَا رَوَى ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا عَنْ خَالَتِهِ مَيْمُونَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا أَنَّهَا قَالَتْ { وَضَعْت لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ غُسْلًا فَاغْتَسَلَ مِنْ الْجَنَابَةِ فَأَكْفَأَ الْإِنَاءَ بِشِمَالِهِ عَلَى يَمِينِهِ فَغَسَلَ كَفَّيْهِ ثُمَّ أَدْخَلَ يَدَهُ فِي الْإِنَاءِ فَأَفَاضَ الْمَاءَ عَلَى فَرْجِهِ ثُمَّ دَلَّكَ بِيَدِهِ الْحَائِطَ أَوْ الْأَرْضَ ثُمَّ تَمَضْمَضَ وَاسْتَنْشَقَ فَغَسَلَ وَجْهَهُ وَذِرَاعَيْهِ ثُمَّ أَفَاضَ الْمَاءَ عَلَى رَأْسِهِ ثَلَاثًا وَغَسَلَ سَائِرَ جَسَدِهِ ثُمَّ تَنَحَّى فَغَسَلَ رِجْلَيْهِ } وَلِأَنَّ الْيَدَ آلَةٌ لِلتَّطْهِيرِ فَيُبْدَأُ بِتَنْظِيفِهَا وَقَوْلُهُ : وَفَرْجَهُ وَنَجَاسَةً لَوْ كَانَتْ أَيْ يَغْسِلُ فَرْجَهُ وَيَغْسِلُ النَّجَاسَةَ لَوْ كَانَتْ عَلَى بَدَنِهِ لِئَلَّا تَشِيعَ النَّجَاسَةُ ، وَكَانَ يُغْنِيهِ أَنْ يَقُولَ وَنَجَاسَةً عَنْ قَوْلِهِ وَفَرْجَهُ لِأَنَّ الْفَرْجَ إنَّمَا يُغْسَلُ لِأَجْلِ النَّجَاسَةِ وَالْمَرْأَةُ تَغْسِلُ فَرْجَهَا الْخَارِجَ لِأَنَّهُ بِمَنْزِلَةِ الْفَمِ فَيَجِبُ تَطْهِيرُهُ وَهَلْ يَغْسِلُ الْأَقْلَفُ دَاخِلَ الْقُلْفَةِ فَهُوَ عَلَى الِاخْتِلَافِ الَّذِي مَضَى فِي لُزُومِ غُسْلِهِ مِنْ الْجَنَابَةِ ، وَقَالَ ثُمَّ يَتَوَضَّأُ وَلَمْ يَذْكُرْ تَأْخِيرَ الرِّجْلِ ؛ لِأَنَّهُ لَا يُؤَخِّرُ إلَّا إذَا كَانَ فِي مُسْتَنْقَعِ الْمَاءِ وَاخْتَلَفُوا فِي مَسْحِ الرَّأْسِ رَوَى الْحَسَنُ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهُ لَا يَمْسَحُ لِأَنَّهُ لَزِمَهُ غَسْلُ رَأْسِهِ وَوُجُودُ الْمَسْحِ لَا يَظْهَرُ مَعَ وُجُودِ الْغَسْلِ أَوْ لِأَنَّهُ لَا بُدَّ لَهُ مِنْ غَسْلِ رَأْسِهِ بَعْدَ ذَلِكَ فَلَا يُفِيدُ الْمَسْحُ بِخِلَافِ غَسْلِ الْوَجْهِ وَالذِّرَاعَيْنِ وَفِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ يَمْسَحُ بِرَأْسِهِ هُوَ الصَّحِيحُ لِأَنَّهُ رُوِيَ فِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ عَلَيْهِ السَّلَامُ تَوَضَّأَ وُضُوءَهُ لِلصَّلَاةِ وَهُوَ اسْمٌ لِلْغَسْلِ

وَالْمَسْحِ ، قَالَ رَحِمَهُ اللَّهُ ( وَلَا تُنْقَضُ ضَفِيرَةٌ إنْ بُلَّ أَصْلُهَا ) قَوْلُهُ لَا تَنْقُضُ إنْ كَانَ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ فَمَعْنَاهُ ضَفِيرَةُ الْمَرْأَةِ وَحُذِفَتْ الْمَرْأَةُ اخْتِصَارًا ، وَإِنْ كَانَ مَبْنِيًّا لِلْفَاعِلِ فَمَعْنَاهُ لَا تَنْقُضُ الْمَرْأَةُ ضَفِيرَتَهَا وَفِي تَنْقُضُ ضَمِيرٌ يَعُودُ عَلَى الْمَرْأَةِ ، وَإِنْ لَمْ تَكُنْ مَذْكُورَةً لِأَنَّ سِيَاقَ الْكَلَامِ يَدُلُّ عَلَيْهَا ، وَالْأَوَّلُ أَظْهَرُ لِقَوْلِهِ إنْ بُلَّ أَصْلُهَا عَلَى مَا لَمْ يُسَمَّ فَاعِلُهُ إذْ لَوْ كَانَ الْأَوَّلُ مَبْنِيًّا لِلْفَاعِلِ لَقَالَ إنْ بَلَّتْ ، وَمَذْهَبُ الْجُمْهُورِ أَنَّهُ لَا يَجِبُ عَلَى الْمَرْأَةِ نَقْضُ الضَّفِيرَةِ إلَّا أَنْ تَكُونَ مُلَبَّدَةً لِحَدِيثِ { أُمِّ سَلَمَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا أَنَّهَا قَالَتْ يَا رَسُولَ اللَّهِ إنِّي امْرَأَةٌ أَشُدُّ ضَفْرَ رَأْسِي أَفَأَنْقُضُهُ لِغُسْلِ الْجَنَابَةِ قَالَ إنَّمَا يَكْفِيك أَنْ تَحْثِي عَلَى رَأْسِك ثَلَاثَ حَثَيَاتٍ مِنْ مَاءٍ ثُمَّ تُفِيضِي عَلَى سَائِرِ جَسَدِك الْمَاءَ فَتَطْهُرِينَ } وَلِأَنَّ فِي النَّقْضِ عَلَيْهَا حَرَجًا وَفِي الْحَلْقِ مُثْلَةً فَسَقَطَ بِخِلَافِ الرَّجُلِ لِأَنَّهُ لَمْ يَلْحَقْهُ الْحَرَجُ حَتَّى قَالَ بَعْضُهُمْ إنْ كَانَ عَلَوِيًّا أَوْ تُرْكِيًّا لَا يَجِبُ عَلَيْهِ نَقْضُهُ ، وَقَوْلُهُ إنْ بُلَّ أَصْلُهَا يَنْفِي وُجُوبَ بَلِّ ذَوَائِبِهَا وَأَثْنَاءِ شَعْرِهَا وَهُوَ قَوْلُ بَعْضِهِمْ وَقَالَ بَعْضُهُمْ يَجِبُ ذَلِكَ لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ { فَبِلُّوا الشَّعْرَ } وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ لِحَدِيثِ أُمِّ سَلَمَةَ الْمُتَقَدِّمِ فَإِنْ قِيلَ قَوْله تَعَالَى { فَاطَّهَّرُوا } يَتَنَاوَلُ الْجَمِيعَ قُلْنَا يَتَنَاوَلُ جَمِيعَ الْبَدَنِ ، وَلَيْسَ الشَّعْرُ مِنْ الْبَدَنِ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ بَلْ هُوَ مُتَّصِلٌ بِهِ نَظَرًا إلَى أُصُولِهِ وَمُنْفَصِلٌ عَنْهُ نَظَرًا إلَى أَطْرَافِهِ فَعَمِلْنَا بِأَصْلِهِ فِي حَقِّ مَنْ لَا يَلْحَقُهُ الْحَرَجُ وَبِطَرَفِهِ فِي حَقِّ مَنْ يَلْحَقُهُ الْحَرَجُ .

( قَوْلُهُ ثُمَّ يُفِيضُ الْمَاءَ إلَى آخِرِهِ ) قَالَ وَأَمَّا كَيْفِيَّةُ الْإِفَاضَةِ قَالَ الْحَلْوَانِيُّ يُفِيضُ الْمَاءَ عَلَى مَنْكِبِهِ الْأَيْمَنِ ثَلَاثًا ثُمَّ الْأَيْسَرِ ثَلَاثًا ثُمَّ عَلَى رَأْسِهِ وَعَلَى سَائِرِ جَسَدِهِ ثَلَاثًا ، وَفِي بَعْضِهَا يَبْدَأُ بِالْأَيْمَنِ ثَلَاثًا بِالرَّأْسِ ثُمَّ بِالْأَيْسَرِ ، وَقِيلَ يَبْدَأُ بِالرَّأْسِ كَمَا أَشَارَ إلَيْهِ فِي الْمَتْنِ ، وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ انْتَهَى زَاهِدِيٌّ وَهُوَ ظَاهِرُ حَدِيثِ مَيْمُونَةَ الَّذِي ذَكَرَهُ الشَّارِحُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ ( قَوْلُهُ غُسْلًا ) الْغُسْلُ بِالضَّمِّ الْمَاءُ الَّذِي يُغْتَسَلُ بِهِ كَالْأُكْلِ لِمَا يُؤْكَلُ وَهُوَ الضَّمُّ أَيْضًا مِنْ غَسَلْته وَالْغَسْلُ بِالْفَتْحِ الْمَصْدَرُ وَبِالْكَسْرِ مَا يَغْسِلُ بِهِ مِنْ خِطْمِيٍّ وَغَيْرِهِ ابْنُ الْأَثِيرِ قَالَ الشُّمُنِّيُّ قَالَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ فِي الْإِمَامِ غِسْلُهُ بِكَسْرِ الْغَيْنِ مَا يَغْتَسِلُ بِهِ انْتَهَى ( قَوْلُهُ وَكَانَ يُغْنِيهِ ) قِيلَ لَا اسْتِغْنَاءَ ؛ لِأَنَّ النَّجَاسَةَ عَلَى الْفَرْجِ ثَابِتَةٌ غَالِبًا وَالْغَالِبُ كَالْمُتَحَقِّقِ فَلَا يُلَائِمُ الْفَرْجَ قَوْلُهُ : إنْ كَانَتْ فَيُحْمَلُ عَلَى غَيْرِ الْفَرْجِ انْتَهَى يَحْيَى ، وَقَالَ الْعَيْنِيُّ ذَكَرَهُ لِلِاهْتِمَامِ وَاتِّبَاعًا لِمَا ذُكِرَ فِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ انْتَهَى ( قَوْلُهُ فَيَجِبُ تَطْهِيرُهُ ) وَعَنْ أَبِي الْقَاسِمِ الصَّفَّارِ لَا يَجِبُ عَلَيْهَا إدْخَالُ الْإِصْبَعِ فِي قُبُلِهَا وَبِهِ يُفْتِي زَاهِدِيٌّ ( قَوْلُهُ فِي الْمَتْنِ وَنَجَاسَةً ) قَالَ فِي الْمُسْتَصْفَى قَوْلُهُ ثُمَّ يُزِيلُ نَجَاسَةً عَلَى التَّنْكِيرِ كَقَوْلِهِ { فَهَلْ إلَى خُرُوجٍ مِنْ سَبِيلٍ } لِأَنَّهُ عَسَى يَكُونُ وَعَسَى لَا يَكُونُ وَلِذَلِكَ قَالَ إنْ كَانَتْ وَلَمْ يَقُلْ إذَا كَانَتْ ، حَكَى الْإِمَامُ بَدْرُ الدِّينِ عَنْ شَيْخِهِ عَنْ صَاحِبِ الْهِدَايَةِ وَذَلِكَ لِأَنَّهُ إنْ كَانَتْ مَعْرِفَةً فَإِمَّا أَنْ يَكُونَ الْأَلِفُ وَاللَّامُ فِيهِ لِلْعَهْدِ أَوْ لِلْجِنْسِ لَا يَجُوزُ الْأَوَّلُ لِمَا أَنَّهُ لَا مَعْهُودَ ؛ لِأَنَّ الْعَهْدَ أَنْ تَذْكُرَ شَيْئًا ثُمَّ تُعَاوِدَهُ وَلِأَنَّ قَوْلَهُ

إنْ كَانَتْ يَأْبَاهُ وَلَا يَجُوزُ الثَّانِي أَيْضًا لِأَنَّهُ إمَّا أَنْ يُرَادَ بِهِ كُلُّ الْجِنْسِ وَهُوَ مُحَالٌ ، وَإِمَّا أَنْ يُرَادَ بِهِ أَقَلُّهُ وَهُوَ غَيْرُ مُرَادٍ أَيْضًا انْتَهَى قَالَ الْكَمَالُ رَحِمَهُ اللَّهُ وَلَوْ انْغَمَسَ الْجُنُبُ فِي مَاءٍ جَارٍ إنْ مَكَثَ فِيهِ قَدْرَ الْوُضُوءِ وَالْغُسْلِ فَقَدْ أَكْمَلَ السُّنَّةَ وَإِلَّا فَلَا انْتَهَى ( قَوْلُهُ فِي الْمَتْنِ وَلَا تَنْقُضُ ضَفِيرَةً إلَى آخِرِهِ ) الضَّفْرُ فَتْلُ الشَّعْرِ وَإِدْخَالُ بَعْضِهِ فِي الْبَعْضِ ، وَالضَّفِيرَةُ الذُّؤَابَةُ انْتَهَى يَحْيَى هَذَا فَرْعُ قِيَامِ الضَّفِيرَةِ فَلَوْ كَانَتْ ضَفَائِرُهَا مَنْقُوضَةً فَعَنْ الْفَقِيهِ أَبِي جَعْفَرٍ يَجِبُ إيصَالُ الْمَاءِ إلَيْهِ انْتَهَى فَتْحٌ ( قَوْلُهُ : لِأَنَّ سِيَاقَ الْكَلَامِ ) أَيْ وَهُوَ تَأْنِيثُ الْفِعْلِ انْتَهَى قَوْلُهُ لِأَنَّهُ لَمْ يَلْحَقْهُ ) أَيْ فِي إيصَالِ الْمَاءِ إلَى أَثْنَاءِ شَعْرِهِ ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِمُضَفَّرٍ ( قَوْلُهُ لَا يَجِبُ ) أَيْ لِأَنَّهُ مُضَفَّرٌ فَيَلْحَقُهُ الْحَرَجُ ( قَوْلُهُ يَنْفِي وُجُوبَ بَلِّ ذَوَائِبِهَا ) هُوَ الصَّحِيحُ قَالَ فِي الدِّرَايَةِ : وَقَوْلُهُ هُوَ الصَّحِيحُ احْتِرَازٌ عَمَّا رَوَى الْحَسَنُ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهَا تَبُلُّ ذَوَائِبَهَا ثَلَاثًا مَعَ كُلِّ بَلَّةٍ عَصْرَةٌ ، وَقَالَ فِي الْوِقَايَةِ وَلَيْسَ عَلَى الْمَرْأَةِ نَقْضُ ضَفِيرَتِهَا وَلَا بَلُّهَا إذَا ابْتَلَّ أَصْلُهَا قَالَ صَدْرُ الشَّرِيعَةِ وَقَوْلُهُ وَلَا بَلُّهَا قَالَ بَعْضُ مَشَايِخِنَا تَبُلُّ ذَوَائِبَهَا وَتَعْصِرُهَا لَكِنَّ الْأَصَحَّ عَدَمُ وُجُوبِهِ ، وَهَذَا إذَا كَانَتْ مَفْتُولَةً أَمَّا إذَا كَانَتْ مَنْقُوضَةً يَجِبُ إيصَالُ الْمَاءِ إلَى أَثْنَاءِ الشَّعْرِ كَمَا فِي اللِّحْيَةِ لِعَدَمِ الْحَرَجِ ا هـ قَالَ الْعَلَّامَةُ كَمَالُ الدِّينِ فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ وَثَمَنُ مَاءِ غُسْلِ الْمَرْأَةِ وَوُضُوئِهَا عَلَى الرَّجُلِ وَإِنْ كَانَتْ غَنِيَّةً ا هـ قَالَ فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ مَا نَصُّهُ فِي صَلَاةِ الْبَقَّالِيِّ : الصَّحِيحُ أَنَّهُ يَجِبُ غَسْلُ الذَّوَائِبِ وَإِنْ جَاوَزَتْ الْقَدَمَيْنِ فِي مَبْسُوطِ بَكْرٍ فِي وُجُوبِ إيصَالِ الْمَاءِ

إلَى شُعَبِ عِقَاصِهَا اخْتِلَافُ الْمَشَايِخِ انْتَهَى ، وَالْأَصَحُّ نَفْيُهُ لِلْحَصْرِ الْمَذْكُورِ فِي الْحَدِيثِ انْتَهَى ( قَوْلُهُ فِي حَقِّ مَنْ لَا يَلْحَقُهُ الْحَرَجُ ) وَهُوَ الرَّجُلُ انْتَهَى ( قَوْلُهُ فِي حَقِّ مَنْ يَلْحَقُهُ ) أَيْ وَهُوَ الْمَرْأَةُ فَلَا يُخَالِفُ الْخَبَرُ النَّصَّ ؛ لِأَنَّهُ تَنَاوَلَ مَا هُوَ مِنْ الْبَدَنِ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ ا هـ كَافِي

قَالَ رَحِمَهُ اللَّهُ ( وَفُرِضَ ) أَيْ الْغُسْلُ ( عِنْدَ مَنِيٍّ ذِي دَفْقٍ وَشَهْوَةٍ عِنْدَ انْفِصَالِهِ ) لَمَّا فَرَغَ مِنْ بَيَانِ فَرْضِ الْغُسْلِ وَسُنَّتِهِ شَرَعَ فِي بَيَانِ مَا يُوجِبُهُ قَوْلُهُ عِنْدَ مَنِيٍّ أَيْ عِنْدَ خُرُوجِ الْمَنِيِّ إلَى ظَاهِرِ الْفَرْجِ لِأَنَّهُ لَا يَجِبُ مَا لَمْ يَخْرُجْ إلَى ظَاهِرِهِ أَمَّا الرَّجُلُ فَظَاهِرٌ وَكَذَا الْمَرْأَةُ فِي رِوَايَةٍ عَلَى مَا نُبَيِّنُهُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى وَالشَّهْوَةُ شَرْطٌ عِنْدَنَا ، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ لَيْسَتْ بِشَرْطٍ لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ { الْمَاءُ مِنْ الْمَاءِ } أَيْ وُجُوبُ اسْتِعْمَالِ الْمَاءِ بِسَبَبِ خُرُوجِ الْمَاءِ ، وَلَنَا قَوْله تَعَالَى { وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا } وَهُوَ فِي اللُّغَةِ اسْمٌ لِمَنْ قَضَى شَهْوَتَهُ يُقَالُ أَجْنَبَ فُلَانٌ إذَا قَضَى شَهْوَتَهُ وَقَالَ عَلَيْهِ السَّلَامُ { إذَا حَذَفْت الْمَاءَ فَاغْتَسِلْ وَإِنْ لَمْ تَكُنْ حَاذِفًا فَلَا تَغْتَسِلْ } فَاعْتُبِرَ الْحَذْفُ وَهُوَ لَا يَكُونُ إلَّا بِالشَّهْوَةِ ، وَفِي الْغَايَةِ ذَكَرَ أَنَّ مَا ذَكَرْنَاهُ مُقَيَّدٌ وَحَدِيثَ { الْمَاءُ مِنْ الْمَاءِ } مُطْلَقٌ فَيُحْمَلُ الْمُطْلَقُ عَلَى الْمُقَيَّدِ فِي حَادِثَةٍ وَاحِدَةٍ عِنْدَنَا ، وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ يُحْمَلُ وَإِنْ كَانَا فِي حَادِثَتَيْنِ فَقَدْ تَرَكَ أَصْلَهُ وَلَكِنَّ هَذَا لَا يَسْتَقِيمُ هُنَا ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا يُحْمَلُ الْمُطْلَقُ عَلَى الْمُقَيَّدِ عِنْدَ أَصْحَابِنَا فِي حَادِثَةٍ وَاحِدَةٍ أَنْ لَوْ وَرَدَا فِي الْحُكْمِ ، وَكَانَ الْمَحَلُّ وَاحِدًا ؛ لِأَنَّهُ حِينَئِذٍ لَا يُمْكِنُ الْعَمَلُ بِهِمَا فَيُحْمَلُ عَلَيْهِ كَمَا حَمَلْنَا عَلَى قِرَاءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ قِرَاءَةَ غَيْرِهِ فِي كَفَّارَةِ الْيَمِينِ لِاتِّحَادِ السَّبَبِ وَهُوَ الْيَمِينُ وَلِاتِّحَادِ الْحُكْمِ وَهُوَ الْكَفَّارَةُ وَلِاتِّحَادِ الْمَحَلِّ وَهُوَ الصَّوْمُ وَأَمَّا إذَا لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ فَلَا يُحْمَلُ أَحَدُهُمَا عَلَى الْآخَرِ كَمَا فِي سَائِرِ الْكَفَّارَاتِ حَتَّى لَا تُحْمَلَ كَفَّارَةُ الظِّهَارِ عَلَى كَفَّارَةِ الْقَتْلِ فِي اشْتِرَاطِ الْمُؤْمِنَةِ لِعَدَمِ اتِّحَادِ السَّبَبِ ، وَكَذَا

التَّكْفِيرُ بِالْإِطْعَامِ فِي كَفَّارَةِ الظِّهَارِ لَا يُحْمَلُ عَلَى التَّكْفِيرِ بِالْعِتْقِ أَوْ الصَّوْمِ حَتَّى يُشْتَرَطَ فِيهِ أَنْ يَكُونَ قَبْلَ الْمَسِيسِ لِعَدَمِ اتِّحَادِ الْمَحَلِّ ؛ لِأَنَّ أَحَدَهُمَا إطْعَامٌ وَالْآخَرَ صَوْمٌ أَوْ عِتْقٌ وَإِنْ اتَّحَدَا فِي السَّبَبِ وَالْحُكْمِ ، وَهُنَا قَوْلُهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ { الْمَاءُ مِنْ الْمَاءِ } وَقَوْلُهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ { إذَا حَذَفْت الْمَاءَ } وَرَدَا فِي السَّبَبِ فَيَكُونُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا سَبَبًا مُسْتَقِلًّا إذْ لَا تَزَاحُمَ فِي الْأَسْبَابِ فَلَا يَسْتَقِيمُ مَا ذَكَرَهُ فَإِنْ قِيلَ فَعَلَى هَذَا وَجَبَ أَنْ لَا تُشْتَرَطَ الشَّهْوَةُ عَمَلًا بِالْمُطْلَقِ إذْ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا سَبَبٌ مُسْتَقِلٌّ بِنَفْسِهِ قُلْنَا إنَّمَا شَرَطْنَاهَا بِالنَّصِّ ، وَهُوَ قَوْلُهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ { وَإِذَا لَمْ تَكُنْ حَاذِفًا فَلَا تَغْتَسِلْ } كَمَا نَفَيْنَا وُجُوبَ الزَّكَاةِ عَنْ الْمَعْلُوفَةِ بِالنَّصِّ مَعَ النَّصِّ الْمُقَيَّدِ بِالسَّوْمِ وَالْمُطْلَقُ عَنْهُ قَوْلُهُ عِنْدَ انْفِصَالِهِ أَيْ عِنْدَ انْفِصَالِهِ مِنْ مَحَلِّهِ يَعْنِي أَنَّ الشَّهْوَةَ تُشْتَرَطُ عِنْدَ انْفِصَالِهِ مِنْ الظَّهْرِ لَا عِنْدَ خُرُوجِهِ مِنْ رَأْسِ الْإِحْلِيلِ ، وَهَذَا عِنْدَهُمَا وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ تُشْتَرَطُ الشَّهْوَةُ عِنْدَهُمَا ؛ لِأَنَّ الْوُجُوبَ يَتَعَلَّقُ بِالِانْفِصَالِ وَالْخُرُوجِ عِنْدَنَا خِلَافًا لِأَحْمَدَ فِيمَا إذَا انْفَصَلَ وَلَمْ يَخْرُجْ فَإِذَا شُرِطَتْ فِي أَحَدِهِمَا وَجَبَ أَنْ تُشْتَرَطَ فِي الْآخَرِ وَهُمَا يَقُولَانِ بِالنَّظَرِ إلَى الْأَوَّلِ يَجِبُ فَإِذَا وَجَبَ مِنْ وَجْهٍ وَجَبَ احْتِيَاطًا ، وَثَمَرَةُ الْخِلَافِ تَظْهَرُ فِي مَوْضِعَيْنِ : أَحَدُهُمَا إذَا انْفَصَلَ الْمَنِيُّ عَنْ مَكَانِهِ بِشَهْوَةٍ فَرَبَطَ ذَكَرَهُ بِخَيْطٍ حَتَّى فَتَرَتْ شَهْوَتُهُ ، ثُمَّ أَرْسَلَهُ يَجِبُ عَلَيْهِ الْغُسْلُ عِنْدَهُمَا خِلَافًا لَهُ ، وَالثَّانِي إذَا أَمْنَى وَاغْتَسَلَ مِنْ سَاعَتِهِ وَصَلَّى أَوْ لَمْ يُصَلِّ ثُمَّ خَرَجَ مِنْهُ بَقِيَّةُ الْمَنِيِّ يَجِبُ عَلَيْهِ الْغُسْلُ ثَانِيًا عِنْدَهُمَا وَعِنْدَهُ لَا يَجِبُ ، وَلَا يُعِيدُ الصَّلَاةَ

بِالْإِجْمَاعِ لِأَنَّهُ اغْتَسَلَ لِلْأَوَّلِ فَلَا يَجِبُ لِلثَّانِي حَتَّى يَخْرُجَ فَإِذَا خَرَجَ وَجَبَ وَقْتَ الْخُرُوجِ ابْتِدَاءً ، وَلَوْ خَرَجَ بَعْدَمَا بَالَ أَوْ نَامَ أَوْ مَشَى لَا يَجِبُ عَلَيْهِ الْغُسْلُ اتِّفَاقًا ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ يَقْطَعُ مَادَّةَ الْمَنِيِّ الزَّائِلِ عَنْ مَكَانِهِ بِشَهْوَةٍ فَيَكُونُ الثَّانِي زَائِلًا عَنْ مَكَانِهِ بِغَيْرِ شَهْوَةٍ وَلَوْ خَرَجَ مِنْهُ بَعْدَ الْبَوْلِ وَذَكَرُهُ مُنْتَشِرٌ وَجَبَ الْغُسْلُ ، وَقَالَ الطَّحَاوِيُّ مِنْ الْمَشَايِخِ مَنْ قَالَ فِي الْمَنِيِّ الْخَارِجِ بَعْدَ سُكُونِ الشَّهْوَةِ يَجِبُ الْغُسْلُ بِالِاتِّفَاقِ ، وَإِنَّمَا الْخِلَافُ فِي الْمَنِيِّ الَّذِي يَجِدُهُ النَّائِمُ عَلَى فَخِذِهِ أَوْ فِرَاشِهِ إذَا اسْتَيْقَظَ ، وَقَالَ الْفَقِيهُ أَبُو جَعْفَرٍ إذَا وَجَدَ مَنِيًّا عَلَى فِرَاشِهِ فَهُوَ عَلَى هَذَا الْخِلَافِ أَيْضًا كَذَا فِي الْغَايَةِ وَفِي الذَّخِيرَةِ إذَا اسْتَيْقَظَ مِنْ النَّوْمِ فَوَجَدَ عَلَى فَخِذِهِ أَوْ فِرَاشِهِ بَلَلًا إنْ تَذَكَّرَ احْتِلَامًا وَتَيَقَّنَ أَنَّهُ مَنِيٌّ أَوْ مَذْيٌ أَوْ شَكَّ أَنَّهُ مَنِيٌّ أَوْ وَدْيٌ فَعَلَيْهِ الْغُسْلُ ، وَإِنْ تَيَقَّنَ أَنَّهُ وَدْيٌ فَلَا غُسْلَ عَلَيْهِ وَإِنْ لَمْ يَتَذَكَّرْ احْتِلَامًا فَإِنْ تَيَقَّنَ أَنَّهُ وَدْيٌ فَلَا غُسْلَ عَلَيْهِ ، وَإِنْ تَيَقَّنَ أَنَّهُ مَنِيٌّ فَعَلَيْهِ الْغُسْلُ ، وَإِنْ شَكَّ أَنَّهُ مَنِيٌّ أَوْ وَدْيٌ فَكَذَلِكَ عِنْدَهُمَا وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ حَتَّى يَتَذَكَّرَ الِاحْتِلَامَ ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ بَرَاءَةُ الذِّمَّةِ فَلَا يَجِبُ إلَّا بِيَقِينٍ وَهُوَ الْقِيَاسُ وَهُمَا أَخَذَا بِالِاحْتِيَاطِ ؛ لِأَنَّ النَّائِمَ غَافِلٌ ، وَالْمَنِيُّ قَدْ يَرِقُّ بِالْهَوَاءِ فَيَصِيرُ مِثْلَ الْمَذْيِ فَيَجِبُ عَلَيْهِ احْتِيَاطًا ، ثُمَّ أَبُو حَنِيفَةَ أَخَذَ بِالِاحْتِيَاطِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ وَمَسْأَلَةِ الْمُبَاشَرَةِ الْفَاحِشَةِ وَمَسْأَلَةِ الْفَأْرَةِ إذَا مَاتَتْ فِي الْبِئْرِ وَلَمْ يَدْرِ مَتَى وَقَعَتْ وَأَبُو يُوسُفَ وَافَقَهُ فِي مَسْأَلَةِ الْمُبَاشَرَةِ لِوُجُودِ فِعْلٍ مِنْ جِهَتِهِ هُوَ سَبَبٌ لِخُرُوجِ الْمَذْيِ ، وَخَالَفَهُ فِي

الْأُخْرَيَيْنِ لِعَدَمِ الصُّنْعِ مِنْهُ وَمُحَمَّدٌ وَافَقَهُ فِي الِاحْتِيَاطِ فِي مَسْأَلَةِ النَّائِمِ ؛ لِأَنَّهُ غَافِلٌ عَنْ نَفْسِهِ بِخِلَافِ الْمُبَاشِرِ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِغَافِلٍ عَنْ نَفْسِهِ فَيُحِسُّ بِمَا يَخْرُجُ مِنْهُ وَذَكَرَ هِشَامٌ فِي نَوَادِرِهِ عَنْ مُحَمَّدٍ إذَا اسْتَيْقَظَ فَوَجَدَ بَلَلًا فِي إحْلِيلِهِ ، وَلَمْ يَتَذَكَّرْ الْحِلْمَ فَإِنْ كَانَ ذَكَرُهُ قَبْلَ النَّوْمِ مُنْتَشِرًا فَلَا غُسْلَ عَلَيْهِ ، وَإِنْ كَانَ غَيْرَ مُنْتَشِرٍ فَعَلَيْهِ الْغُسْلُ وَسُئِلَ نَجْمُ الدِّينِ النَّسَفِيُّ عَمَّنْ اسْتَيْقَظَ وَهُوَ يَذْكُرُ احْتِلَامًا وَلَمْ يَرَ بَلَلًا فَمَكَثَ سَاعَةً ثُمَّ خَرَجَ مِنْهُ مَذْيٌ قَالَ لَا يَلْزَمُهُ شَيْءٌ ، فَقِيلَ لَهُ ذِكْرٌ فِي حَيْرَةِ الْفُقَهَاءِ فِيمَنْ احْتَلَمَ وَلَمْ يَرَ بَلَلًا فَتَوَضَّأَ وَصَلَّى الْفَجْرَ ثُمَّ نَزَلَ مِنْهُ مَنِيٌّ أَنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ الْغُسْلُ ثَانِيًا فَقَالَ إذَا نَزَلَ الْمَنِيُّ بَعْدَمَا اسْتَيْقَظَ فَالْغُسْلُ يَجِبُ بِالْمَنِيِّ لَا بِالِاحْتِلَامِ السَّابِقِ حَتَّى لَا يُعِيدَ الْفَجْرَ لَكِنْ بِخُرُوجِ الْمَنِيِّ الَّذِي زَالَ عَنْ مَوْضِعِهِ بِشَهْوَةٍ ، ثُمَّ خَرَجَ بَعْدَهُ بِغَيْرِ شَهْوَةٍ بِخِلَافِ الْمَذْيِ إذَا رَآهُ يَخْرُجُ لِأَنَّهُ مَذْيٌ وَلَيْسَ فِيهِ احْتِمَالُ أَنَّهُ كَانَ مَنِيًّا فَتَغَيَّرَ ؛ لِأَنَّ التَّغَيُّرَ لَا يَكُونُ فِي الْبَاطِنِ وَلَوْ غُشِيَ عَلَيْهِ أَوْ كَانَ سَكْرَانَ فَوَجَدَ عَلَى فَخِذِهِ أَوْ فِرَاشِهِ مَذْيًا لَمْ يَلْزَمْهُ الْغُسْلُ ؛ لِأَنَّهُ يُحَالُ بِهِ عَلَى هَذَا السَّبَبِ الظَّاهِرِ بِخِلَافِ النَّائِمِ وَلَوْ احْتَلَمَتْ الْمَرْأَةُ وَلَمْ يَخْرُجْ الْمَنِيُّ مِنْهَا إلَى ظَاهِرِ الْفَرْجِ إنْ وَجَدَتْ لَذَّةَ الْإِنْزَالِ فَعَلَيْهَا الْغُسْلُ ؛ لِأَنَّ مَاءَهَا يَنْزِلُ مِنْ صَدْرِهَا إلَى رَحِمِهَا بِخِلَافِ الرَّجُلِ حَيْثُ يُشْتَرَطُ الظُّهُورُ إلَى ظَاهِرِ الْفَرْجِ فِي حَقِّهِ حَقِيقَةً عَلَى مَا بَيَّنَّا ، وَلَوْ جَامَعَهَا فِيمَا دُونَ الْفَرْجِ فَدَخَلَ الْمَاءُ فَرْجَهَا لَا غُسْلَ عَلَيْهَا وَلَوْ ظَهَرَ بَعْدَهُ الْحَبَلُ وَجَبَ الْغُسْلُ عَلَيْهَا ، وَكَذَلِكَ الْبِكْرُ إذَا جُومِعَتْ وَسَبَقَ

الْمَاءُ حَتَّى حَبِلَتْ مِنْ ذَلِكَ لِأَنَّهَا لَا تَحْبَلُ إلَّا إذَا أَنْزَلَتْ ؛ لِأَنَّ الْوَلَدَ يُخْلَقُ مِنْ مَائِهِمَا قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ إنْ خَرَجَ إلَى ظَاهِرِ الْفَرْجِ يَجِبُ وَإِلَّا فَلَا ، وَهُوَ ظَاهِرُ الرِّوَايَةِ وَقَالَ الْحَلْوَانِيُّ : وَبِهِ يُؤْخَذُ لِمَا رُوِيَ أَنَّ { أُمَّ سُلَيْمٍ جَاءَتْ إلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَتْ هَلْ عَلَى الْمَرْأَةِ غُسْلٌ إذَا هِيَ احْتَلَمَتْ فَقَالَ نَعَمْ إذَا رَأَتْ الْمَاءَ } وَعَنْ { خَوْلَةَ بِنْتِ حَكِيمٍ أَنَّهَا سَأَلَتْ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ الْمَرْأَةِ تَرَى فِي مَنَامِهَا مَا يَرَى الرَّجُلُ فَقَالَ لَيْسَ عَلَيْهَا غُسْلٌ حَتَّى تُنْزِلَ كَمَا أَنَّ الرَّجُلَ لَيْسَ عَلَيْهِ غُسْلٌ حَتَّى يُنْزِلَ } ، وَجْهُ الْأَوَّلِ مَا رُوِيَ عَنْ أَنَسٍ أَنَّ { أُمَّ سُلَيْمٍ حَدَّثَتْ أَنَّهَا سَأَلَتْ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ الْمَرْأَةِ تَرَى فِي مَنَامِهَا مَا يَرَى الرَّجُلُ فَقَالَ عَلَيْهِ السَّلَامُ إذَا رَأَتْ ذَلِكَ فَلْتَغْتَسِلْ }

( قَوْلُهُ فِي الْمَتْنِ عِنْدَ مَنِيٍّ ذِي دَفْقٍ ) قَالَ الْإِمَامُ الْبَيْضَاوِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ وَمَاءٌ دَافِقٌ يَعْنِي ذَا دَفْقٍ وَهُوَ صَبٌّ فِيهِ دَفْعٌ وَعَلَى هَذَا فَكُلٌّ مِنْ الدَّفْقِ وَالشَّهْوَةِ يَسْتَلْزِمُ الْآخَرَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ ( قَوْلُهُ وَكَانَ الْمَحَلُّ ) أَيْ وَالسَّبَبُ ا هـ ( قَوْلُهُ بِالِانْفِصَالِ ) أَيْ مِنْ الظَّهْرِ ا هـ ( قَوْلُهُ وَالْخُرُوجُ ) أَيْ مِنْ الذَّكَرِ ا هـ ( قَوْلُهُ بِالنَّظَرِ إلَى الْأَوَّلِ ) أَيْ وَهُوَ الِانْفِصَالُ ا هـ ( قَوْلُهُ إذَا انْفَصَلَ الْمَنِيُّ عَنْ مَكَانِهِ بِشَهْوَةٍ ) إمَّا بِالِاحْتِلَامِ أَوْ بِنَظَرٍ إلَى امْرَأَةٍ أَوْ بِاسْتِمْنَائِهِ بِالْكَفِّ أَوْ يُجَامِعُ امْرَأَتَهُ فِي غَيْرِ الْفَرْجِ فَهَذِهِ الصُّوَرُ كُلُّهَا دَاخِلَةٌ فِي قَوْلِ الشَّارِحِ رَحِمَهُ اللَّهُ أَحَدُهُمَا إذَا انْفَصَلَ الْمَنِيُّ عَنْ مَكَانِهِ بِشَهْوَةٍ ( قَوْلُهُ عِنْدَهُمَا خِلَافًا لَهُ ) قَالَ الشَّيْخُ حَافِظُ الدِّينِ رَحِمَهُ اللَّهُ فِي كِتَابِهِ الْمُسْتَصْفَى وَيَعْمَلُ بِقَوْلِ أَبِي يُوسُفَ إذَا كَانَ فِي بَيْتِ إنْسَانٍ وَيَسْتَحْيِي مِنْ أَهْلِ الْبَيْتِ ، أَوْ خَافَ أَنْ يَقَعَ فِي قَلْبِهِمْ رِيبَةٌ بِأَنْ طَافَ حَوْلَ أَهْلِ بَيْتِهِ ا هـ ( قَوْلُهُ ثُمَّ خَرَجَ ) أَيْ قَبْلَ الْبَوْلِ أَوْ النَّوْمِ قَوْلُهُ لِأَنَّهُ اغْتَسَلَ ) أَيْ فَقَدْ وَقَعَتْ الصَّلَاةُ مَوْقِعَهَا بَعْدَ وُجُودِ شَرْطِهَا وَهُوَ الْغُسْلُ وَنُزُولُ الْمَاءِ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرٌ ثَانٍ كَمَا لَوْ جَامَعَ ثَانِيًا أَوْ تَذَكَّرَ فَأَنْزَلَ ا هـ ( قَوْلُهُ وَذَكَرُهُ مُنْتَشِرٌ وَجَبَ الْغُسْلُ ) أَيْ ؛ لِأَنَّ الِانْتِشَارَ دَلِيلُ عَدَمِ انْقِطَاعِ الْمَنِيِّ الْأَوَّلِ ا هـ يَحْيَى ( قَوْلُهُ أَوْ شَكَّ أَنَّهُ وَدْيٌ ) قَالَ ابْنُ فِرِشْتَهْ أَوْ مَذْيٌ ( قَوْلُهُ فَعَلَيْهِ الْغُسْلُ ) أَيْ لِأَنَّهُ عَنْ الِاحْتِلَامِ فَيَكُونُ مَنِيًّا ( قَوْلُهُ فَلَا غُسْلَ ) أَيْ ؛ لِأَنَّ الِانْتِشَارَ آيَةُ كَوْنِهِ عَنْ غَيْرِ الِاحْتِلَامِ فَيَكُونُ مَذْيًا ا هـ قَالَ فِي الظَّهِيرِيَّةِ وَفِي الْفَتَاوَى إذَا وُجِدَ فِي الْفِرَاشِ مَنِيٌّ وَيَقُولُ الزَّوْجُ مِنْ الْمَرْأَةِ وَهِيَ

تَقُولُ مِنْ الزَّوْجِ إنْ كَانَ أَبْيَضَ فَمِنْ الرَّجُلِ وَإِنْ كَانَ أَصْفَرَ فَمِنْ الْمَرْأَةِ ، وَقِيلَ إنْ كَانَ مُدَوَّرًا فَمِنْ الْمَرْأَةِ وَإِنْ كَانَ غَيْرَ مُدَوَّرٍ فَمِنْ الرَّجُلِ ، وَالْأَصَحُّ أَنَّهُ يَجِبُ الْغُسْلُ عَلَيْهِمَا احْتِيَاطًا لِأَمْرِ الْعِبَادَةِ وَأَخَذْنَا بِالثِّقَةِ وَيَضْرِبُ الرَّجُلُ امْرَأَتَهُ بِتَرْكِ الِاغْتِسَالِ إلَّا إذَا كَانَتْ ذِمِّيَّةً ا هـ قَالَ فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ ثُمَّ ظَاهِرُ الْمَذْكُورِ فِي الْكِتَابِ الْوُجُوبُ بِالْإِيلَاجِ فِي الصَّغِيرَةِ الَّتِي لَمْ تَبْلُغْ حَدَّ الشَّهْوَةِ وَالْمَيِّتَةِ الْآدَمِيَّةِ ، وَأَصْحَابُنَا مَنَعُوهُ إلَّا أَنْ يُنْزِلَ ا هـ ( قَوْلُهُ وَلَمْ يَخْرُجْ مِنْهَا الْمَنِيُّ ) أَيْ إلَى ظَاهِرِ الْفَرْجِ ا هـ ( قَوْلُهُ فَعَلَيْهَا الْغُسْلُ ) الصَّحِيحُ خِلَافُهُ سَيَأْتِي قَرِيبًا ا هـ ( قَوْلُهُ مِنْ صَدْرِهَا إلَى رَحِمِهَا ) أَيْ بِلَا دَفْقٍ ( قَوْلُهُ لَا غُسْلَ عَلَيْهِمَا ) أَيْ لِأَنَّ وُجُوبَ الْغُسْلِ بِخُرُوجِ الْمَنِيِّ وَالْتِقَاءِ الْخِتَانَيْنِ وَلَمْ يَتَحَقَّقْ وَاحِدٌ مِنْهُمَا ، وَالْمُتَحَقِّقُ دُخُولُ الْمَنِيِّ وَهُوَ لَا يُوجِبُ الْغُسْلَ ا هـ يَحْيَى ( قَوْله فَقَالَتْ ) أَيْ : يَا رَسُولَ اللَّهِ إنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي مِنْ الْحَقِّ ا هـ قَالَ فِي الْغَايَةِ وَالْمَرْأَةُ فِي الِاحْتِلَامِ كَالرَّجُلِ وَرُوِيَ عَنْ مُحَمَّدٍ فِي غَيْرِ رِوَايَةِ الْأُصُولِ وُجُوبُ الْغُسْلِ بِتَذَكُّرِ الْإِنْزَالِ وَاللَّذَّةِ ا هـ .

قَالَ رَحِمَهُ اللَّهُ ( وَتَوَارِي حَشَفَةٍ فِي قُبُلٍ أَوْ دُبُرٍ عَلَيْهِمَا ) أَيْ يَجِبُ الْغُسْلُ عَلَيْهِمَا عِنْدَ تَوَارِي الْحَشَفَةِ قَالَ : وَتَوَارِي حَشَفَةٍ وَلَمْ يَقُلْ الْتِقَاءُ الْخِتَانَيْنِ كَمَا قَالَهُ غَيْرُهُ ؛ لِأَنَّ الْتِقَاءَ الْخِتَانَيْنِ لَا يُتَصَوَّرُ عِنْدَ الْإِيلَاجِ فِي الدُّبُرِ وَكَذَا فِي الْقُبُلِ فِي الْحَقِيقَةِ بَلْ يَتَحَاذَيَانِ ، وَالْحَشَفَةُ مَا فَوْقَ الْخِتَانِ مِنْ رَأْسِ الذَّكَرِ وَقَوْلُهُ : عَلَيْهِمَا أَيْ عَلَى الْفَاعِلِ وَالْمَفْعُولِ بِهِ أَوْ عَلَى الرَّجُلِ وَالْمَرْأَةِ فَعَلَى هَذَا يَعُودُ إلَى الْكُلِّ أَيْ إلَى الْمَنِيِّ وَإِلَى التَّوَارِي ، وَعَلَى الْأَوَّلِ يَعُودُ إلَى التَّوَارِي لَا غَيْرُ ، وَقَالَتْ الظَّاهِرِيَّةُ لَا يَجِبُ بِالْإِيلَاجِ بِدُونِ الْإِنْزَالِ لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ { الْمَاءُ مِنْ الْمَاءِ } وَلَنَا حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ { إذَا جَلَسَ بَيْنَ شُعَبِهَا الْأَرْبَعِ ثُمَّ جَهَدَهَا فَقَدْ وَجَبَ الْغُسْلُ وَإِنْ لَمْ يُنْزِلْ } ، وَعَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا أَنَّهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ قَالَ { إذَا مَسَّ الْخِتَانُ الْخِتَانَ وَجَبَ الْغُسْلُ } ، وَعَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا أَنَّهَا { قَالَتْ إذَا جَاوَزَ الْخِتَانُ الْخِتَانَ وَجَبَ الْغُسْلُ ، وَقَالَتْ فَعَلْته أَنَا وَالنَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَاغْتَسَلْنَا } وَلِأَنَّهُ سَبَبُ الْإِنْزَالِ فَأُقِيمَ مَقَامَهُ .

( قَوْلُهُ فِي الْمَتْنِ وَتَوَارِي ) أَيْ تَغَيُّبِ ( قَوْلُهُ فِي الْمَتْنِ فِي قُبُلٍ أَوْ دُبُرٍ عَلَيْهِمَا ) قَالَ فِي الْوَافِي وَتَوَارِي حَشَفَةٍ فِي قُبُلٍ أَوْ دُبُرٍ عَلَى الْفَاعِلِ وَالْمَفْعُولِ بِهِ ( قَوْلُهُ بَلْ يَتَحَاذَيَانِ ) ؛ لِأَنَّ خِتَانَ الْمَرْأَةِ فَوْقَ رَحِمِهَا ا هـ ( قَوْلُهُ فِي الْمَتْنِ عَلَيْهِمَا ) إنْ أُرِيدَ بِهِ الْفَاعِلُ وَالْمَفْعُولُ كَانَ الْمَعْنَى فَرْضَ الْغُسْلِ عَلَى الْفَاعِلِ وَالْمَفْعُولِ بِسَبَبِ التَّوَارِي ؛ لِأَنَّ الدُّبُرَ لَيْسَ مَحَلًّا لِلْمَنِيِّ ، وَإِنَّمَا يَجِبُ الْغُسْلُ عَلَى الْمَفْعُولِ لِأَنَّ التَّوَارِيَ فِي دُبُرِهِ سَبَبٌ لِخُرُوجِ الْمَنِيِّ مِنْ ذَكَرِهِ فَخُرُوجُ الْمَنِيِّ مِنْ الْمَفْعُولِ مِنْ حَيْثُ إنَّهُ مَفْعُولٌ لَا يَكُونُ إلَّا بِسَبَبِ التَّوَارِي بِخِلَافِ قُبُلِ الرَّجُلِ وَقُبُلِ الْمَرْأَةِ فَإِنَّ كُلًّا مِنْهُمَا مَحَلٌ لِلْمَنِيِّ فَيُتَصَوَّرُ خُرُوجُهُ مِنْ كُلٍّ مِنْهُمَا بِلَا تَوَارٍ كَمَا يُتَصَوَّرُ بِالتَّوَارِي ، فَيَكُونُ كُلٌّ مِنْ الْخُرُوجِ وَالتَّوَارِي سَبَبًا لِوُجُوبِ الْغُسْلِ فِي حَقِّ كُلٍّ مِنْهُمَا ا هـ يَحْيَى ( قَوْلُهُ فَعَلَى هَذَا يَعُودُ ) أَيْ وُجُوبُ الْغُسْلِ ( قَوْلُهُ { بَيْنَ شُعَبِهَا الْأَرْبَعِ } ) الْيَدَانِ وَالرِّجْلَانِ وَقِيلَ شَفْرَيْهَا وَرِجْلَيْهَا وَقِيلَ فَخِذَيْهَا وَرِجْلَيْهَا وَهُوَ كِنَايَةٌ عَنْ الْجِمَاعِ ، وَعَنْ الْخَطَّابِيِّ الْجَهْدُ مِنْ أَسْمَاءِ النِّكَاحِ فَلَا يَكُونُ كِنَايَةً ا هـ مَنْبَعٌ ( قَوْلُهُ ثُمَّ جَهَدَهَا ) أَيْ بِالْإِيلَاجِ

قَالَ رَحِمَهُ اللَّهُ ( وَحَيْضٌ وَنِفَاسٌ ) أَيْ يَجِبُ الْغُسْلُ عِنْدَ خُرُوجِ دَمِ حَيْضٍ وَنِفَاسٍ وَخُرُوجُهُ بِوُصُولِهِ إلَى فَرْجِهَا الْخَارِجِ ، وَإِلَّا فَلَيْسَ بِخَارِجٍ فَلَا يَكُونُ حَيْضًا أَمَّا الْحَيْضُ فَلِقَوْلِهِ تَعَالَى { وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطَّهَّرْنَ } بِتَشْدِيدِ الطَّاءِ وَالْهَاءِ أَيْ يَغْتَسِلْنَ ، فَلَوْلَا أَنَّ الْغُسْلَ وَاجِبٌ لَمَا مَنَعَ مِنْ حَقِّهِ الْوَاجِبِ ، وَهُوَ الْقُرْبَانُ ، وَقَالَ فِي الْحَوَاشِي : وَالْأَصَحُّ أَنَّ الْخُرُوجَ مِنْ الْحَيْضِ هُوَ الْمُوجِبُ ؛ لِأَنَّ انْقِطَاعَ الدَّمِ شَرْطٌ لِوُجُوبِ الِاغْتِسَالِ ، وَاسْتَحَالَ أَنْ يَكُونَ انْقِطَاعُ السَّبَبِ شَرْطًا لِوُجُودِ الْمُسَبَّبِ انْتَهَى كَلَامُهُ وَهَذَا فِيهِ نَظَرٌ لِأَنَّ الْخُرُوجَ عَنْ الْحَيْضِ لَيْسَ فِيهِ إلَّا الطَّهَارَةُ وَمِنْ الْمُحَالِ أَنَّ الطَّهَارَةَ تُوجِبُ الطَّهَارَةَ ، وَإِنَّمَا تُوجِبُهَا النَّجَاسَةُ ، وَهَذَا لِأَنَّ الْحَيْضَ مُنَجِّسٌ كَسَائِرِ الْأَحْدَاثِ فَيَتَنَجَّسُ مَوْضِعُ الْخُرُوجِ فَإِذَا تَنَجَّسَ ذَلِكَ الْمَوْضِعُ تَنَجَّسَ كُلُّهُ لِمَا عُرِفَ أَنَّ الْبَدَنَ لَا يَتَجَزَّأُ فِي النَّجَاسَةِ وَالطَّهَارَةِ فَوَجَبَ تَطْهِيرُهُ مِنْهُ ، وَإِنَّمَا لَمْ تَغْتَسِلْ قَبْلَ الِانْقِطَاعِ لِعَدَمِ الْفَائِدَةِ إذْ الدَّمُ مُسْتَمِرٌّ لَا ؛ لِأَنَّ الِاغْتِسَالَ لَا يَرْفَعُ الْحَدَثَ الْمُتَقَدِّمَ ، وَقَوْلُهُ وَاسْتَحَالَ أَنْ يَكُونَ انْقِطَاعُ السَّبَبِ شَرْطًا لِوُجُوبِ الْمُسَبِّبِ مُعَارَضٌ بِسَائِرِ الْأَحْدَاثِ كَالْبَوْلِ مَثَلًا فَإِنَّ الطَّهَارَةَ فِيهِ لَا تَجِبُ مَا لَمْ يَنْقَطِعْ الْبَوْلُ لِعَدَمِ الْفَائِدَةِ ؛ لِأَنَّ الطَّهَارَةَ وَإِنْ كَانَتْ تَرْفَعُ مَا قَبْلَهَا مِنْ الْحَدَثِ يَرْفَعُهَا مَا بَعْدَهَا مِنْ الْحَدَثِ ، لَا لِأَنَّ الْبَوْلَ لَا يُوجِبُهَا وَلِأَنَّ الْحَائِضَ يَحْرُمُ عَلَيْهَا قِرَاءَةُ الْقُرْآنِ وَنَحْوُهُ ، وَلَوْ كَانَ الْمُوجِبُ هُوَ الِانْقِطَاعُ لَمَا حَرُمَ عَلَيْهَا حَتَّى يَنْقَطِعَ ، وَلِأَنَّ الْمُنَجِّسَ خُرُوجُ الدَّمِ فَوَجَبَ التَّطْهِيرُ عِنْدَهُ إذْ التَّنَجُّسُ وَوُجُوبُ التَّطْهِيرِ مِنْهُ مُتَلَازِمَانِ ، وَأَمَّا النِّفَاسُ

فَلِلْإِجْمَاعِ وَالْكَلَامُ فِيهِ كَالْكَلَامِ فِي الْحَيْضِ .( قَوْلُهُ لَمَّا مُنِعَ مِنْ حَقِّهِ الْوَاجِبِ ) ؛ لِأَنَّ بِالْمُبَاحَاتِ وَالتَّطَوُّعَاتِ لَا يُمْنَعُ أَلَا تَرَى أَنَّ لَهُ حَقَّ نَقْضِ الصَّوْمِ الْمُتَطَوِّعِ بِهِ ا هـ كَافِي ( قَوْلُهُ وَالْأَصَحُّ أَنَّ الْخُرُوجَ مِنْ الْحَيْضِ ) أَيْ وَهُوَ انْقِطَاعُهُ ا هـ ( قَوْلُهُ ؛ لِأَنَّ انْقِطَاعَ الدَّمِ إلَخْ ) يَعْنِي عَلَى قَوْلِهِ مَنْ يَقُولُ إنَّ دُرُورَ الدَّمِ هُوَ الْمُوجِبُ يَكُونُ انْقِطَاعُ الدَّمِ شَرْطًا لِوُجُوبِ الِاغْتِسَالِ ، وَحِينَئِذٍ يَلْزَمُ مِنْهُ أَنْ يَكُونَ انْقِطَاعُ السَّبَبِ شَرْطًا لِوُجُوبِ الْمُسَبِّبِ وَهُوَ مُسْتَحِيلٌ ا هـ كَاكِيٌّ ( قَوْلُهُ ، وَأَمَّا النِّفَاسُ فَلِلْإِجْمَاعِ ) قَالَ فِي الِاخْتِيَارِ وَكَذَا يَجِبُ عَلَى الْمُسْتَحَاضَةِ إنْ أَكْمَلَتْ أَيَّامَ حَيْضِهَا ؛ لِأَنَّهَا فِي أَحْكَامِ الْحَيْضِ كَالطَّاهِرَاتِ ا هـ .

قَالَ رَحِمَهُ اللَّهُ : ( لَا مَذْيٌ وَوَدْيٌ وَاحْتِلَامٌ بِلَا بَلَلٍ ) أَمَّا الِاحْتِلَامُ فَقَدْ تَقَدَّمَ حُكْمُهُ ، وَأَمَّا الْمَذْيُ { فَلِقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ لِسَهْلِ بْنِ حُنَيْفٍ إنَّمَا يُجْزِيكَ الْوُضُوءُ مِنْهُ } ، وَأَمَّا الْوَدْيُ فَلِلْإِجْمَاعِ وَمَنِيُّ الرَّجُلِ خَاثِرٌ أَبْيَضُ رَائِحَتُهُ كَرَائِحَةِ الطَّلْعِ فِيهِ لُزُوجَةٌ يَنْكَسِرُ الذَّكَرُ عِنْدَ خُرُوجِهِ ، وَمَنِيُّ الْمَرْأَةِ رَقِيقٌ أَصْفَرُ ، وَالْمَذْيُ رَقِيقٌ يَضْرِبُ إلَى الْبَيَاضِ يَمْتَدُّ ، وَخُرُوجُهُ عِنْدَ الْمُلَاعَبَةِ مَعَ أَهْلِهِ بِالشَّهْوَةِ ، وَيُقَابِلُهُ مِنْ الْمَرْأَةِ الْقَذْيُ ، وَالْوَدْيُ بَوْلٌ غَلِيظٌ فَيُعْتَبَرُ بِرَقِيقِهِ وَقِيلَ مَا يَخْرُجُ بَعْدَ الِاغْتِسَالِ مِنْ الْجِمَاعِ وَبَعْدَ الْبَوْلِ .( قَوْلُهُ فِي الْمَتْنِ لَا مَذْيٌ ) أَيْ بِالذَّالِ الْمُعْجَمَةِ ا هـ ع ( قَوْلُهُ فِي الْمَتْنِ وَوَدْيٌ ) بِسُكُونِ الدَّالِ الْمُهْمَلَةِ ا هـ ع ( قَوْلُهُ ابْنُ حُنَيْفٍ ) بِضَمِّ الْحَاءِ ( قَوْلُهُ فَلِلْإِجْمَاعِ ) أَيْ عَلَى عَدَمِ وُجُوبِ الْغُسْلِ مِنْهُ ( قَوْلُهُ وَمَنِيُّ الرَّجُلِ خَاثِرٌ ) وَالْخَاثِرُ الْغَلِيظُ ا هـ كَاكِيٌّ ( قَوْلُهُ وَيُقَابِلُهُ مِنْ الْمَرْأَةِ الْقَذْيُ ) يُقَالُ : كُلُّ ذَكَرٍ يَمْذِي وَكُلُّ أُنْثَى تَقْذِي ، وَقَذَتْ الشَّاةُ إذَا أَلْقَتْ بَيَاضًا مِنْ رَحِمِهَا انْتَهَى صِحَاحٌ

قَالَ رَحِمَهُ اللَّهُ ( وَسُنَّ لِلْجُمُعَةِ وَالْعِيدَيْنِ وَالْإِحْرَامِ وَعَرَفَةَ ) أَيْ سُنَّ الِاغْتِسَالُ لِهَذِهِ الْأَشْيَاءِ أَمَّا الْجُمُعَةُ فَقَدْ ذَهَبَ بَعْضُهُمْ إلَى وُجُوبِهِ لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ { إذَا جَاءَ أَحَدُكُمْ الْجُمُعَةَ فَلْيَغْتَسِلْ } ، وَلَنَا قَوْلُهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ { مَنْ تَوَضَّأَ لِلْجُمُعَةِ فَبِهَا وَنِعْمَتْ وَمَنْ اغْتَسَلَ فَذَلِكَ أَفْضَلُ } وَلِأَنَّهُ يَوْمُ اجْتِمَاعٍ فَيُسَنُّ فِيهِ الِاغْتِسَالُ كَيْ لَا يَتَأَذَّى بَعْضُهُمْ بِرَوَائِحِ بَعْضٍ وَمَا رَوَاهُ مَنْسُوخٌ بِهِ أَوْ مَحْمُولٌ عَلَى الِاسْتِحْبَابِ ، ثُمَّ هَذَا الِاغْتِسَالُ لِلْيَوْمِ عِنْدَ الْحَسَنِ إظْهَارًا لِفَضِيلَتِهِ عَلَى سَائِرِ الْأَيَّامِ عَلَى مَا قَالَهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ { سَيِّدُ الْأَيَّامِ يَوْمُ الْجُمُعَةِ } وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ : هُوَ لِلصَّلَاةِ وَهُوَ الْأَصَحُّ لِأَنَّهَا أَفْضَلُ مِنْ الْوَقْتِ ، وَلِأَنَّ الطَّهَارَةَ تَخْتَصُّ بِهَا ، وَثَمَرَةُ الْخِلَافِ تَظْهَرُ فِيمَنْ اغْتَسَلَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ ثُمَّ أَحْدَثَ وَتَوَضَّأَ وَصَلَّى الْجُمُعَةَ لَا يَكُونُ لَهُ فَضْلُ مَنْ اغْتَسَلَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ وَعِنْدَهُ يَكُونُ لَهُ فَضْلُهُ أَوْ اغْتَسَلَ بَعْدَ الصَّلَاةِ قَبْلَ الْغُرُوبِ ، أَوْ كَانَ مِمَّنْ لَا تَجِبُ عَلَيْهِ الْجُمُعَةُ كَأَهْلِ الْبَرِّيَّةِ وَالْمُسَافِرِ وَالْمَرْأَةِ وَالْعَبْدِ ، فَإِنَّهُ لَا يُسَنُّ الِاغْتِسَالُ فِي حَقِّهِمْ عِنْدَهُ خِلَافًا لِلْحَسَنِ وَفِي الْكَافِي لَوْ اغْتَسَلَ قَبْلَ الصُّبْحِ وَصَلَّى بِهِ الْجُمُعَةَ نَالَ فَضْلَ الْغُسْلِ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ وَعِنْدَ الْحَسَنِ ، لَا وَهُوَ مُشْكِلٌ جِدًّا لِأَنَّهُ لَا يَشْتَرِطُ وُجُودَ الِاغْتِسَالِ فِيمَا سُنَّ الِاغْتِسَالُ لِأَجْلِهِ ، وَإِنَّمَا يَشْتَرِطُ أَنْ يَكُونَ فِيهِ ، وَهُوَ مُتَطَهِّرٌ بِطَهَارَةِ الِاغْتِسَالِ أَلَا تَرَى أَنَّ أَبَا يُوسُفَ لَا يَشْتَرِطُ الِاغْتِسَالَ فِي الصَّلَاةِ ، وَإِنَّمَا يَشْتَرِطُ أَنْ يُصَلِّيَهَا بِطَهَارَةِ الِاغْتِسَالِ ، فَكَذَا يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ هُنَا مُتَطَهِّرًا بِطَهَارَتِهِ فِي سَاعَةٍ مِنْ الْيَوْمِ عِنْدَ الْحَسَنِ لَا أَنْ يُنْشِئَ

الْغُسْلَ فِيهِ ، وَأَمَّا غُسْلُ الْعِيدَيْنِ وَعَرَفَةَ فَلِحَدِيثِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عُقْبَةَ { أَنَّ النَّبِيَّ عَلَيْهِ السَّلَامُ كَانَ يَغْتَسِلُ يَوْمَ عَرَفَةَ وَيَوْمَ النَّحْرِ وَيَوْمَ الْفِطْرِ } ، وَأَمَّا الْإِحْرَامُ فَلِحَدِيثِ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ { أَنَّهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ اغْتَسَلَ لِإِهْلَالِهِ }

( قَوْلُهُ فَقَدْ ذَهَبَ بَعْضُهُمْ ) أَيْ وَهُوَ مَالِكٌ وَالظَّاهِرِيَّةُ ا هـ ( قَوْلُهُ { مَنْ تَوَضَّأَ لِلْجُمُعَةِ فَبِهَا وَنِعْمَتْ } ) أَيْ فَبِالسُّنَّةِ أَخَذَ وَنِعْمَتْ هَذِهِ الْخَصْلَةُ وَقِيلَ أَيْ بِالرُّخْصَةِ أَخَذَ وَنِعْمَتْ الْخَصْلَةُ هَذِهِ ، وَهَذَا أَوْلَى أَيْ الْأَوَّلُ لِأَنَّهُ قَالَ وَإِنْ اغْتَسَلَ فَالْغُسْلُ أَفْضَلُ فَتَبَيَّنَ أَنَّ الْوُضُوءَ سُنَّةٌ لَا رُخْصَةٌ كَذَا فِي الطِّلْبَةِ وَالضَّمِيرُ فِي بِهَا يَعُودُ إلَى غَيْرِ مَذْكُورٍ ، وَيَجُوزُ ذَلِكَ إذَا كَانَ مَشْهُورًا كَقَوْلِهِ تَعَالَى { حَتَّى تَوَارَتْ } أَيْ الشَّمْسُ ا هـ كَاكِيٌّ وَنِعْمَتْ بِتَاءٍ مَمْدُودَةٍ وَالْمُدَوَّرَةُ خَطَأٌ ، وَكَذَا الْمَدُّ مَعَ الْفَتْحِ فِي قَوْلِهِ فِيهَا وَهُوَ لِمَا وَقَعَ فِي بَعْضِ النُّسَخِ فَبَهَاءٌ وَنِعْمَةٌ حَاشِيَةُ الْهِدَايَةِ لِلدَّامَغَانِيِّ ( قَوْلُهُ وَمَا رَوَاهُ مَنْسُوخٌ ) وَالْمُرَادُ بِالنَّسْخِ نَسْخُ صِفَةِ الْوُجُوبِ دُونَ شَرْعِيَّتِهِ ا هـ كَاكِيٌّ ( قَوْلُهُ ثُمَّ هَذَا الِاغْتِسَالُ لِلْيَوْمِ ) وَنَقَلَ الْكَاكِيُّ عَنْ الْكَافِي أَنَّهُ عِنْدَ مُحَمَّدٍ لِلْيَوْمِ ا هـ ( قَوْلُهُ وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ هُوَ لِلصَّلَاةِ وَهُوَ الْأَصَحُّ ) قُلْت فِي فَتَاوَى قَاضِي خَانْ خِلَافُ هَذَا قَالَ الْغُسْلُ لِيَوْمِ الْجُمُعَةِ سُنَّةٌ لِمَا رُوِيَ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ أَنَّهُ قَالَ مِنْ السُّنَّةِ الْغُسْلُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ ، وَاخْتَلَفُوا أَنَّ الْغُسْلَ لِلصَّلَاةِ أَمْ لِلْيَوْمِ قَالَ س لِلْيَوْمِ وَاحْتَجَّ بِهَذَا الْحَدِيثِ ، وَقَالَ الشَّيْخُ الْإِمَامُ أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ الْفَضْلِ لَيْسَ الْأَمْرُ كَمَا قَالَ أَبُو يُوسُفَ وَالِاغْتِسَالُ لِلصَّلَاةِ لَا لِلْيَوْمِ لِإِجْمَاعِهِمْ عَلَى أَنَّهُ لَوْ اغْتَسَلَ بَعْدَ الصَّلَاةِ لَا يُعْتَبَرُ وَلَوْ كَانَ الِاغْتِسَالُ لِلْيَوْمِ وَجَبَ أَنْ يُعْتَبَرَ ، وَإِذَا اغْتَسَلَ بَعْدَ صَلَاةِ الْفَجْرِ ثُمَّ أَحْدَثَ وَتَوَضَّأَ وَصَلَّى لَمْ يَكُنْ صَلَاةً بِغُسْلٍ وَإِنْ لَمْ يُحْدِثْ حَتَّى صَلَّى كَانَ صَلَاةً بِغُسْلٍ ، وَقَالَ الْحَسَنُ إنْ اغْتَسَلَ قَبْلَ طُلُوعِ الْفَجْرِ وَصَلَّى بِذَلِكَ الْغُسْلِ كَانَ صَلَاةً

بِغُسْلٍ وَإِنْ أَحْدَثَ وَتَوَضَّأَ وَصَلَّى لَا يَكُونُ بِغُسْلٍ وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ إذَا اغْتَسَلَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ بَعْدَ طُلُوعِ الْفَجْرِ ثُمَّ أَحْدَثَ وَتَوَضَّأَ وَشَهِدَ الْجُمُعَةَ قَالَ س لَا يَكُونُ هَذَا كَاَلَّذِي شَهِدَ الْجُمُعَةَ عَلَى غُسْلٍ ، وَقَالَ إنْ كَانَ الْغُسْلُ لِلْيَوْمِ فَهُوَ غُسْلٌ تَامٌّ ، وَإِنْ كَانَ لِلصَّلَاةِ فَإِنَّمَا شَهِدَ الصَّلَاةَ عَلَى وُضُوءٍ وَكَذَا إذَا اغْتَسَلَ لِلْإِحْرَامِ فَبَالَ وَتَوَضَّأَ ثُمَّ أَحْرَمَ كَانَ إحْرَامُهُ عَلَى وُضُوءٍ ا هـ قُلْت قَوْلُهُ لِإِجْمَاعِهِمْ عَلَى أَنَّهُ لَوْ اغْتَسَلَ بَعْدَ الصَّلَاةِ لَا يُعْتَبَرُ ، وَقَوْلُ صَاحِبِ الْهِدَايَةِ فِي مُخْتَارَاتِ الْفَتَاوَى وَلَوْ اغْتَسَلَ بَعْدَ صَلَاةِ الْجُمُعَةِ لَا يُعْتَبَرُ بِالْإِجْمَاعِ يَرُدُّ مَا يُشِيرُ إلَيْهِ فِي شَرْحِ الْكَنْزِ لِلزَّيْلَعِيِّ أَنَّ عَلَى قَوْلِ الْحَسَنِ تَحْصُلُ السُّنَّةُ بِالْغُسْلِ قَبْلَ الْغُرُوبِ وَاَلَّذِي جَاءَتْ بِهِ السُّنَّةُ يَقْتَضِي إنْشَاءَ الْغُسْلِ فِي الْيَوْمِ وَالصَّلَاةَ بِهِ ، رَوَى الْإِمَامُ أَحْمَدُ وَالطَّبَرَانِيُّ عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { مَنْ اغْتَسَلَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَلَبِسَ مِنْ أَحْسَنِ ثِيَابِهِ وَمَسَّ طِيبًا إنْ كَانَ عِنْدَهُ ثُمَّ مَشَى إلَى الْجُمُعَةِ وَعَلَيْهِ السَّكِينَةُ وَلَمْ يَتَخَطَّ أَحَدًا وَلَمْ يُؤْذِهِ ، ثُمَّ رَكَعَ مَا قُضِيَ لَهُ بِهِ ثُمَّ يَنْتَظِرُ حَتَّى يَنْصَرِفَ الْإِمَامُ غُفِرَ لَهُ مَا بَيْنَ الْجُمُعَتَيْنِ } ، وَرَوَى الطَّبَرَانِيُّ عَنْ أَبِي أَيُّوبَ أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ { يَوْمَ الْجُمُعَةِ مَنْ اغْتَسَلَ وَمَسَّ طِيبًا إنْ كَانَ عِنْدَهُ وَلَبِسَ مِنْ أَحْسَنِ ثِيَابِهِ ثُمَّ خَرَجَ ثُمَّ يَأْتِي الْمَسْجِدَ فَلَمْ يَتَخَطَّ رِقَابَ النَّاسِ وَأَنْصَتَ إذَا خَرَجَ الْإِمَامُ فَلَمْ يَتَكَلَّمْ غُفِرَ لَهُ مَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجُمُعَةِ الَّتِي تَلِيهَا } ، وَرَوَى الطَّبَرَانِيُّ فِي الْأَوْسَطِ عَنْ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ {

مَنْ اغْتَسَلَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ غُفِرَتْ لَهُ ذُنُوبُهُ وَخَطَايَاهُ وَإِذَا أَخَذَ فِي الْمَشْيِ إلَى الْجُمُعَةِ كَانَ لَهُ بِكُلِّ خُطْوَةٍ عَمَلُ عِشْرِينَ سَنَةً } ، وَرَوَى الطَّبَرَانِيُّ وَالْبَزَّارُ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { مَنْ غَسَّلَ وَاغْتَسَلَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ ثُمَّ دَنَا حَيْثُ يَسْمَعُ خُطْبَةَ الْإِمَامِ } الْحَدِيثَ ، وَعَنْ أَبِي أُمَامَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { اغْتَسِلُوا يَوْمَ الْجُمُعَةِ فَإِنَّ مَنْ اغْتَسَلَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ فَلَهُ كَفَّارَةُ مَا بَيْنَ الْجُمُعَةِ إلَى الْجُمُعَةِ وَزِيَادَةِ ثَلَاثَة أَيَّامٍ } ا هـ مِنْ حَاشِيَةِ شَرْحِ الْمُجْمَعِ لِلْعَلَّامَةِ زَيْنِ الدِّينِ قَاسِمٍ رَحِمَهُ اللَّهُ ا هـ ( قَوْلُهُ وَإِنَّمَا يُشْتَرَطُ أَنْ يَكُونَ فِيهِ ) الْمُعْتَبَرُ عِنْدَ الْحَسَنِ وُجُودُ طَهَارَةِ الْغُسْلِ فِي الْيَوْمِ لَا إيقَاعُهَا فِيهِ ، وَقَدْ وُجِدَتْ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ فَيَنَالُ فَضْلَ الْغُسْلِ عِنْدَ الْحَسَنِ أَيْضًا ا هـ وَقَدْ يُقَالُ لَا مَانِعَ مِنْ أَنْ يَكُونَ السُّنَّةُ فِيهِ إنْشَاءَهُ فِيهِ وَلَا يَلْزَمُ مَا ذَكَرَ فِي الصَّلَاةِ لِلتَّنَافِي بَيْنَ الْغُسْلِ وَالصَّلَاةِ فَلَا يُمْكِنُ إنْشَاؤُهُ فِيهَا ، وَجَمِيعُ مَا رُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَدُلُّ عَلَى إنْشَائِهِ فِي الْيَوْمِ إذْ أَلْفَاظُهُ { مَنْ اغْتَسَلَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ } { اغْتَسِلُوا يَوْمَ الْجُمُعَةِ } { غُسْلُ يَوْمِ الْجُمُعَةِ } { لَوْ أَنَّكُمْ تَطَهَّرْتُمْ لِيَوْمِكُمْ هَذَا } { مَنْ رَاحَ إلَى الْجُمُعَةِ } { مَنْ أَتَى الْجُمُعَةَ } ا هـ .

قَالَ رَحِمَهُ اللَّهُ ( وَوَجَبَ لِلْمَيِّتِ وَلِمَنْ أَسْلَمَ جُنُبًا ) أَيْ الْغُسْلُ وَجَبَ فِي هَذَيْنِ الْمَوْضِعَيْنِ أَمَّا غُسْلُ الْمَيِّتِ فَلِقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ { لِلْمُسْلِمِ عَلَى الْمُسْلِمِ سِتَّةُ حُقُوقٍ وَذَكَرَ مِنْهَا الْغُسْلُ بَعْدَ مَوْتِهِ } وَتَأْتِي كَيْفِيَّةُ غُسْلِهِ فِي مَوْضِعِهِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى ، وَأَمَّا إذَا أَسْلَمَ الْكَافِرُ جُنُبًا فَفِيهِ رِوَايَتَانِ فِي رِوَايَةٍ لَا يَجِبُ لِأَنَّهُ لَيْسَ مُخَاطَبًا بِالشَّرَائِعِ فَصَارَ كَالْكَافِرَةِ إذَا حَاضَتْ وَطَهُرَتْ ثُمَّ أَسْلَمَتْ ، وَفِي رِوَايَةٍ يَجِبُ عَلَيْهِ لِأَنَّ وُجُوبَ الْغُسْلِ بِإِرَادَةِ الصَّلَاةِ ، وَهُوَ عِنْدَهَا مُخَاطَبٌ فَصَارَ كَالْوُضُوءِ ، وَهَذَا لِأَنَّ صِفَةَ الْجَنَابَةِ مُسْتَدَامَةٌ بَعْدَ إسْلَامِهِ فَدَوَامُهَا بَعْدَهُ كَإِنْشَائِهَا فَيَجِبُ الْغُسْلُ ، قَالَ رَحِمَهُ اللَّهُ ( وَإِلَّا نُدِبَ ) أَيْ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ الْكَافِرُ الَّذِي أَسْلَمَ جُنُبًا نُدِبَ ؛ لِأَنَّهُ { عَلَيْهِ السَّلَامُ أَمَرَ قَيْسَ بْنَ عَاصِمٍ وَثُمَامَةَ بِذَلِكَ حِينَ أَسْلَمَا } وَحُمِلَ ذَلِكَ عَلَى النَّدْبِ فَصَارَ أَنْوَاعُ الْغُسْلِ أَرْبَعَةً فَرْضٌ وَسُنَّةٌ وَوَاجِبٌ وَمَنْدُوبٌ ، وَقَدْ تَقَدَّمَ وَمِنْ الْمَنْدُوبِ الِاغْتِسَالُ لِدُخُولِ مَكَّةَ وَالْوُقُوفِ بِالْمُزْدَلِفَةِ وَدُخُولِ مَدِينَةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالْمَجْنُونُ إذَا أَفَاقَ وَالصَّبِيُّ إذَا بَلَغَ بِالسِّنِّ ذَكَرَهُ فِي الْغَايَةِ

( قَوْلُهُ فِي الْمَتْنِ وَوَجَبَ لِلْمَيِّتِ ) أَيْ لِأَجْلِهِ وَجَبَ فِعْلُهُ عَلَى الْحَيِّ ا هـ ع ( قَوْلُهُ فِي الْمَتْنِ وَلِمَنْ أَسْلَمَ ) وَكَانَ الْأَوْلَى أَنْ يُقَالَ وَعَلَى مَنْ أَسْلَمَ ؛ لِأَنَّ الْغُسْلَ إنَّمَا يَجِبُ عَلَى الْكَافِرِ الَّذِي أَسْلَمَ ، وَفِعْلُهُ أَيْضًا يَجِبُ عَلَيْهِ بِخِلَافِ الْمَيِّتِ فَإِنَّهُ لَيْسَ بِأَهْلٍ ؛ لَأَنْ يَجِبَ عَلَيْهِ شَيْءٌ ، وَإِنَّمَا يَجِبُ عَلَى الْحَيِّ إقَامَةُ الْغُسْلِ فِي حَقِّهِ فَنَاسَبَ أَنْ يُذْكَرَ فِيهِ اللَّامُ دُونَ مَا عُطِفَ عَلَيْهِ فَافْهَمْ ا هـ عَيْنِيٌّ ( قَوْلُهُ وَفِي رِوَايَةٍ يَجِبُ عَلَيْهِ ) أَيْ وَهُوَ ظَاهِرُ الرِّوَايَةِ قَالَ أُسْتَاذُنَا فَخْرُ الْأَئِمَّةِ الْبَدِيعُ وَقَوْلُ مَنْ قَالَ لَا يَجِبُ ؛ لِأَنَّ الْكُفَّارَ لَا يُخَاطَبُونَ بِالشَّرَائِعِ غَيْرُ سَدِيدٍ فَإِنَّ سَبَبَ الْغُسْلِ إرَادَةُ الصَّلَاةِ وَزَمَانَ إرَادَتِهَا مُسْلِمٌ وَلِأَنَّ صِفَةَ الْجَنَابَةِ مُسْتَدَامَةٌ بَعْدَ الْإِسْلَامِ فَيُعْطَى لَهَا حُكْمُ الْإِنْشَاءِ حَتَّى لَوْ انْقَطَعَ دَمُ الْكَافِرَةِ ثُمَّ أَسْلَمَتْ لَا غُسْلَ عَلَيْهَا لِتَعَذُّرِ اسْتِدَامَةِ الِانْقِطَاعِ ا هـ زَاهِدِيٌّ فَلِذَا لَوْ أَسْلَمَتْ حَائِضًا ثُمَّ طَهُرَتْ وَجَبَ عَلَيْهَا الْغُسْلُ ا هـ كَمَالٌ ( قَوْلُهُ فَيَجِبُ الْغُسْلُ ) يَنْبَغِي أَنْ يَقُولَ فَيُفْرَضُ الْغُسْلُ ؛ لِأَنَّ قَوْله تَعَالَى { وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا } شَامِلٌ لَهُ لَا مَحَالَةَ ا هـ ( قَوْلُهُ وَالصَّبِيُّ إذَا بَلَغَ بِالسِّنِّ ) ، وَأَمَّا إذَا بَلَغَ بِالْإِنْزَالِ فَالصَّحِيحُ وُجُوبُ الِاغْتِسَالِ ؛ لِأَنَّ سَبَبَهُ الصَّلَاةُ أَوْ إرَادَتُهَا فَيَكُونُ انْعِقَادُ السَّبَبِ بَعْدَ ثُبُوتِ الْأَهْلِيَّةِ وَصِفَةُ الْجَنَابَةِ بَاقِيَةٌ بِدَلِيلِ بَقَاءِ الْحَدَثِ الْأَصْغَرِ إجْمَاعًا ا هـ .

قَالَ رَحِمَهُ اللَّهُ ( وَيَتَوَضَّأُ بِمَاءِ السَّمَاءِ وَالْعَيْنِ وَالْبَحْرِ ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى { وَأَنْزَلْنَا مِنْ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا } وَقَوْلُهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ فِي الْبَحْرِ { هُوَ الطَّهُورُ مَاؤُهُ الْحِلُّ مَيْتَتُهُ } وَقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ { خُلِقَ الْمَاءُ طَهُورًا } ، وَلَوْ قَالَ يَتَطَهَّرُ بِمَاءِ السَّمَاءِ مَكَانَ قَوْلِهِ يَتَوَضَّأُ كَانَ أَوْلَى حَتَّى يَشْمَلَ الِاغْتِسَالَ مِنْ الْجَنَابَةِ وَغَيْرَهُ ، وَلَكِنْ إذَا عُرِفَ الْحُكْمُ فِي الْوُضُوءِ عُرِفَ فِي غَيْرِهِ فَلَا يَضُرُّهُ ، وَكَذَا تَجُوزُ الطَّهَارَةُ بِمَا ذَابَ مِنْ الثَّلْجِ وَالْبَرَدِ وَلَا تَجُوزُ بِمَاءِ الْمِلْحِ وَهُوَ يَجْمُدُ فِي الصَّيْفِ وَيَذُوبُ فِي الشِّتَاءِ عَكْسُ الْمَاءِ ، وَلَا يُقَالُ قَدْ جُعِلَ مَاءُ الْعَيْنِ قَسِيمًا لِمَاءِ السَّمَاءِ ، وَكَذَا الْبَحْرُ جَعَلَهُ قَسِيمًا لَهُ ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ بَلْ الْجَمِيعُ مَاءُ السَّمَاءِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى { أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنْ السَّمَاءِ مَاءً فَسَلَكَهُ يَنَابِيعَ فِي الْأَرْضِ } لِأَنَّا نَقُولُ إنَّمَا قَسَمَهَا بِاعْتِبَارِ مَا يُشَاهَدُ عَادَةً ، وَمِثْلُ هَذَا لَا يُنْكَرُ قَالَ رَحِمَهُ اللَّهُ ( وَإِنْ غَيَّرَ طَاهِرٌ أَحَدَ أَوْصَافِهِ أَوْ أَنْتَنَ بِالْمُكْثِ ) يَعْنِي يَجُوزُ الْوُضُوءُ بِمَا ذَكَرَ مِنْ الْمِيَاهِ وَإِنْ غَيَّرَ شَيْءٌ طَاهِرٌ أَحَدَ أَوْصَافِهِ لِإِطْلَاقِ اسْمِ الْمَاءِ عَلَيْهِ قَالَ رَحِمَهُ اللَّهُ ( لَا بِمَاءٍ تَغَيَّرَ بِكَثْرَةِ الْأَوْرَاقِ ) أَيْ لَا يَجُوزُ الْوُضُوءُ بِهِ لِأَنَّهُ زَالَ عَنْهُ اسْمُ الْمَاءِ هَكَذَا رُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ إبْرَاهِيمَ أَنَّ الْمَاءَ الْمُتَغَيِّرَ بِكَثْرَةِ الْأَوْرَاقِ إنْ ظَهَرَ لَوْنُهَا فِي الْكَفِّ لَا يُتَوَضَّأُ بِهِ ، لَكِنْ يُشْرَبُ وَتُزَالُ بِهِ النَّجَاسَةُ لِكَوْنِهِ مُقَيَّدًا وَفِيهِ نَظَرٌ عَلَى مَا يَأْتِي بَيَانُهُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى قَالَ رَحِمَهُ اللَّهُ ( أَوْ بِالطَّبْخِ ) يَعْنِي مَا تَغَيَّرَ بِالطَّبْخِ لَا يَجُوزُ الْوُضُوءُ بِهِ لِزَوَالِ اسْمِ الْمَاءِ عَنْهُ وَهُوَ الْمُعْتَبَرُ فِي الْبَابِ ؛ لِأَنَّ الْحُكْمَ مَنْقُولٌ إلَى التَّيَمُّمِ

عِنْدَ فَقْدِ الْمَاءِ الْمُطْلَقِ بِلَا وَاسِطَةٍ بَيْنَهُمَا قَالَ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى ( أَوْ اعْتَصَرَ مِنْ شَجَرٍ أَوْ ثَمَرٍ ) أَيْ أَوْ بِمَاءٍ اعْتَصَرَ مِنْهُمَا لِأَنَّهُ لَيْسَ بِمَاءٍ مُطْلَقٍ قَالَ رَحِمَهُ اللَّهُ ( أَوْ غَلَبَ عَلَيْهِ غَيْرُهُ أَجْزَاءً ) أَيْ أَوْ بِمَا غَلَبَ عَلَيْهِ غَيْرُهُ مِنْ الطَّاهِرَاتِ بِالْأَجْزَاءِ ؛ لِأَنَّ الْحُكْمَ لِلْغَالِبِ اعْلَمْ أَنَّ عِبَارَاتِ أَصْحَابِنَا مُخْتَلِفَةٌ فِي هَذَا الْبَابِ مَعَ اتِّفَاقِهِمْ أَنَّ الْمَاءَ الْمُطْلَقَ يَجُوزُ الْوُضُوءُ بِهِ ، وَمَا لَيْسَ بِمُطْلَقٍ لَا يَجُوزُ فَعَنْ أَبِي يُوسُفَ مَاءُ الصَّابُونِ إذَا كَانَ ثَخِينًا قَدْ غَلَبَ عَلَى الْمَاءِ لَا يَتَوَضَّأُ بِهِ ، وَإِنْ كَانَ رَقِيقًا يَجُوزُ وَكَذَا مَاءُ الْأُشْنَانِ ، ذَكَرَهُ فِي الْغَايَةِ وَفِيهِ إذَا كَانَ الطِّينُ غَالِبًا عَلَيْهِ لَا يَجُوزُ الْوُضُوءُ بِهِ وَفِي الْفَتَاوَى الظَّهِيرِيَّةِ إذَا طُرُحَ الزَّاجُ فِي الْمَاءِ حَتَّى اسْوَدَّ جَازَ الْوُضُوءُ بِهِ ، وَكَذَا الْعَفْصُ إذَا كَانَ الْمَاءُ غَالِبًا ، وَفِيهِ أَنَّ مُحَمَّدًا اعْتَبَرَ بِلَوْنِ الْمَاءِ وَأَبَا يُوسُفَ بِالْأَجْزَاءِ وَفِي الْمُحِيطِ عَكْسُهُ وَفِي الْهِدَايَةِ الْغَلَبَةُ بِالْأَجْزَاءِ لَا بِتَغَيُّرِ اللَّوْنِ وَذَكَرَ الْإِسْبِيجَابِيُّ أَنَّ الْغَلَبَةَ تُعْتَبَرُ أَوَّلًا مِنْ حَيْثُ اللَّوْنُ ، ثُمَّ مِنْ حَيْثُ الطَّعْمُ ثُمَّ مِنْ حَيْثُ الْأَجْزَاءُ ، وَفِي الْيَنَابِيعِ لَوْ نَقَعَ الْحِمَّصَ وَالْبَاقِلَاءَ وَتَغَيَّرَ لَوْنُهُ وَطَعْمُهُ وَرِيحُهُ يَجُوزُ الْوُضُوءُ بِهِ ، وَأَشَارَ الْقُدُورِيُّ إلَى أَنَّهُ إذَا غَيَّرَ وَصْفَيْنِ لَا يَجُوزُ الْوُضُوءُ بِهِ ، وَهَكَذَا جَاءَ الِاخْتِلَافُ فِي هَذَا الْبَابِ كَمَا تَرَى فَلَا بُدَّ مِنْ ضَابِطٍ وَتَوْفِيقٍ بَيْنَ الرِّوَايَاتِ فَنَقُولُ : إنَّ الْمَاءَ إذَا بَقِيَ عَلَى أَصْلِ خِلْقَتِهِ ، وَلَمْ يَزُلْ عَنْهُ اسْمُ الْمَاءِ جَازَ الْوُضُوءُ بِهِ ، وَإِنْ زَالَ وَصَارَ مُقَيَّدًا لَمْ يَجُزْ وَالتَّقْيِيدُ بِأَحَدِ أَمْرَيْنِ إمَّا بِكَمَالِ الِامْتِزَاجِ أَوْ بِغَلَبَةِ الْمُمْتَزِجِ فَكَمَالُ الِامْتِزَاجِ بِأَحَدِ أَمْرَيْنِ إمَّا بِالطَّبْخِ بَعْدَ خَلْطِهِ

بِشَيْءٍ طَاهِرٍ لَا تُقْصَدُ بِهِ الْمُبَالَغَةُ فِي التَّنْظِيفِ أَوْ بِتَشَرُّبِ النَّبَاتِ الْمَاءَ بِحَيْثُ لَا يَخْرُجُ مِنْهُ إلَّا بِعِلَاجٍ ، وَإِنْ كَانَ يَخْرُجُ مِنْهُ مِنْ غَيْرِ عِلَاجٍ لَمْ يَكْمُلْ امْتِزَاجُهُ فَجَازَ الْوُضُوءُ بِهِ كَالْمَاءِ الَّذِي يَقْطُرُ مِنْ الْكَرْمِ ، وَغَلَبَةُ الْمُمْتَزِجِ تَكُونُ بِالِاخْتِلَاطِ مِنْ غَيْرِ طَبْخٍ وَلَا بِتَشَرُّبِ نَبَاتٍ ، ثُمَّ هَذَا الْمُخَالِطُ لَا يَخْلُو إمَّا أَنْ يَكُونَ جَامِدًا أَوْ مَائِعًا فَإِنْ كَانَ جَامِدًا فَمَا دَامَ يَجْرِي عَلَى الْأَعْضَاءِ فَالْمَاءُ هُوَ الْغَالِبُ ، وَإِنْ كَانَ مَائِعًا فَلَا يَخْلُو إمَّا أَنْ يَكُونَ مُخَالِفًا لِلْمَاءِ فِي الْأَوْصَافِ كُلِّهَا مِنْ اللَّوْنِ وَالطَّعْمِ وَالرَّائِحَةِ أَوْ فِي بَعْضِهَا أَوْ لَا يَكُونَ ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ مُخَالِفًا لَهُ فِي شَيْءٍ مِنْهَا كَالْمَاءِ الْمُسْتَعْمَلِ عَلَى قَوْلِ مَنْ يَقُولُ إنَّهُ طَاهِرٌ عَلَى مَا هُوَ الصَّحِيحُ وَغَيْرِهِ مِنْ الْمَائِعَاتِ الَّتِي لَا تُخَالِفُ الْمَاءَ فِي الْوَصْفِ تُعْتَبَرُ بِالْأَجْزَاءِ ، وَإِنْ كَانَ مُخَالِفًا لَهُ فِيهَا فَإِنْ غَيَّرَ الثَّلَاثَ أَوْ أَكْثَرَهَا لَا يَجُوزُ الْوُضُوءُ بِهِ ، وَإِلَّا جَازَ وَإِنْ خَالَفَهُ فِي وَصْفٍ وَاحِدٍ أَوْ فِي وَصْفَيْنِ تُعْتَبَرُ الْغَلَبَةُ مِنْ ذَلِكَ الْوَجْهِ كَاللَّبَنِ مَثَلًا يُخَالِفُهُ فِي اللَّوْنِ وَالطَّعْمِ فَإِنْ كَانَ لَوْنُ اللَّبَنِ أَوْ طَعْمُهُ هُوَ الْغَالِبُ فِيهِ لَمْ يَجُزْ الْوُضُوءُ بِهِ ، وَإِلَّا جَازَ وَكَذَا مَاءُ الْبِطِّيخِ يُخَالِفُهُ فِي الطَّعْمِ فَتُعْتَبَرُ الْغَلَبَةُ فِيهِ بِالطَّعْمِ ، فَعَلَى هَذَا يَنْبَغِي أَنْ يُحْمَلَ مَا جَاءَ مِنْهُمْ عَلَى مَا يَلِيقُ بِهِ فَيُحْمَلُ قَوْلُ مَنْ قَالَ إنْ كَانَ رَقِيقًا يَجُوزُ الْوُضُوءُ بِهِ وَإِلَّا فَلَا عَلَى مَا إذَا كَانَ الْمُخَالِطُ لَهُ جَامِدًا ، وَيُحْمَلُ قَوْلُ مَنْ قَالَ إنْ غَيَّرَ أَحَدَ أَوْصَافِهِ جَازَ الْوُضُوءُ بِهِ عَلَى مَا إذَا كَانَ الْمُخَالِطُ لَهُ يُخَالِفُهُ فِي الْأَوْصَافِ الثَّلَاثَةِ ، وَيُحْمَلُ قَوْلُ مَنْ قَالَ إذَا غَيَّرَ أَحَدَ أَوْصَافِهِ لَا يَجُوزُ الْوُضُوءُ بِهِ عَلَى مَا إذَا كَانَ يُخَالِفُهُ فِي

وَصْفٍ وَاحِدٍ أَوْ وَصْفَيْنِ ، وَيُحْمَلُ قَوْلُ مَنْ اعْتَبَرَ بِالْأَجْزَاءِ عَلَى مَا إذَا كَانَ الْمُخَالِطُ لَا يُخَالِفُهُ فِي شَيْءٍ مِنْ الصِّفَاتِ فَإِذَا نَظَرْت وَتَأَمَّلْت وَجَدْت مَا قَالَهُ الْأَصْحَابُ لَا يَخْرُجُ عَنْ هَذَا ، وَوَجَدْت بَعْضَهَا مُصَرَّحًا بِهِ وَبَعْضَهَا مُشَارًا إلَيْهِ وَقَالَ الشَّافِعِيُّ إذَا تَغَيَّرَ بِمَا يُمْكِنُ الِاحْتِرَازُ عَنْهُ لَا يَجُوزُ الْوُضُوءُ بِهِ لِأَنَّهُ مَاءٌ مُقَيَّدٌ أَلَا تَرَى أَنَّهُ يُقَالُ مَاءُ الزَّعْفَرَانِ وَنَحْوُهُ ، وَلَنَا قَوْلُهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ { اغْسِلُوهُ بِمَاءٍ وَسِدْرٍ } قَالَهُ لِمُحْرِمٍ وَقَصَتْهُ نَاقَتُهُ فَمَاتَ ، وَعَنْ { أُمِّ هَانِئٍ بِنْتِ أَبِي طَالِبٍ أَنَّهَا دَخَلَتْ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ وَهُوَ يَغْتَسِلُ مِنْ قَصْعَةٍ فِيهَا أَثَرُ الْعَجِينِ } الْحَدِيثَ { وَأَمَرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَيْسَ بْنَ عَاصِمٍ حِينَ أَسْلَمَ أَنْ يَغْتَسِلَ بِمَاءٍ وَسِدْرٍ } فَلَوْلَا أَنَّهُ طَهُورٌ لَمَا أَمَرَهُ أَنْ يَغْتَسِلَ بِذَلِكَ ؛ لِأَنَّ غُسْلَ الْمَيِّتِ لَا يَجُوزُ إلَّا بِمَا يَجُوزُ بِهِ الْوُضُوءُ ، وَلَمَا { اغْتَسَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِمَاءٍ فِيهِ أَثَرُ الْعَجِينِ } وَعَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا { أَنَّهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ كَانَ يَغْتَسِلُ وَيَغْسِلُ رَأْسَهُ بِالْخِطْمِيِّ وَهُوَ جُنُبٌ وَيُجْتَزَى بِذَلِكَ وَلَا يَصُبُّ عَلَيْهِ الْمَاءَ } ، كَذَا ذَكَرَهُ فِي الْغَايَةِ وَإِضَافَتُهُ إلَى الزَّعْفَرَانِ وَنَحْوِهِ لِلتَّعْرِيفِ كَإِضَافَتِهِ إلَى الْبِئْرِ بِخِلَافِ مَاءِ الْبِطِّيخِ وَنَحْوِهِ حَيْثُ تَكُونُ إضَافَتُهُ لِلتَّقْيِيدِ ، وَلِهَذَا يُنْفَى اسْمُ الْمَاءِ عَنْهُ وَلَا يَجُوزُ نَفْيُهُ عَنْ الْأَوَّلِ .

( قَوْلُهُ فِي الْمَتْنِ وَيَتَوَضَّأُ ) أَيْ مُرِيدُ الصَّلَاةِ ا هـ عَيْنِيٌّ وَلَمَّا فَرَغَ عَنْ بَيَانِ الطَّهَارَتَيْنِ شَرَعَ فِي بَيَانِ آلَةِ التَّطْهِيرِ ، وَهِيَ الْمِيَاهُ بِأَقْسَامِهَا ا هـ ع ( قَوْلُهُ مَكَانَ قَوْلِهِ يَتَوَضَّأُ كَانَ أَوْلَى ) أَقُولُ التَّوَضُّؤُ بِمَعْنَى التَّطْهِيرِ ا هـ يَحْيَى ( قَوْلُهُ فِي الْمَتْنِ وَإِنْ غَيَّرَ طَاهِرٌ أَحَدَ أَوْصَافِهِ ) أَوْ جَمِيعَ أَوْصَافِهِ إذَا بَقِيَ عَلَى أَصْلِ خِلْقَتِهِ ا هـ إنَّمَا يَجُوزُ الْوُضُوءُ بِالْمَاءِ الْمُطْلَقِ وَهُوَ مَا بَقِيَ عَلَى أَصْلِ خِلْقَتِهِ مِنْ الرِّقَّةِ وَالسَّيَلَانِ فَلَوْ اخْتَلَطَ بِهِ طَاهِرٌ أَوْجَبَ غِلَظَهُ صَارَ مُقَيَّدًا فَلَا يَجُوزُ الْوُضُوءُ بِهِ لَكِنْ يَجُوزُ إزَالَةُ النَّجَاسَةِ الْحَقِيقِيَّةِ بِهِ كَالْمَاءِ الْمُسْتَعْمَلِ عَلَى الصَّحِيحِ ، وَأَمَّا الْمُطْلَقُ طَاهِرٌ أَيْ فِي نَفْسِهِ طَهُورٌ أَيْ مُطَهِّرٌ لِلنَّجَاسَةِ الْحُكْمِيَّةِ وَالْمُقَيَّدُ طَاهِرٌ لَا طَهُورٌ ا هـ يَحْيَى ، وَكَتَبَ قَوْلَهُ وَإِنْ غَيَّرَ طَاهِرٌ مَا نَصُّهُ سَوَاءٌ كَانَ مِنْ جِنْسِ الْأَرْضِ أَمْ لَا كَالطِّينِ وَالزَّعْفَرَانِ ا هـ ( قَوْلُهُ يَعْنِي مَا يَتَغَيَّرُ بِالطَّبْخِ ) كَالْبَاقِلَاءِ وَالْمَرَقِ أَعْنِي بِالتَّغَيُّرِ بِالطَّبْخِ الثَّخَانَةَ وَالْغِلَظَ حَتَّى إذَا طُبِخَ وَلَمْ يَثْخُنْ بَعْدُ وَرِقَّةُ الْمَاءِ فِيهِ بَاقِيَةٌ جَازَ الْوُضُوءُ بِهِ ذَكَرَهُ النَّاطِفِيُّ وَفِي فَتَاوَى قَاضِي خَانْ كَاكِيٌّ هَذَا إذَا لَمْ يَكُنْ الْمَقْصُودُ بِالطَّبْخِ الْمُبَالَغَةَ فِي التَّنْظِيفِ فَإِنْ كَانَ الْمَقْصُودُ الْمُبَالَغَةَ فِي التَّنْظِيفِ كَمَا إذَا طُبِخَ بِالْأُشْنَانِ وَالصَّابُونِ يَجُوزُ الْوُضُوءُ بِهِ إلَّا أَنْ يَغْلِبَ عَلَى الْمَاءِ فَيَصِيرُ كَالسَّوِيقِ الْمَخْلُوطِ لِزَوَالِ الِاسْمِ عَنْهُ ، قَالَ فِي الْمُسْتَصْفَى فَإِنْ قِيلَ يَنْبَغِي أَنْ لَا يَجُوزَ بِهِ الْوُضُوءُ إذَا غَيَّرَ أَحَدُ أَوْصَافِهِ لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ إلَّا مَا غَيَّرَ لَوْنَهُ أَوْ طَعْمَهُ أَوْ رَائِحَتَهُ قِيلَ مَعْنَاهُ إلَّا مَا غَيَّرَ وَالْمُغَيِّرُ نَجِسٌ فَيَكُونُ الْمَعْنَى لَا يُنَجِّسُهُ شَيْءٌ إلَّا

مُغَيِّرٌ نَجِسٌ ؛ لِأَنَّ النَّصَّ عِنْدَنَا وَرَدَ فِي الْمَاءِ الْجَارِي وَالْحُكْمُ فِيهِ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ اسْتِعْمَالُهُ حَيْثُ تُرَى فِيهِ النَّجَاسَةُ أَوْ يُوجَدُ طَعْمُهَا أَوْ رِيحُهَا فَإِنَّ هَذِهِ الْمَعَانِيَ تَدُلُّ عَلَى قِيَامِ النَّجَاسَةِ وَالْمَاءِ وَإِنْ لَمْ يَنْجُسْ بِالنَّجَاسَةِ فَالنَّجَاسَةُ بِعَيْنِهَا لَا تَطْهُرُ بِالْمَاءِ إلَّا أَنْ يَتَلَاشَى فَيَسْقُطُ حُكْمُهَا دَفْعًا لِلْحَرَجِ ، كَذَا أَشَارَ فَخْرُ الْإِسْلَامِ ا هـ ( قَوْلُهُ فِي الْمَتْنِ أَوْ اعْتَصَرَ مِنْ شَجَرٍ أَوْ ثَمَرٍ ) قَالَ فِي الْمُسْتَصْفَى وَالْأَشْرِبَةُ الْمُتَّخَذَةُ مِنْ الشَّجَرِ كَشَرَابِ الرِّيبَاسِ وَمِنْ الثَّمَرِ كَالرُّمَّانِ وَالْعِنَبِ ا هـ ( قَوْلُهُ أَوْ بِمَا غَلَبَ عَلَيْهِ غَيْرُهُ مِنْ الطَّاهِرَاتِ ) بِأَنْ تَغَيَّرَ عَنْ أَصْلِ خِلْقَتِهِ لَا بِاللَّوْنِ ا هـ قَالَ فِي فَتَاوَى قَاضِي خَانْ التَّوَضُّؤُ بِمَاءِ الزَّعْفَرَانِ أَوْ زَرْدَجِ الْعُصْفُرِ يَجُوزُ إذَا كَانَ رَقِيقًا وَالْمَاءُ غَالِبٌ ، وَإِنْ غَلَبَهُ الْحُمْرَةُ وَصَارَ مُتَمَاسِكًا لَا يَجُوزُ بِهِ التَّوَضُّؤُ ، ثُمَّ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ تُعْتَبَرُ الْغَلَبَةُ مِنْ حَيْثُ الْأَجْزَاءُ لَا مِنْ حَيْثُ اللَّوْنُ هُوَ الصَّحِيحُ ، وَعَلَى قَوْلِ مُحَمَّدٍ تُعْتَبَرُ الْغَلَبَةُ بِتَغَيُّرِ اللَّوْنِ وَالطَّعْمِ وَالرِّيحِ ، وَقَالَ أَيْضًا قَاضِي خَانْ وَلَا بِمَاءِ الْوَرْدِ وَالزَّعْفَرَانِ وَلَا بِمَاءِ الصَّابُونِ وَالْحُرْضِ إذَا ذَهَبَتْ رِقَّتُهُ وَصَارَ ثَخِينًا فَإِنْ بَقِيَتْ رِقَّتُهُ وَلَطَافَتُهُ جَازَ التَّوَضُّؤُ بِهِ ، وَفِي الْقُنْيَةِ وَتُكْرَهُ الطَّهَارَةُ بِالْمَاءِ الْمُشَمَّسِ { لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ لِعَائِشَةَ حِينَ سَخَّنَتْ الْمَاءَ بِهَا لَا تَفْعَلِي يَا حُمَيْرَاءُ فَإِنَّهُ يُوَرِّثُ الْبَرَصَ } وَعَنْ عُمَرَ مِثْلُهُ وَفِي رِوَايَةٍ لَا يُكْرَهُ ، وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ وَأَحْمَدُ وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ يُكْرَهُ إنْ قَصَدَ لِتَشْمِيسِهِ وَفِي الْغَايَةِ : وَكُرِهَ بِالْمُشَمَّسِ فِي قُطْرٍ حَارٍّ فِي أَوَانٍ مُنْطَبِعَةٍ وَاعْتِبَارُ الْقَصْدِ ضَعِيفٌ لِأَنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ لَمَّا أَشَارَ إلَى

الْعِلَّةِ الطِّبِّيَّةِ كَانَ اعْتِبَارُ الْقَصْدِ وَعَدَمُهُ غَيْرُ مُؤَثِّرٍ ا هـ كَاكِيٌّ ( قَوْلُهُ وَأَبَا يُوسُفَ بِالْأَجْزَاءِ ) قَالَ فِي الْمَنْبَعِ الْمُرَادُ بِغَلَبَةِ الْأَجْزَاءِ أَنْ يُخْرِجَهُ الطَّاهِرُ عَنْ صِفَتِهِ الْأَصْلِيَّةِ بِأَنْ يَثْخُنَ لَا أَنْ يَكُونَ الْغَلَبَةُ بِاعْتِبَارِ الْوَزْنِ فَاعْتُبِرَ ا هـ وَذَكَرَ الْإِمَامُ الْإِسْبِيجَابِيُّ أَنَّ الْمَاءَ إنْ اخْتَلَطَ بِهِ طَاهِرٌ فَإِنْ غَيَّرَ لَوْنَهُ فَالْعِبْرَةُ لِلَّوْنِ فَإِنْ كَانَ الْغَالِبُ لَوْنَ الْمَاءِ جَازَ الْوُضُوءُ بِهِ وَإِلَّا فَلَا ، وَذَلِكَ مِثْلُ اللَّبَنِ وَالْخَلِّ وَالزَّعْفَرَانِ يَخْتَلِطُ بِالْمَاءِ وَأَنْ يُغَيِّرَ لَوْنَهُ بَلْ طَعْمَهُ فَالْعِبْرَةُ لِلطَّعْمِ فَإِنْ غَلَبَ طَعْمُهُ طَعْمَ الْمَاءِ لَا يَجُوزُ ، وَإِلَّا جَازَ مِثْلُ مَاءِ الْبِطِّيخِ وَالْأَشْجَارِ وَالثِّمَارِ وَالْأَنْبِذَةِ وَإِنْ لَمْ تُغَيِّرْ لَوْنَهُ وَطَعْمَهُ فَالْعِبْرَةُ لِلْأَجْزَاءِ فَإِنْ غَلَبَ أَجْزَاؤُهُ عَلَى أَجْزَاءِ الْمَاءِ لَا يَجُوزُ الْوُضُوءُ بِهِ كَالْمَاءِ الْمُعْتَصَرِ مِنْ الثَّمَرِ ، وَإِلَّا جَازَ كَالْمَاءِ الْمُتَقَاطِرِ مِنْ الْكَرْمِ بِقَطْعِهِ ا هـ يَحْيَى ( قَوْلُهُ وَأَشَارَ الْقُدُورِيُّ ) أَيْ حَيْثُ ذَكَرَ أَحَدَ الْأَوْصَافِ ا هـ ( قَوْلُهُ كَالْمَاءِ الَّذِي يَقْطُرُ مِنْ الْكَرْمِ ) قَالَ فِي الْكَافِي وَلَا يَتَوَضَّأُ بِمَاءٍ يَسِيلُ مِنْ الْكَرْمِ لِكَمَالِ الِامْتِزَاجِ ذَكَرَهُ فِي الْمُحِيطِ وَقِيلَ يَجُوزُ لِأَنَّهُ خَرَجَ مِنْ غَيْرِ عِلَاجٍ ( قَوْلُهُ يُعْتَبَرُ بِالْأَجْزَاءِ ) حَتَّى لَوْ كَانَ الْمَاءُ رِطْلَيْنِ وَالْمُسْتَعْمَلُ رِطْلًا فَحُكْمُهُ حُكْمُ الْمُطْلَقِ وَبِالْعَكْسِ كَالْمُقَيَّدِ ا هـ عَيْنِيٌّ ( قَوْلُهُ وَيُحْمَلُ قَوْلُ مَنْ قَالَ إذَا غَيَّرَ أَحَدُ أَوْصَافِهِ ) ذِكْرُ الْأَحَدِ مُشْعِرٌ بِأَنَّهُ إنْ تَغَيَّرَ وَصْفَاهُ لَا يَجُوزُ الْوُضُوءُ بِهِ فَيُحْمَلُ عَلَى أَنَّ الْمُخَالِطَ بِهِ مُخَالِفٌ فِي الْأَوْصَافِ الثَّلَاثَةِ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ مُخَالِفًا لَهُ فِي وَصْفٍ وَاحِدٍ أَوْ وَصْفَيْنِ ، وَبَقِيَ وَصْفٌ وَاحِدٌ لِلْمَاءِ وَصَارَ مَغْلُوبًا يَجُوزُ الْوُضُوءُ بِهِ فَلَا

يَتَوَقَّفُ عَدَمُ الْجَوَازِ عَلَى تَغْيِيرِ الْوَصْفَيْنِ ا هـ يَحْيَى قَالَ الْمُحَقِّقُ كَمَالُ الدِّينِ رَحِمَهُ اللَّهُ : اعْلَمْ أَنَّ الِاتِّفَاقَ عَلَى أَنَّ الْمَاءَ الْمُطْلَقَ تُزَالُ بِهِ الْأَحْدَاثُ أَعْنِي مَا يُطْلَقُ عَلَيْهِ مَاءٌ ، وَالْمُقَيَّدُ لَا يُزِيلُ ؛ لِأَنَّ الْحُكْمَ مَنْقُولٌ إلَى التَّيَمُّمِ عِنْدَ فَقْدِ الْمُطْلَقِ فِي النَّصِّ وَالْخِلَافُ فِي الْمَاءِ الَّذِي خَالَطَهُ الزَّعْفَرَانُ وَنَحْوُهُ مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّهُ تَقَيَّدَ بِذَلِكَ أَوَّلًا ، فَقَالَ الشَّافِعِيُّ وَغَيْرُهُ تَقَيَّدَ لِأَنَّهُ يُقَالُ مَاءُ الزَّعْفَرَانِ وَنَحْنُ لَا نُنْكِرُ أَنَّهُ يُقَالُ ذَلِكَ ، وَلَكِنْ لَا نَمْنَعُ مَعَ ذَلِكَ مَا دَامَ الْمُخَالِطُ مَغْلُوبًا أَنْ يَقُولَ الْقَائِلُ فِيهِ هَذَا مَاءٌ مِنْ غَيْرِ زِيَادَةٍ ، وَقَدْ رَوَيْنَاهُ يُقَالُ فِي مَاءِ الْمَدِّ وَالنِّيلِ حَالَ غَلَبَةِ لَوْنِ الطِّينِ عَلَيْهِ ، وَيَقَعُ الْأَوْرَاقُ فِي الْحِيَاضِ زَمَنَ الْخَرِيفِ فَيَمُرُّ الرَّفِيقَانِ ، وَيَقُولُ أَحَدُهُمَا لِلْآخَرِ هُنَا مَاءٌ يُقَالُ نَشْرَبُ نَتَوَضَّأُ فَيُطْلِقُهُ مَعَ تَغَيُّرِ أَوْصَافِهِ بِانْتِفَاعِهَا فَظَهَرَ لَنَا مِنْ اللِّسَانِ أَنَّ الْمُخَالِطَ الْمَغْلُوبَ لَا يَسْلُبُ الْإِطْلَاقَ فَوَجَبَ تَرْتِيبُ حُكْمِ الْمُطْلَقِ عَلَى الْمَاءِ الَّذِي هُوَ كَذَلِكَ ، وَقَدْ { اغْتَسَلَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمَ الْفَتْحِ مِنْ قَصْعَةٍ فِيهَا أَثَرُ الْعَجِينِ } وَرَوَاهُ النَّسَائِيّ وَالْمَاءُ بِذَلِكَ يَتَغَيَّرُ وَلَمْ يُعْتَبَرْ لِلْمَغْلُوبِيَّةِ ا هـ قَالَ فِي الْمُسْتَصْفَى فَإِنْ قِيلَ مِثْلُ هَذِهِ الْإِضَافَةِ يَعْنِي مَاءَ الْبَاقِلَاءِ وَأَشْبَاهَهُ مَوْجُودٌ فِيمَا ذَكَرْت مِنْ الْمِيَاهِ الْمُطْلَقَةِ لِأَنَّهُ يُقَالُ مَاءُ الْوَادِي وَمَاءُ الْعَيْنِ قُلْنَا إضَافَتُهُ إلَى الْوَادِي وَالْعَيْنِ إضَافَةُ تَعْرِيفٍ لَا تَقْيِيدٍ ؛ لِأَنَّهُ تَتَعَرَّفُ مَاهِيَّتُهُ بِدُونِ هَذِهِ الْإِضَافَةِ ، وَتُفْهَمُ بِمُطْلَقِ قَوْلِنَا الْمَاءُ بِخِلَافِ مَاءِ الْبَاقِلَاءِ وَأَشْبَاهِهِ فَإِنَّهُ لَا تَتَعَرَّفُ مَاهِيَّتُهُ بِدُونِ ذَلِكَ الْقَيْدِ ، وَلَا يَنْصَرِفُ الْوَهْمُ إلَيْهِ عِنْدَ

الْإِطْلَاقِ وَلِهَذَا صَحَّ نَفْيُ اسْمِ الْمَاءِ عَنْهُ فَيُقَالُ فُلَانٌ : لَمْ يَشْرَبْ الْمَاءَ وَإِنْ كَانَ شَرِبَ الْبَاقِلَاءَ وَالْمَرَقَ وَلَوْ كَانَ مَاءً حَقِيقَةً لَمَا صَحَّ نَفْيُهُ ؛ لِأَنَّ الْحَقِيقَةَ لَا تَسْقُطُ عَنْ الْمُسَمَّى أَبَدًا وَيُكَذَّبُ نَافِيهَا ، وَهَذَا كَمَا يُقَالُ صَلَاةُ الْجُمُعَةِ وَلَحْمُ الْإِبِلِ وَصَلَاةُ الْجِنَازَةِ وَلَحْمُ السَّمَكِ تَأَمَّلْ تَفْهَمْ ( قَوْلُهُ حَيْثُ تَكُونُ إضَافَتُهُ لِلتَّقْيِيدِ ) وَعَلَامَةُ إضَافَةِ التَّقْيِيدِ قُصُورُ الْمَاهِيَّةِ فِي الْمُضَافِ أَلَا يُرَى أَنَّهُ لَوْ حَلَفَ لَا يُصَلِّي فَصَلَّى الظُّهْرَ يَحْنَثُ ؛ لِأَنَّهَا صَلَاةٌ مُطْلَقَةٌ إضَافَتُهَا إلَى الظُّهْرِ لِلتَّعْرِيفِ ، وَلَا يَحْنَثُ بِصَلَاةِ الْجِنَازَةِ لِأَنَّهَا لَيْسَتْ بِصَلَاةٍ مُطْلَقَةٍ ، وَإِضَافَتُهَا إلَى الْجِنَازَةِ لِلتَّقْيِيدِ كَذَا فِي الدِّرَايَةِ وَفِي مُشْكِلَاتِ خُوَاهَرْ زَادَهْ فِي بَابِ الْكُسُوفِ كُلُّ مَا كَانَتْ الْمَاهِيَّةُ فِيهِ كَامِلَةً فَالْإِضَافَةُ فِيهِ لِلتَّعْرِيفِ ، وَمَا كَانَتْ مَاهِيَّتُهُ نَاقِصَةً فَالْإِضَافَةُ فِيهِ لِلتَّقْيِيدِ نَظِيرُ الْأَوَّلِ مَاءُ السَّمَاءِ وَمَاءُ الْبَحْرِ وَصَلَاةُ الْكُسُوفِ ، وَنَظِيرُ الثَّانِي مَاءُ الْبَاقِلَاءِ وَصَلَاةُ الْجِنَازَةِ ا هـ ( قَوْلُهُ وَلِهَذَا يَنْفِي اسْمُ الْمَاءِ عَنْهُ ) يَقُولُ مَا شَرِبْت مَاءً ، وَإِنْ كَانَ شَرِبَ مَاءَ الْبِطِّيخِ وَنَحْوَهُ وَالْحَقِيقَةُ لَا تُنْفَى ا هـ .

قَالَ رَحِمَهُ اللَّهُ ( وَبِمَاءٍ دَائِمٍ فِيهِ نَجَسٌ إنْ لَمْ يَكُنْ عَشْرًا فِي عَشْرٍ ) أَيْ لَا يَجُوزُ الْوُضُوءُ بِمَاءٍ رَاكِدٍ دَائِمٍ إذَا وَقَعَتْ فِيهِ نَجَاسَةٌ وَلَمْ يَبْلُغْ الْمَاءُ عَشْرًا فِي عَشْرٍ { لِنَهْيِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَنْ الْبَوْلِ فِي الْمَاءِ الدَّائِمِ وَعَنْ غَمْسِ الْيَدِ فِي الْإِنَاءِ قَبْلَ أَنْ يَغْسِلَهَا ثَلَاثًا } ، وَقَالَ مَالِكٌ لَا يَتَنَجَّسُ إلَّا بِالتَّغَيُّرِ لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ { خَلَقَ اللَّهُ الْمَاءَ طَهُورًا لَا يُنَجِّسُهُ شَيْءٌ إلَّا مَا غَيَّرَ طَعْمَهُ } الْحَدِيثَ وَلَنَا مَا رَوَيْنَاهُ وَمَا رَوَاهُ مَحْمُولٌ عَلَى الْمَاءِ الْجَارِي لِأَنَّهُ وَرَدَ فِي بِئْرِ بُضَاعَةَ وَمَاؤُهَا كَانَ جَارِيًا فِي الْبَسَاتِينِ فَعَمِلْنَا بِالْأَحَادِيثِ كُلِّهَا وَهُوَ أَوْلَى مِنْ تَرْكِ بَعْضِهَا وَلِأَنَّ حَدِيثَ بِئْرِ بُضَاعَةَ لَمْ يَثْبُتْ ، هَكَذَا ذَكَرَهُ الدَّارَقُطْنِيّ فَلَا يُعَارِضُ الصَّحِيحَ ، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ : إذَا كَانَ الْمَاءُ قُلَّتَيْنِ لَا يَتَنَجَّسُ بِوُقُوعِ النَّجَاسَةِ فِيهِ مَا لَمْ يَتَغَيَّرْ لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ { إذَا كَانَ الْمَاءُ قُلَّتَيْنِ لَمْ يَحْمِلْ خَبَثًا } وَلَيْسَ لَهُ فِيهِ حُجَّةٌ لِأَنَّهُ ضَعَّفَهُ جَمَاعَةٌ مِنْ الْمُحَدِّثِينَ حَتَّى قَالَ الْبَيْهَقِيُّ مِنْ الشَّافِعِيَّةِ الْحَدِيثُ غَيْرُ قَوِيٍّ وَقَدْ تَرَكَهُ الْغَزَالِيُّ وَالرُّويَانِيُّ مَعَ شِدَّةِ اتِّبَاعِهِمَا لِلشَّافِعِيِّ لِضَعْفِهِ فَلَا يُعَارِضُ مَا رَوَيْنَاهُ ، وَلِأَنَّ الْقِلَّةَ مَجْهُولَةٌ لِتَفَاوُتِ الْقُلَلِ فَلَا يُمْكِنُ ضَبْطُهَا فَلَا يَتَعَبَّدُنَا اللَّهُ تَعَالَى بِمَجْهُولٍ وَتَقْدِيرُهُ بِمَا قَدَّرَهُ بِهِ الشَّافِعِيُّ لَا يَهْتَدِي إلَيْهِ الرَّائِي فَلَا يَجُوزُ إثْبَاتُهُ إلَّا بِالنَّقْلِ ، وَلِأَنَّ الْقِلَّةَ اسْمٌ مُشْتَرَكٌ يُقَالُ لِرَأْسِ الْجَبَلِ قُلَّةٌ وَلِلْجَرَّةِ قُلَّةٌ وَلِلْحِبِّ قُلَّةٌ وَلِرَأْسِ الْإِنْسَانِ قُلَّةٌ ، وَكُلُّ شَيْءٍ أَعْلَاهُ قُلَّةٌ فَلَا يُمْكِنُ حَمْلُهَا عَلَى أَحَدِهَا إلَّا بِدَلِيلٍ قَالَ عَلِيٌّ كَرَّمَ اللَّهُ وَجْهَهُ لَنَقْلُ الصَّخْرِ مِنْ قُلَلِ الْجِبَالِ أَحَبُّ

إلَيَّ مِنْ ذُلِّ السُّؤَالِ قَالَ رَحِمَهُ اللَّهُ ( فَهُوَ كَالْجَارِي ) أَيْ إذَا بَلَغَ عَشْرًا فِي عَشْرٍ يَكُونُ كَالْجَارِي حَتَّى لَا يَتَنَجَّسَ بِوُقُوعِ النَّجَاسَةِ فِيهِ ، وَقَوْلُهُ فَهُوَ كَالْجَارِي بِالْفَاءِ فِي الْمُخْتَصَرِ وَالْوَاوُ أَوْلَى لِئَلَّا تَلْتَبِسَ بِالْجَوَابِ فَيَكُونُ مَعْنَاهُ إنْ لَمْ يَكُنْ عَشْرًا فِي عَشْرٍ فَهُوَ كَالْجَارِي فَيَفْسُدُ الْمَعْنَى ثُمَّ فِي قَوْلِهِ كَالْجَارِي إشَارَةٌ إلَى أَنَّهُ لَا يَتَنَجَّسُ مَوْضِعُ الْوُقُوعِ وَهُوَ مَرْوِيٌّ عَنْ أَبِي يُوسُفَ وَبِهِ أَخَذَ مَشَايِخُ بُخَارَى وَبَلْخٍ وَلَكِنَّ الْأَصَحَّ أَنَّ مَوْضِعَ الْوُقُوعِ يَتَنَجَّسُ ذَكَرَهُ فِي الْمَبْسُوطِ وَالْبَدَائِعِ وَالْمُفِيدِ ، وَإِلَيْهِ أَشَارَ الْقُدُورِيُّ بِقَوْلِهِ جَازَ الْوُضُوءُ مِنْ الْجَانِبِ الْآخَرِ ، وَذَكَرَ أَبُو الْحَسَنِ الْكَرْخِيُّ أَنَّ كُلَّ مَا خَالَطَهُ النَّجَسُ لَا يَجُوزُ الْوُضُوءُ بِهِ ، وَإِنْ كَانَ جَارِيًا وَهُوَ الصَّحِيحُ فَعَلَى هَذِهِ الرِّوَايَةِ أَنَّ مَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ لَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ مَوْضِعَ الْوُقُوعِ لَا يَتَنَجَّسُ لِأَنَّهُ لَمْ يَجْعَلْهُ إلَّا كَالْجَارِي فَإِذَا تَنَجَّسَ مَوْضِعُ الْوُقُوعِ مِنْ الْجَارِي فَمِنْهُ أَوْلَى أَنْ يَتَنَجَّسَ ، ثُمَّ الْعِبْرَةُ بِحَالَةِ الْوُقُوعِ فَإِنْ نَقَصَ بَعْدَهُ لَا يَتَنَجَّسُ وَعَلَى الْعَكْسِ لَا يَطْهُرُ ، ثُمَّ اعْلَمْ أَنَّ أَصْحَابَنَا اخْتَلَفُوا فِي هَذَا الْمَسْأَلَةِ فَمِنْهُمْ مَنْ يَعْتَبِرُ بِالتَّحْرِيكِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَعْتَبِرُ بِالْمِسَاحَةِ ، وَظَاهِرُ الْمَذْهَبِ أَنَّهُ يُعْتَبَرُ بِالتَّحْرِيكِ وَهُوَ قَوْلُ الْمُتَقَدِّمِينَ مِنْهُمْ حَتَّى قَالَ فِي الْبَدَائِعِ وَالْمُحِيطِ اتَّفَقَتْ الرِّوَايَةُ عَنْ أَصْحَابِنَا الْمُتَقَدِّمِينَ أَنَّهُ يُعْتَبَرُ بِالتَّحْرِيكِ ، وَهُوَ أَنْ يَرْتَفِعَ وَيَنْخَفِضَ مِنْ سَاعَتِهِ لَا بَعْدَ الْمُكْثِ وَلَا يُعْتَبَرُ أَصْلُ الْحَرَكَةِ ؛ لِأَنَّ الْمَاءَ لَا يَخْلُو عَنْهُ لِأَنَّهُ مُتَحَرِّكٌ بِطَبْعِهِ ، ثُمَّ اخْتَلَفَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْ الْفَرِيقَيْنِ فِي التَّقْدِيرِ فَأَمَّا مَنْ قَالَ بِالْمِسَاحَةِ فَمِنْهُمْ مَنْ اعْتَبَرَ عَشْرًا فِي عَشْرٍ وَهُوَ

الَّذِي اخْتَارَهُ صَاحِبُ الْكِتَابِ وَمَشَايِخُ بَلْخٍ وَابْنُ الْمُبَارَكِ وَجَمَاعَةٌ مِنْ الْمُتَأَخِّرِينَ قَالَ أَبُو اللَّيْثِ وَعَلَيْهِ الْفَتْوَى وَمِنْهُمْ مَنْ اعْتَبَرَ أَنْ يَكُونَ ثَمَانِيَ فِي ثَمَانٍ قَالَهُ مُحَمَّدُ بْنُ مَسْلَمَةً ، وَمِنْهُمْ مَنْ اعْتَبَرَ أَنْ يَكُونَ اثْنَيْ عَشَرَ فِي اثْنَيْ عَشَرَ ، وَمِنْهُمْ مَنْ اعْتَبَرَ أَنْ يَكُونَ خَمْسَةَ عَشَرَ فِي خَمْسَةَ عَشَرَ وَالذِّرَاعُ الْمَذْكُورُ فِيهِ ذِرَاعُ الْكِرْبَاسِ وَهُوَ ذِرَاعُ الْعَامَّةِ سِتُّ قَبَضَاتٍ أَرْبَعٌ وَعِشْرُونَ إصْبَعًا ، وَعِنْدَ بَعْضِهِمْ يُعْتَبَرُ ذِرَاعُ الْمِسَاحَةِ وَاخْتَارَهُ فِي خَيْرِ مَطْلُوبٍ وَهِيَ ذِرَاعُ الْمِلْكُ سَبْعَ قَبَضَاتٍ بِإِصْبَعٍ قَائِمَةٍ ثُمَّ لَوْ كَانَتْ النَّجَاسَةُ فِي مَوْضِعٍ مِنْ الْمَاءِ تَنَجَّسَ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ إلَى عَشْرَةِ أَذْرُعٍ عَلَى قَوْلِ مَنْ يَرَى تَنَجُّسَ مَوْضِعِ الْوُقُوعِ ، وَأَمَّا مَنْ اعْتَبَرَ بِالتَّحْرِيكِ فَمِنْهُمْ مَنْ اعْتَبَرَهُ بِالِاغْتِسَالِ رَوَاهُ أَبُو يُوسُفَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ وَرَوَى مُحَمَّدٌ عَنْهُ بِالتَّوَضُّؤِ وَرُوِيَ عَنْ أَبِي يُوسُفَ أَنَّهُ يُعْتَبَرُ بِالْيَدِ مِنْ غَيْرِ اغْتِسَالٍ وَلَا وُضُوءٍ وَرُوِيَ عَنْ مُحَمَّدٍ أَنَّهُ يُعْتَبَرُ بِغَمْسِ الرِّجْلِ ، وَقِيلَ يُعْتَبَرُ أَنْ لَا يَخْلُصَ الْجُزْءُ الْمُسْتَعْمَلُ نَفْسُهُ إلَى الْجَانِبِ الْآخَرِ إلَّا بِحَرَكَةِ الِاسْتِعْمَالِ لَا بِالِاضْطِرَابِ الَّذِي يَكُونُ فِي الْمَاءِ عَادَةً ، وَقِيلَ يَكْفِي فِيهِ قَدْرُ النَّجَاسَةِ مِنْ الصِّبْغِ فَمَوْضِعٌ لَمْ يَصِلْ إلَيْهِ الصِّبْغُ لَمْ يَتَنَجَّسْ ، وَقِيلَ يُعْتَبَرُ التَّكَدُّرُ وَظَاهِرُ الرِّوَايَةِ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهُ يُعْتَبَرُ أَكْبَرُ الرَّأْيِ يَعْنِي رَأْيَ الْمُبْتَلَى بِهِ فَإِنْ غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ أَنَّهُ وَصَلَ إلَى الْجَانِبِ الْآخَرِ لَا يَجُوزُ الْوُضُوءُ بِهِ وَإِلَّا جَازَ ذَكَرَهُ فِي الْغَايَةِ قَالَ وَهُوَ الْأَصَحُّ وَهَذَا ؛ لِأَنَّ الْمَذْهَبَ الظَّاهِرَ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ التَّحَرِّي وَالتَّفْوِيضُ إلَى رَأْيِ الْمُبْتَلَى بِهِ مِنْ غَيْرِ تَحَكُّمٍ بِالتَّقْدِيرِ فِيمَا لَا تَقْدِيرَ فِيهِ مِنْ جِهَةِ الشَّارِعِ

ثُمَّ ، الْمُعْتَبَرُ فِي الْعُمْقِ أَنْ يَكُونَ بِحَالٍ لَا يَنْحَسِرُ بِالِاغْتِرَافِ لِأَنَّهُ إذَا انْحَسَرَ يَنْقَطِعُ الْمَاءُ بَعْضُهُ عَنْ بَعْضٍ وَيَصِيرُ الْمَاءُ فِي مَكَانَيْنِ وَهُوَ اخْتِيَارُ الْهِنْدُوَانِيُّ ، وَالصَّحِيحُ إذَا أَخَذَ الْمَاءُ وَجْهَ الْأَرْضِ يَكْفِي وَلَا تَقْدِيرَ فِيهِ فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ وَقِيلَ مُقَدَّرٌ بِذِرَاعٍ أَوْ أَكْثَرَ ، وَقِيلَ بِمِقْدَارِ شِبْرٍ وَقِيلَ بِزِيَادَةٍ عَلَى عَرْضِ الدِّرْهَمِ الْكَبِيرِ الْمِثْقَالِ ، وَلَوْ تَنَجَّسَ الْحَوْضُ الصَّغِيرُ بِوُقُوعِ نَجَاسَةٍ فِيهِ ثُمَّ دَخَلَ فِيهِ مَاءٌ آخَرُ وَخَرَجَ الْمَاءُ مِنْهُ طَهُرَ ، وَإِنْ قَلَّ إذَا كَانَ الْخُرُوجُ حَالَ دُخُولِ الْمَاءِ فِيهِ لِأَنَّهُ بِمَنْزِلَةِ الْجَارِي وَقِيلَ لَا يَطْهُرُ إلَّا بِخُرُوجِ مَا فِيهِ ، وَقِيلَ لَا يَطْهُرُ إلَّا بِخُرُوجِ ثَلَاثَةِ أَمْثَالِ مَا كَانَ فِيهِ مِنْ الْمَاءِ وَسَائِرُ الْمَائِعَاتِ كَالْمَاءِ فِي الْقِلَّةِ وَالْكَثْرَةِ قَالَ رَحِمَهُ اللَّهُ : ( وَهُوَ مَا يَذْهَبُ بِتَبِنَةِ فَيَتَوَضَّأُ مِنْهُ إنْ لَمْ يَرَ أَثَرَهُ وَهُوَ طَعْمٌ أَوْ لَوْنٌ أَوْ رِيحٌ ) أَيْ الْمَاءُ الْجَارِي مَا يَذْهَبُ بِتَبِنَةِ وَالْهَاءُ فِي قَوْلِهِ مِنْهُ عَائِدَةٌ إلَى الْمَاءِ الْجَارِي ، أَيْ يَجُوزُ الْوُضُوءُ مِنْ الْمَاءِ الْجَارِي إنْ لَمْ يُرَ أَثَرُ النَّجَاسَةِ فِيهِ ، وَيَجُوزُ أَنْ يَعُودَ إلَى الْمَاءِ الرَّاكِدِ الَّذِي بَلَغَ عَشْرًا فِي عَشْرٍ لِأَنَّهُ يَجُوزُ الْوُضُوءُ بِهِ فِي مَوْضِعِ الْوُقُوعِ مَا لَمْ يَتَغَيَّرْ فِي رِوَايَةٍ ، وَهُوَ الْمُخْتَارُ عِنْدَهُمْ عَلَى مَا بَيَّنَّاهُ مِنْ قَبْلُ ، وَقَوْلُهُ وَهُوَ طَعْمٌ أَيْ الْأَثَرُ هُوَ الطَّعْمُ أَوْ اللَّوْنُ أَوْ الرَّائِحَةُ وَحَدُّ الْجَرَيَانِ بِمَا ذَكَرَ ، وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ الْأَصْحَابِ وَقِيلَ مَا لَا يَتَكَرَّرُ اسْتِعْمَالُهُ ، وَقِيلَ إنْ وَضَعَ الْإِنْسَانُ يَدَهُ فِي الْمَاءِ عَرْضًا لَا يَنْقَطِعُ وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ إذَا كَانَ لَا يَنْحَسِرُ وَجْهُ الْأَرْضِ بِالِاغْتِرَافِ بِكَفَّيْهِ فَهُوَ جَارٍ ، وَقِيلَ مَا يَعُدُّهُ النَّاسُ جَارِيًا وَهُوَ الْأَصَحُّ ذَكَرَهُ فِي الْبَدَائِعِ وَالتُّحْفَةِ وَقَوْلُهُ إنْ لَمْ

يُرَ أَثَرُهُ أَيْ إنْ لَمْ يُرَ أَثَرُ النَّجَسِ فِيهِ لَا يَتَنَجَّسُ حَتَّى لَوْ بَالَ إنْسَانٌ فِي الْمَاءِ الْجَارِي فَتَوَضَّأَ آخَرُ مِنْ أَسْفَلِهِ جَازَ مَا لَمْ يَرَ أَثَرَهُ ؛ لِأَنَّ النَّجَاسَةَ لَا تَسْتَقِرُّ مَعَ جَرَيَانِ الْمَاءِ بِخِلَافِ الرَّاكِدِ فِي الصَّحِيحِ ، وَإِذَا اعْتَرَضَتْ النَّجَاسَةُ الْمَرْئِيَّةُ عَلَى الْمَاءِ الْجَارِي إنْ كَانَ الْمَاءُ يَجْرِي عَلَى نِصْفِهَا أَوْ كُلِّهَا لَا يَجُوزُ الْوُضُوءُ أَسْفَلَ مِنْهَا

( قَوْلُهُ وَلَمْ يَبْلُغْ الْمَاءُ عَشْرًا ) كَالْأَوَانِي وَالْآبَارِ ( قَوْلُهُ { لِنَهْيِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَنْ الْبَوْلِ } ) قَالَ فِي الْمُجْتَبَى وَأَمَّا الْبَوْلُ فِيهِ فَمَكْرُوهٌ قَلِيلًا كَانَ أَوْ كَثِيرًا دَائِمًا أَوْ جَارِيًا وَسَمَّى أَبُو حَنِيفَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ مَنْ يَبُولُ فِي الْمَاءِ الْجَارِي جَاهِلًا ا هـ ( قَوْلُهُ بِئْرُ بُضَاعَةَ ) بِئْرٌ قَدِيمَةٌ بِالْمَدِينَةِ وَعَنْ الْجَوْهَرِيِّ تُكْسَرُ وَتُضَمُّ ا هـ كَافِي ( قَوْلُهُ وَمَاؤُهَا كَانَ جَارِيًا فِي الْبَسَاتِينِ ) وَاعْتِبَارُ عُمُومِ اللَّفْظِ إنَّمَا يَكُونُ أَوْلَى لَوْ لَمْ يَكُنْ الْعَامُّ مَخْصُوصًا ، أَمَّا إذَا كَانَ مَخْصُوصًا فَلَا وَهَاهُنَا مَخْصُوصٌ بِدَلِيلٍ يُسَاوِيهِ وَهُوَ مَا رَوَيْنَا مِنْ الْحَدِيثِ ا هـ رَازِيٌّ رَحِمَهُ اللَّهُ ( قَوْلُهُ وَلِأَنَّ الْقُلَّةَ مَجْهُولَةٌ ) الْقُلَّةُ الْجَرَّةُ تُحْمَلُ مِنْ الْيُمْنِ تَسَعُ فِيهَا قِرْبَتَيْنِ وَشَيْئًا وَالْقُلَّتَانِ خَمْسُ قِرَبٍ كُلُّ قِرْبَةٍ خَمْسُونَ مَنًّا ، وَقِيلَ جَرَّةٌ تَسَعُ فِيهَا مِائَةً وَخَمْسًا وَعِشْرِينَ وَفِي الْحِلْيَةِ الْقُلَّتَانِ خَمْسُمِائَةِ رِطْلٍ بِالْبَغْدَادِيِّ وَقِيلَ الْقُلَّتَانِ خَمْسُمِائَةِ مَنٍّ ، وَقَالَ الزُّبَيْرِيُّ ثَلَثُمِائَةِ مَنٍّ وَاخْتَارَهُ الْقَفَّالُ ا هـ كَيْ ( قَوْلُهُ يُقَالُ لِرَأْسِ الْجَبَلِ قُلَّةٌ ) وَلِقَامَةِ الرَّجُلِ قُلَّةٌ فَيَكُونُ مَعْنَاهُ إذَا بَلَغَ مَاءُ الْوَادِي قَدْرَ الْقَامَتَيْنِ أَوْ رَأْسَ الْجَبَلَيْنِ لَا يَحْتَمِلُ خَبَثًا ؛ لِأَنَّهُ يَصِيرُ بَحْرًا أَوْ غَدِيرًا عَظِيمًا ا هـ كَاكِيٌّ ( قَوْلُهُ إذَا بَلَغَ عَشْرًا فِي عَشْرٍ ) وَإِنَّمَا اُعْتُبِرَ عَدَدُ الْعَشَرَةِ دُونَ غَيْرِهِ مِنْ الْأَعْدَادِ ؛ لِأَنَّ الْعَشَرَةَ أَدْنَى مَا يَنْتَهِي إلَيْهِ نَوْعُ الْأَعْدَادِ وَقِيلَ عَدَدٌ خَطَرَ فِي الشَّرْعِ ، وَلِهَذَا اُعْتُبِرَ فِي نِصَابِ السَّرِقَةِ وَالْمَهْرِ ا هـ كَاكِيٌّ ( قَوْلُهُ فَيَفْسُدُ الْمَعْنَى ) ، وَلَكِنَّا إذَا جَعَلْنَا الْفَاءَ تَفْسِيرِيَّةً يَزُولُ الْإِشْكَالُ ا هـ ع ( قَوْلُهُ لَا يَتَنَجَّسُ مَوْضِعُ الْوُقُوعِ ) أَيْ إلَّا إذَا ظَهَرَ الْأَثَرُ

( قَوْلُهُ إنَّ مَوْضِعَ الْوُقُوعِ يَتَنَجَّسُ ) أَيْ فِي الرَّاكِدِ الَّذِي يَبْلُغُ عَشْرًا فِي عَشْرٍ ، وَأَمَّا الْجَارِي فَالْأَصَحُّ أَنَّ مَوْضِعَ الْوُقُوعِ فِيهِ لَا يَتَنَجَّسُ وَلَا فَرْقَ بَيْنَ الْمَرْئِيَّةِ وَغَيْرِهَا وَهَذَا قَوْلُ مَشَايِخِ الْعِرَاقِ ، وَقَدْ فَرَّقَ مَشَايِخُ بُخَارَى وَبَلْخٍ بَيْنَ الْمَرْئِيَّةِ وَغَيْرِهَا فَقَالُوا فِي الْمَرْئِيَّةِ لَا يَتَوَضَّأُ مِنْ الْجَانِبِ الَّذِي وَقَعَتْ فِيهِ وَفِي غَيْرِ الْمَرْئِيَّةِ يَتَوَضَّأُ مِنْهُ ا هـ يَحْيَى ( قَوْلُهُ ثُمَّ اعْلَمْ أَنَّ أَصْحَابَنَا اخْتَلَفُوا فِي الْمَسْأَلَةِ ) الْمَاءُ الْكَثِيرُ الَّذِي إذَا وَقَعَ فِيهِ نَجَاسَةٌ لَا يَتَنَجَّسُ اخْتَلَفُوا فِي بَيَانِهِ فَقِيلَ : يُفَوَّضُ إلَى رَأْيِ الْمُبْتَلَى بِهِ وَلَا يُقَدَّرُ فِيهِ شَيْءٌ مُعَيَّنٌ ، وَقِيلَ يُقَدَّرُ إمَّا بِالتَّحْرِيكِ أَوْ الْمِسَاحَةِ أَوْ تَغَيُّرِ اللَّوْنِ عَلَى اخْتِلَافِ الْآرَاءِ ا هـ يَحْيَى الْحَوْضُ الْكَبِيرُ إذَا انْجَمَدَ مَاؤُهُ فَثَقَبَ إنْسَانٌ فِيهِ ثَقْبًا وَتَوَضَّأَ مِنْ ذَلِكَ الْمَوْضِعِ إنْ كَانَ الْمَاءُ مُنْفَصِلًا عَنْ الْجَمْدِ فَلَا بَأْسَ بِهِ لِأَنَّهُ يَصِيرُ كَالْحَوْضِ الْمُسَقَّفِ ، وَإِنْ كَانَ مُتَّصِلًا لَا يَجُوزُ لِأَنَّهُ صَارَ كَالْقَصْعَةِ قَالَهُ الْوَلْوَالِجِيُّ وَقَالَ قَاضِي خَانْ حَوْضٌ كَبِيرٌ تَجَمَّدَ وَثُقِبَ إنْ كَانَ الْمَاءُ تَحْتَ الْجَمْدِ غَيْرَ مُلْتَزِقٍ بِالْجَمْدِ جَازَ فِيهِ الْوُضُوءُ ، وَإِنْ كَانَ مُلْتَزِقًا بِالْجَمْدِ إلَّا أَنَّهُ يَتَحَرَّكُ بِالتَّحْرِيكِ فَإِنْ حُرِّكَ الْمَاءُ عِنْدَ إدْخَالِ كُلِّ عُضْوٍ مَرَّةً جَازَ ، وَإِنْ خَرَجَ الْمَاءُ مِنْ الثَّقْبِ وَانْبَسَطَ عَلَى وَجْهِ الْجَمْدِ بِقَدْرِ مَا لَوْ دَفَعَ الْمَاءَ بِكَفِّهِ لَا يَنْحَسِرُ مَا تَحْتَهُ مِنْ الْجَمْدِ جَازَ فِيهِ الْوُضُوءُ وَإِلَّا فَلَا ، وَإِنْ كَانَ الْمَاءُ فِي الثَّقْبِ كَالْمَاءِ فِي الطَّسْتِ لَا يَجُوزُ فِيهِ الْوُضُوءُ إلَّا أَنْ يَكُونَ الثَّقْبُ عَشْرًا فِي عَشْرٍ ، وَقَالَ قَاضِي خَانْ حَوْضٌ أَعْلَاهُ ضَيِّقٌ وَأَسْفَلُهُ عَشْرٌ فِي عَشْرٍ وَقَعَتْ فِيهِ نَجَاسَةٌ فَتَنَجَّسَ أَعْلَاهُ ، ثُمَّ انْتَهَى إلَى مَوْضِعٍ هُوَ

عَشْرٌ فِي عَشْرٍ يَصِيرُ طَاهِرًا ، وَيُجْعَلُ كَأَنَّ النَّجَاسَةَ وَقَعَتْ فِي الْحَالِ كَالْحَوْضِ الْمُنْجَمِدِ إذَا كَانَ الْمَاءُ فِي ثَقْبِهِ ، وَثَقْبُهُ أَقَلُّ مِنْ عَشْرٍ فِي عَشْرٍ تَنَجَّسَ مَا كَانَ فِي الثَّقْبِ فَإِنْ قَلَّ الْمَاءُ وَتَسَفَّلَ يَطْهُرُ ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ لَا يَطْهُرُ بِمَنْزِلَةِ الْمَاءِ الْقَلِيلِ إذَا وَقَعَتْ فِيهِ نَجَاسَةٌ ، ثُمَّ انْبَسَطَ وَصَارَ عَشْرًا فِي عَشْرٍ ا هـ ( قَوْلُهُ ذِرَاعُ الْكِرْبَاسِ ) تَوْسِعَةً لِلْأَمْرِ عَلَى النَّاسِ ؛ لِأَنَّهُ أَقْصَرُ مِنْ ذِرَاعِ الْمِسَاحَةِ بِإِصْبَعٍ ا هـ كَافِي قَالَ الْكَاكِيُّ ثُمَّ اخْتَلَفَتْ أَلْفَاظُ الْكُتُبِ فِي تَعْيِينِ الذِّرَاعِ فَجُعِلَ الصَّحِيحُ هُنَا أَيْ فِي الْهِدَايَةِ ذِرَاعَ الْكِرْبَاسِ ، وَهُوَ سَبْعُ مُشْتَاتٍ لَيْسَ فَوْقَ كُلِّ مُشْتٍ إصْبَعٌ قَائِمَةٌ ذَكَرَهُ فِي فَتَاوَى الْوَلْوَالِجِيِّ وَالْمُجْتَبَى وَجَعَلَ الصَّحِيحَ فِي فَتَاوَى قَاضِي خَانْ ذِرَاعَ الْمِسَاحَةِ ؛ لِأَنَّهُ أَلْيَقُ بِالْمَمْسُوحَاتِ وَهُوَ سَبْعُ مُشْتَاتٍ فَوْقَ كُلِّ مُشْتٍ إصْبَعٌ قَائِمَةٌ وَفِي الْمُحِيطِ الْأَصَحُّ أَنْ يُعْتَبَرَ فِي كُلِّ زَمَانٍ وَمَكَانٍ ذِرَاعُهُمْ وَلَمْ يَتَعَرَّضْ لِذِرَاعِ الْكِرْبَاسِ وَالْمِسَاحَةِ ا هـ ( قَوْلُهُ سِتُّ قَبَضَاتٍ ) قَالَ الْكَمَالُ رَحِمَهُ اللَّهُ وَذِرَاعُ الْكِرْبَاسِ سِتُّ قَبَضَاتٍ لَيْسَ فَوْقَ كُلِّ قَبْضَةٍ إصْبَعٌ قَائِمَةٌ ، وَجَعَلَهُ الْوَلْوَالِجِيُّ سَبْعًا ا هـ ( قَوْلُهُ وَقِيلَ يُعْتَبَرُ التَّكَدُّرُ ) أَيْ إنْ كَانَ الْمَاءُ بِحَالٍ لَوْ اغْتَسَلَ فِيهِ تَكَدَّرَ الْجَانِبُ الَّذِي اغْتَسَلَ فِيهِ بِسَبَبِ الِاغْتِسَالِ إنْ وَصَلَتْ الْكُدْرَةُ إلَى الْجَانِبِ الْآخَرِ فَهُوَ مِمَّا يَخْلُصُ بَعْضُهُ إلَى بَعْضٍ ، وَإِنْ لَمْ تَصِلْ فَهُوَ مِمَّا لَا يَخْلُصُ نِهَايَةٌ ( قَوْلُهُ بِالِاغْتِرَافِ ) أَيْ لَا يَنْكَشِفُ بِالِاغْتِرَافِ حَتَّى لَوْ انْحَسَرَ ثُمَّ اتَّصَلَ بَعْدَ ذَلِكَ لَا يَتَوَضَّأُ مِنْهُ وَعَلَيْهِ الْفَتْوَى كَذَا فِي الْفَتَاوَى الظَّهِيرِيَّةِ قَالَ فِي الْهِدَايَةِ وَهُوَ الصَّحِيحُ ا هـ كَاكِيٌّ ( قَوْلُهُ وَلَوْ تَنَجَّسَ الْحَوْضُ الصَّغِيرُ ) قَالَ

الْوَلْوَالِجِيُّ الْحَوْضُ الصَّغِيرُ إذَا كَانَ نَجِسًا فَدَخَلَ الْمَاءُ مِنْ جَانِبٍ ، وَخَرَجَ مِنْ جَانِبٍ يَطْهُرُ وَإِنْ لَمْ يَخْرُجْ مِثْلُ مَا فِيهِ ؛ لِأَنَّ الْمَاءَ الْجَارِيَ لَمَّا اتَّصَلَ بِهِ وَخَرَجَ صَارَ فِي حُكْمِ الْمَاءِ الْجَارِي ، وَالْمَاءُ الْجَارِي طَاهِرٌ إلَّا أَنْ تَسْتَبِينَ فِيهِ النَّجَاسَةُ ( قَوْلُهُ وَخَرَجَ الْمَاءُ مِنْهُ طَهُرَ ) وَفِي الْمُحِيطِ وَهُوَ الْأَصَحُّ ا هـ كَاكِيٌّ حَوْضُ الْحَمَّامِ إذَا تَنَجَّسَ وَدَخَلَ فِيهِ الْمَاءُ لَا يَطْهُرُ مَا لَمْ يَخْرُجْ مِنْهُ مِثْلُ مَا كَانَ فِيهِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ إذَا خَرَجَ مِنْهُ مِثْلُ مَا كَانَ فِيهِ مَرَّةً وَاحِدَةً يَطْهُرُ لِغَلَبَةِ الْمَاءِ الْجَارِي عَلَيْهِ ، وَالْأَوَّلُ أَحْوَطُ ( قَوْلُهُ وَسَائِرُ الْمَائِعَاتِ كَالْمَاءِ إلَى آخِرِهِ ) قَالَ الْوَلْوَالِجِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ حَوْضٌ فِيهِ عَصِيرٌ وَقَعَ فِيهِ الْبَوْلُ إنْ كَانَ عَشْرًا فِي عَشْرٍ لَا يَفْسُدُ ؛ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ مَاءً لَا يَفْسُدُ فَكَذَا إذَا كَانَ عَصِيرًا ، وَلَوْ كَانَ أَقَلَّ مِنْ عَشْرٍ فِي عَشْرٍ يَفْسُدُ فَكَذَا فِي كُلِّ مَا لَوْ كَانَ مَاءً يَفْسُدُ فَإِذَا كَانَ عَصِيرًا يَفْسُدُ قَالَ أَبُو يُوسُفَ بَعْدَ أَنْ سَمِعْت مِنْ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَكْثَرْت قُلْت : لَا أُقْبَلُ فِي بَلْدَةٍ فِيهَا أَبُو حَنِيفَةَ ، قَالَ فَخَرَجْت إلَى بَعْضِ السَّوَادِ فَنَزَلْت بِهَا فَجَاءَنِي رَجُلٌ فَقَالَ لِي يَا أَبَا يُوسُفَ مَا تَقُولُ فِي رَجُلٍ يَتَوَضَّأُ عَلَى شَطِّ الْفُرَاتِ فَانْكَسَرَتْ جِرَارٌ مِنْ خَمْرٍ وَالرَّجُلُ مِنْ تَحْتِ الْجَرْيَةِ ، قَالَ فَوَاَللَّهِ مَا دَرَيْت أَنْ أُجِيبَهُ فَقُلْت لِلْغُلَامِ شُدَّ فَلَيْسَ نَصْلُحُ فِي بَلَدٍ إلَّا فِيهَا أَبُو حَنِيفَةَ فَلَمَّا وَصَلْت إلَى أَبِي حَنِيفَةَ فَقَالَ لِي أَيْنَ كُنْت فَأَخْبَرْته الْخَبَرَ قَالَ فَضَحِكَ وَقَالَ مَا دَرَيْت مَا تُجِيبُهُ قُلْت : وَاَللَّهِ مَا دَرَيْت مَا أُجِيبُهُ فَقَالَ إنْ وَجَدْت رِيحَهُ أَوْ طَعْمَهُ وَإِلَّا فَلَا شَيْءَ عَلَيْك ذَكَرَهُ الْمُوَفَّقُ الْمَكِّيُّ فِي الْبَابِ السَّابِعِ مِنْ مَنَاقِبِهِ ا هـ ( قَوْلُهُ عَلَى مَا بَيَّنَّاهُ ) تَقَدَّمَ أَنَّهُ

رِوَايَةٌ عَنْ أَبِي يُوسُفَ ، وَأَنَّ مَشَايِخَ بُخَارَى أَخَذُوا بِهِ ( قَوْلُهُ وَقِيلَ مَا لَا يَتَكَرَّرُ اسْتِعْمَالُهُ ) وَمَعْنَى قَوْلِهِ لَا يَتَكَرَّرُ أَنْ لَوْ غَسَلَ يَدَهُ ، وَسَالَ مِنْ يَدِهِ إلَى النَّهْرِ ، ثُمَّ يَأْخُذُهُ ثَانِيًا لَا يَكُونُ الْمَاءُ الثَّانِي عَيْنَ الْأَوَّلِ أَوْ فِيهِ مِنْ الْمَاءِ الْأَوَّلِ كَاكِيٌّ ( قَوْلُهُ مَا لَمْ يَرَ أَثَرَهُ ) أَيْ لِأَنَّ فِي الْمَاءِ الْجَارِي تَنْتَقِلُ النَّجَاسَةُ مِنْ مَكَانِ وُقُوعِهَا ، وَلَا يُعْرَفُ وُجُودُهَا فِي مَوْضِعٍ آخَرَ إلَّا بِمُشَاهَدَةٍ أَوْ رَائِحَةٍ أَوْ لَوْنٍ وَفِي الْمُحِيطِ وَقَعَتْ نَجَاسَةٌ فِي الْجَارِي إنْ كَانَتْ غَيْرَ مَرْئِيَّةٍ كَالْبَوْلِ لَا يَنْجُسُ مَا لَمْ يَتَغَيَّرْ لَوْنُهُ أَوْ طَعْمُهُ أَوْ رِيحُهُ ، وَلَوْ كَانَتْ مَرْئِيَّةً كَالْجِيفَةِ وَالْعَذِرَةِ فَإِنْ كَانَ النَّهْرُ كَبِيرًا لَا يَتَوَضَّأُ مِنْ أَسْفَلِ الْجَانِبِ الَّذِي فِيهِ الْجِيفَةُ ، وَيَتَوَضَّأُ مِنْ جَانِبٍ آخَرَ وَإِنْ كَانَ صَغِيرًا فَإِنْ لَاقَاهَا أَكْثَرُ الْمَاءِ فَهُوَ نَجِسٌ ، وَإِنْ كَانَ أَقَلَّ فَهُوَ طَاهِرٌ وَإِنْ كَانَ النِّصْفَ جَازَ الْوُضُوءُ بِهِ فِي الْحُكْمِ ، وَالْأَحْوَطُ أَنْ لَا يَتَوَضَّأَ ا هـ كَاكِيٌّ ( قَوْلُهُ بِخِلَافِ الرَّاكِدِ ) أَيْ فَإِنَّهَا لَا تَنْتَقِلُ مِنْ مَوْضِعِ عُمُوقِهَا ( قَوْلُهُ وَإِذَا اعْتَرَضَتْ النَّجَاسَةُ الْمَرْئِيَّةُ ) كَالْكَلْبِ الْمَيِّتِ ( قَوْلُهُ لَا يَجُوزُ الْوُضُوءُ أَسْفَلَ مِنْهَا ) وَعَلَى هَذَا مَاءُ الْمَطَرِ إذَا كَانَتْ الْعَذِرَاتُ عِنْدَ الْمِيزَابِ أَوْ فِي السَّطْحِ أَوْ فِي الطُّرُقَاتِ كَيْ ، قَالَ الْكَاكِيُّ قَوْلُهُ لَا يُفْسِدُهُ أَقْوَى مِنْ قَوْلِهِ لَا يُنَجِّسُهُ ؛ لِأَنَّ قَوْلَهُ لَا يُفْسِدُهُ يُؤْذِنُ بِأَنَّهُ يَبْقَى طَاهِرًا وَطَهُورًا ، وَقَوْلُهُ لَا يُنَجِّسُهُ يُفِيدُ طَهَارَتَهُ لَا طَهُورِيَّتَهُ كَالتُّرَابِ طَاهِرٌ وَلَيْسَ بِطَهُورٍ إلَّا عِنْدَ الضَّرُورَةِ حُكْمًا لَا حَقِيقَةً كَيْ

قَالَ رَحِمَهُ اللَّهُ ( وَمَوْتُ مَا لَا دَمَ لَهُ فِيهِ كَالْبَقِّ وَالذُّبَابِ وَالزُّنْبُورِ وَالْعَقْرَبِ وَالسَّمَكِ وَالضُّفْدَعِ وَالسَّرَطَانِ لَا يُنَجِّسُهُ ) أَيْ لَا يُنَجِّسُ الْمَاءَ لِحَدِيثِ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ عَنْ سَلْمَانَ قَالَ { قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَا سَلْمَانُ كُلُّ طَعَامٍ وَشَرَابٍ وَقَعَتْ فِيهِ دَابَّةٌ لَيْسَ لَهَا دَمٌ فَمَاتَتْ فِيهِ فَهُوَ حَلَالٌ أَكْلُهُ وَشُرْبُهُ وَالْوُضُوءُ مِنْهُ } وَلِأَنَّ الْمُنَجِّسَ لَهُ الدِّمَاءُ السَّائِلَةُ فَمَا لَا دَمَ بِهِ مَسْفُوحًا لَا يَتَنَجَّسُ بِالْمَوْتِ فَلَا يَتَنَجَّسُ مَا مَاتَ فِيهِ مِنْ الْمَائِعَاتِ ، وَقَوْلُهُ وَمَوْتُ مَا لَا دَمَ لَهُ فِيهِ يَشْمَلُ مَا يَعِيشُ فِي الْمَاءِ وَغَيْرِهِ ، وَلَمْ يُشْتَرَطْ أَنْ يَمُوتَ فِي الْمَاءِ لِأَنَّهُ لَا فَرْقَ فِي الصَّحِيحِ بَيْنَ أَنْ يَمُوتَ فِي الْمَاءِ أَوْ خَارِجَ الْمَاءِ ثُمَّ يُلْقَى فِيهِ وَكَذَا لَا فَرْقَ بَيْنَ الْمَاءِ وَغَيْرِهِ مِنْ الْمَائِعَاتِ .

( قَوْلُهُ وَالزُّنْبُورُ ) بِضَمِّ الزَّايِ قَالَ قَاضِي خَانْ فِي فَصْلِ النَّجَاسَةِ دَمُ الْحَلَمَةِ وَالْوَزَغَةِ يُفْسِدُ الثَّوْبَ وَالْمَاءَ ، وَدَمُ الْبَقِّ وَالْبُرْغُوثِ لَا يُفْسِدُ عِنْدَنَا ( قَوْلُهُ وَالضِّفْدَعِ ) بِكَسْرِ الدَّالِ ا هـ ع ( قَوْلُهُ فِي الْمَتْنِ مَا لَا دَمَ لَهُ فِيهِ ) قَالَ فِي الْهِدَايَةِ وَلِأَنَّ الْمُنَجِّسَ هُوَ اخْتِلَاطُ الدَّمِ الْمَسْفُوحِ بِأَجْزَائِهِ حَتَّى حَلَّ الْمُذْكَى لِانْعِدَامِ الدَّمِ وَلَا دَمَ فِيهَا ( قَوْلُهُ يَشْمَلُ مَا يَعِيشُ فِي الْمَاءِ ) كَالسَّمَكِ وَالضِّفْدَعِ قَالَ الْمُسْتَصْفَى وَمَائِيُّ الْمَعَاشِ هُوَ الَّذِي يَكُونُ تَوَالُدُهُ وَمَثْوَاهُ فِي الْمَاءِ ، وَتَقْدِيرُ الدَّلِيلِ أَنَّ الْحَرَارَةَ مِنْ خَاصَّةِ الدَّمِ ، وَلَوْ كَانَ لَهَا دَمٌ لَكَانَ لَهَا حَرَارَةٌ ؛ لِأَنَّ طَبِيعَتَهُ لَا تَنْفَكُّ عَنْهُ ، وَلَوْ كَانَ لَهَا حَرَارَةٌ لَأَنْطَفَتْ أَيْ لَمَاتَتْ بِدَوَامِ السُّكُونِ فِي الْمَاءِ لِلْمُضَادَّةِ بَيْنَ الطَّبِيعَتَيْنِ ؛ لِأَنَّ الْمَاءَ بَارِدٌ رَطْبٌ وَالدَّمَ حَارٌّ رَطْبٌ ( قَوْلُهُ وَغَيْرُهُ ) كَالذُّبَابِ وَالْعَقْرَبِ

قَالَ رَحِمَهُ اللَّهُ ( وَالْمَاءُ الْمُسْتَعْمَلُ لِقُرْبَةٍ أَوْ رَفْعِ حَدَثٍ إذَا اسْتَقَرَّ فِي مَكَان طَاهِرٌ لَا مُطَهَّرٌ ) وَالْكَلَامُ فِي الْمُسْتَعْمَلِ فِي ثَلَاثَةِ مَوَاضِعَ فِي صِفَتِهِ وَسَبَبِهِ وَوَقْتِ ثُبُوتِهِ فَالْمُصَنِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ بَيَّنَ الثَّلَاثَ ، فَقَوْلُهُ : طَاهِرٌ لَا مُطَهِّرٌ بَيَانٌ لِصِفَتِهِ ، وَقَوْلُهُ : لِقُرْبَةٍ أَوْ رَفْعِ حَدَثٍ بَيَانٌ لِسَبَبِهِ ، وَقَوْلُهُ : إذَا اسْتَقَرَّ فِي مَكَان بَيَانٌ لِوَقْتِ ثُبُوتِ حُكْمِ الِاسْتِعْمَالِ وَفِي كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهَا كَلَامٌ أَمَّا صِفَتُهُ فَفِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ نَجِسٌ نَجَاسَةً غَلِيظَةً رَوَاهُ عَنْهُ الْحَسَنُ وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ هُوَ نَجِسٌ نَجَاسَةً خَفِيفَةً ، وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ وَرَوَى مُحَمَّدٌ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ وَهُوَ قَوْلُهُ : إنَّهُ طَاهِرٌ غَيْرُ طَهُورٍ هَكَذَا ذَكَرَهُ مَشَايِخُ مَا وَرَاءَ النَّهْرِ ، وَأَثْبَتُوا فِيهِ الْخِلَافَ بَيْنَ الثَّلَاثَةِ وَذَكَرُوا وَجْهَ التَّنْجِيسِ أَنَّهُ مَاءٌ أُزِيلَ بِهِ مَعْنًى مَانِعٌ لِلصَّلَاةِ فَصَارَ كَمَا لَوْ أُزِيلَ بِهِ النَّجَاسَةُ الْحَقِيقِيَّةُ ، وَقَالَ مَشَايِخُ ؛ الْعِرَاقِ إنَّهُ طَاهِرٌ غَيْرُ طَهُورٍ عِنْدَ أَصْحَابِنَا وَهُوَ الْأَصَحُّ ، ذَكَرَهُ فِي التُّحْفَةِ وَغَيْرِهِ وَقَالَ فِي الْغَايَةِ وَهُوَ اخْتِيَارُ الْمُحَقِّقِينَ مِنْ مَشَايِخِ مَا وَرَاءَ النَّهْرِ ، وَقَالَ الْإِسْبِيجَابِيُّ وَعَلَيْهِ الْفَتْوَى وَوَجْهُهُ أَنَّ مُلَاقَاةَ الطَّاهِرِ لَا تُوجِبُ التَّنْجِيسَ ، وَلَكِنْ أُقِيمَتْ بِهِ قُرْبَةٌ أَوْ أُزِيلَ بِهِ حَدَثٌ فَتَغَيَّرَتْ صِفَتُهُ كَمَالِ الزَّكَاةِ لَمَّا أُقِيمَتْ بِهِ الْقُرْبَةُ تَغَيَّرَتْ صِفَتُهُ حَتَّى حَرُمَ عَلَى الْهَاشِمِيِّ وَالْغَنِيِّ ، وَأَمَّا سَبَبُهُ فَإِقَامَةُ الْقُرْبَةِ أَوْ إزَالَةُ الْحَدَثِ بِهِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ إقَامَةُ الْقُرْبَةِ لَا غَيْرُ وَعِنْدَ زُفَرَ إزَالَةُ الْحَدَثِ لَا غَيْرُ ، وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ ؛ لِأَنَّ الِاسْتِعْمَالَ بِانْتِقَالِ نَجَاسَةِ الْحَدَثِ أَوْ نَجَاسَةِ الْآثَامِ إلَيْهِ وَقَالَ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ التَّعْلِيلُ لِمُحَمَّدٍ

بِعَدَمِ إقَامَةِ الْقُرْبَةِ لَيْسَ بِقَوِيٍّ لِأَنَّهُ غَيْرُ مَرْوِيٍّ عَنْهُ ، وَالصَّحِيحُ عِنْدَهُ أَنَّ إزَالَةَ الْحَدَثِ بِالْمَاءِ مُفْسِدَةٌ لَهُ إلَّا عِنْدَ الضَّرُورَةِ كَالْجُنُبِ يَدْخُلُ فِي الْبِئْرِ لِطَلَبِ الدَّلْوِ وَمِثْلُهُ عِنْدَ الْجُرْجَانِيِّ وَمَنْ شَرَطَ نِيَّةَ الْقُرْبَةِ عِنْدَ مُحَمَّدٍ اسْتَدَلَّ بِمَسْأَلَةِ الْبِئْرِ حَيْثُ قَالَ الْمَاءُ بِحَالِهِ وَالرَّجُلُ طَاهِرٌ إذْ لَوْ كَانَ إزَالَةُ الْحَدَثِ عِنْدَهُ تُوجِبُ الِاسْتِعْمَالَ لَتَغَيَّرَ الْمَاءُ ، وَجَوَابُهُ أَنَّهُ إنَّمَا لَمْ يَتَغَيَّرْ لِلضَّرُورَةِ لَا ؛ لِأَنَّ الْمَاءَ لَا يَصِيرُ مُسْتَعْمَلًا بِإِزَالَةِ الْحَدَثِ فَصَارَ نَظِيرَ مَا لَوْ أَدْخَلَ الْمُحْدِثُ أَوْ الْجُنُبُ أَوْ الْحَائِضُ الَّتِي طَهُرَتْ يَدَهُ فِي الْمَاءِ لَا يَصِيرُ الْمَاءُ مُسْتَعْمَلًا لِلضَّرُورَةِ ، وَالْقِيَاسُ أَنَّهُ يَصِيرُ مُسْتَعْمَلًا عِنْدَهُمْ لِإِزَالَةِ الْحَدَثِ ، وَلَكِنْ سَقَطَ لِلْحَاجَةِ وَقَدْ وَرَدَ حَدِيثُ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا فِي اغْتِسَالِهَا مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ إنَاءٍ وَاحِدٍ حَتَّى لَوْ أَدْخَلَ رِجْلَهُ فِي الْإِنَاءِ أَوْ رَأْسَهُ أَوْ نَحْوَ ذَلِكَ مِنْ أَعْضَائِهِ أَفْسَدَهُ لِعَدَمِ الضَّرُورَةِ فَكَذَا هُنَا ؛ لِأَنَّ وُقُوعَ الدَّلْوِ فِي الْبِئْرِ يَكْثُرُ ، وَالْجَنَابَةُ تَكْثُرُ أَيْضًا فَلَوْ اغْتَسَلُوا لِإِخْرَاجِ الدَّلْوِ كُلَّمَا وَقَعَ يُحْرَجُونَ وَلَوْ تَوَضَّأَ الصَّبِيُّ يَصِيرُ الْمَاءُ مُسْتَعْمَلًا وَلَوْ غَسَلَ الطَّاهِرُ شَيْئًا مِنْ بَدَنِهِ غَيْرَ أَعْضَاءِ الْوُضُوءِ كَالْفَخِذِ وَالْجَنْبِ بِنِيَّةِ الْقُرْبَةِ قِيلَ يَصِيرُ مُسْتَعْمَلًا كَأَعْضَاءِ الْوُضُوءِ وَقِيلَ لَا يَصِيرُ مُسْتَعْمَلًا ، وَأَمَّا وَقْتُ ثُبُوتِ حُكْمِ الِاسْتِعْمَالِ فَقَدْ ذَكَرَ كَثِيرٌ مِنْ الْمَشَايِخِ أَنَّهُ لَا يَكُونُ مُسْتَعْمَلًا حَتَّى يَسْتَقِرَّ فِي مَكَان ، سَوَاءٌ كَانَ ذَلِكَ الْمَوْضِعُ أَرْضًا أَوْ إنَاءً أَوْ كَفَّ الْمُتَوَضِّئِ ، وَهُوَ قَوْلُ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ ، وَقَالُوا لِأَنَّهُ لَوْ مَسَحَ رَأْسَهُ بِمَا بَقِيَ فِي كَفِّهِ مِنْ الْبَلَّةِ يَجُوزُ وَكَذَا لَوْ بَقِيَ مِنْ

بَدَنِهِ لَمْعَةٌ مِنْ عُضْوٍ فَأَخَذَ الْمَاءَ مِنْهُ أَيْ مِنْ ذَلِكَ الْعُضْوِ فَغَسَلَ بِهِ اللَّمْعَةَ جَازَ وَلَا يَجُوزُ بِمَا أَخَذَهُ مِنْ عُضْوٍ آخَرَ فِي الْوُضُوءِ بِخِلَافِ الْجَنَابَةِ ؛ لِأَنَّ الْبَدَنَ كُلَّهُ بِمَنْزِلَةِ عُضْوٍ وَاحِدٍ فِيهَا وَمِنْ أَيِّ عُضْوٍ كَانَ فِي الْجَنَابَةِ يَجُوزُ أَنْ يَسْتَوْعِبَهَا بِهِ لِعَدَمِ الِاسْتِقْرَارِ فِي مَوْضِعٍ ، وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ كَمَا زَايَلَ الْعُضْوَ يَصِيرُ مُسْتَعْمَلًا ؛ لِأَنَّ سُقُوطَ حُكْمِ الِاسْتِعْمَالِ قَبْلَ الِانْفِصَالِ لِلضَّرُورَةِ وَلَا ضَرُورَةَ بَعْدَهُ ، وَلَا يَجُوزُ الْمَسْحُ بِمَا بَقِيَ مِنْ الْبَلَّةِ بَعْدَ الِاسْتِعْمَالِ فِي رِوَايَةٍ فَلَنَا أَنْ نَمْنَعَ وَعَلَى الصَّحِيحِ إنَّمَا يَجُوزُ بَعْدَمَا اسْتَعْمَلَهُ فِي الْمَغْسُولِ ؛ لِأَنَّ الْفَرْضَ تَأَدَّى بِمَا جَرَى عَلَى الْعُضْوِ لَا بِالْبَلَّةِ الْبَاقِيَةِ فِي الْكَفِّ وَغَيْرِهِ ، قَالَ رَحِمَهُ اللَّهُ ( وَمَسْأَلَةُ الْبِئْرِ جحط ) أَيْ إذَا انْغَمَسَ الْجُنُبُ فِي الْبِئْرِ لِطَلَبِ الدَّلْوِ فَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ الرَّجُلُ وَالْمَاءُ نَجِسَانِ ، وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ كِلَاهُمَا بِحَالِهِ وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ كِلَاهُمَا طَاهِرٌ فَالْجِيمُ عَلَامَةُ نَجَاسَتِهِمَا وَالْحَاءُ عَلَامَةُ بَقَائِهِمَا عَلَى حَالِهِمَا وَالطَّاءُ عَلَامَةُ طَهَارَتِهِمَا وَجْهُ قَوْلِ مُحَمَّدٍ إنَّ الرَّجُلَ طَاهِرٌ لِعَدَمِ اشْتِرَاطِ الصَّبِّ وَكَذَا الْمَاءُ لِعَدَمِ نِيَّةِ الْقُرْبَةِ ، وَهِيَ شَرْطٌ عِنْدَهُ وَعِنْدَ بَعْضِهِمْ وَقَدْ ذَكَرْنَاهُ ، وَوَجْهُ قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ إنَّ الرَّجُلَ بِحَالِهِ لِعَدَمِ الصَّبِّ وَهُوَ شَرْطٌ عِنْدَهُ وَكَذَا الْمَاءُ بِحَالِهِ لِعَدَمِ نِيَّةِ الْقُرْبَةِ وَإِزَالَةِ الْحَدَثِ وَلِأَبِي حَنِيفَةَ أَنَّ الْمَاءَ نَجِسٌ بِإِسْقَاطِ الْفَرْضِ عَنْ الْبَعْضِ بِأَوَّلِ الْمُلَاقَاةِ ، وَالرَّجُلُ نَجِسٌ لِبَقَاءِ الْحَدَثِ فِي بَقِيَّةِ الْأَعْضَاءِ أَوْ لِنَجَاسَةِ الْمَاءِ الْمُسْتَعْمَلِ عَلَى اخْتِلَافِ الْأَقَاوِيلِ وَعَنْهُ أَنَّ الرَّجُلَ طَاهِرٌ ؛ لِأَنَّ الْمَاءَ لَا يُعْطَى لَهُ حُكْمُ الِاسْتِعْمَالِ قَبْلَ الِانْفِصَالِ وَهُوَ أَوْفَقُ الرِّوَايَاتِ عَنْهُ .

( قَوْلُهُ فِي الْمَتْنِ إذَا اسْتَقَرَّ فِي مَكَان طَاهِرٌ لَا مُطَهِّرٌ ) ، وَكَذَا لَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَتَقَطَّعَ فِي الْمَاءِ أَوْ لَمْ يَتَقَطَّعْ إلَّا عَلَى قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ فَإِنَّهُ يَقُولُ إذَا تَقَطَّعَ فِي الْمَاءِ أَفْسَدَ بِنَاءً عَلَى قَوْلِهِ : إنَّ دَمَهُ نَجِسٌ وَهُوَ ضَعِيفٌ فَإِنَّهُ لَا دَمَ فِي السَّمَكِ إنَّمَا هُوَ مَاءٌ آخَرُ ، وَالضِّفْدَعُ الْبَرِّيُّ وَالْبَحْرِيُّ سَوَاءٌ ، وَقِيلَ الْبَرِّيُّ مُفْسِدٌ لِوُجُودِ الدَّمِ فِيهِ ا هـ هِدَايَةٌ قَالَ فِي الِاخْتِيَارِ وَقِيلَ إنْ كَانَ لِلْبَرِّيِّ دَمٌ سَائِلٌ أَفْسَدَهُ ، وَهُوَ الْأَصَحُّ وَفِي فَتَاوَى الظَّهِيرِيَّةِ الْبَحْرِيُّ مَا يَكُونُ بَيْنَ أَصَابِعِهِ سُتْرَةٌ دُونَ الْبَرِّيِّ ا هـ كَاكِيٌّ ( قَوْلُهُ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ ) لِمَكَانِ الِاخْتِلَافِ كَذَا فِي الْهِدَايَةِ ( قَوْلُهُ وَرَوَى مُحَمَّدٌ ) وَقَالَ مُحَمَّدٌ يُكْرَهُ شُرْبُهُ وَلَا يَحْرُمُ وَيُعْجَنُ بِهِ ا هـ كَاكِيٌّ ( قَوْلُهُ إنَّهُ طَاهِرٌ ) أَيْ وَهُوَ الْمَشْهُورُ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ وَهَذِهِ الرِّوَايَةُ هِيَ الصَّحِيحَةُ ا هـ كَاكِيٌّ ( قَوْلُهُ وَأَمَّا سَبَبُهُ فَإِقَامَةُ الْقُرْبَةِ ) قَالَ فِي الْكَافِي لِمُحَمَّدٍ إنَّ الِاسْتِعْمَالَ بِانْتِقَالِ نَجَاسَةِ الْآثَامِ إلَيْهِ ، وَإِنَّمَا تُزَالُ بِالْقُرْبَةِ كَمَا وَرَدَ فِي الْحَدِيثِ { مَنْ تَوَضَّأَ فَأَحْسَنَ الْوُضُوءَ خَرَجَتْ خَطَايَاهُ حَتَّى تَخْرُجَ مِنْ تَحْتِ أَظْفَارِهِ } وَقَالَا إسْقَاطُ الْفَرْضِ مُؤَثِّرٌ أَيْضًا لِأَنَّهُ لَمَّا غَسَلَ الْأَعْضَاءَ ، وَقَدْ حَلَّ فِيهَا مَا يَمْنَعُ الصَّلَاةَ تَحَوَّلَ ذَلِكَ الْمَانِعُ إلَى الْمَاءِ وَصَارَ نَظِيرَ تَحَوُّلِ الْآثَامِ ( قَوْلُهُ وَعِنْدَ زُفَرَ إزَالَةُ الْحَدَثِ ) حَتَّى لَوْ تَوَضَّأَ الْمُحْدِثُ أَوْ الْجُنُبُ بِنِيَّةِ الْقُرْبَةِ يَصِيرُ الْمَاءُ مُسْتَعْمَلًا بِالْإِجْمَاعِ وَلَوْ تَوَضَّأَ الْمُتَوَضِّئُ لِلتَّبَرُّدِ لَا يَصِيرُ مُسْتَعْمَلًا بِالْإِجْمَاعِ ، وَلَوْ تَوَضَّأَ الْمُحْدِثُ لِلتَّبَرُّدِ يَصِيرُ مُسْتَعْمَلًا عِنْدَهُمَا وَزُفَرَ وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ لَا لِعَدَمِ فَضْلِ الْقُرْبَةِ ، وَكَذَلِكَ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ لِعَدَمِ

زَوَالِ الْحَدَثِ عِنْدَهُ بِلَا نِيَّةٍ ، وَلَوْ تَوَضَّأَ الْمُتَوَضِّئُ لِقَصْدِ الْقُرْبَةِ يَصِيرُ مُسْتَعْمَلًا عِنْدَ الثَّلَاثَةِ خِلَافًا لِزُفَرَ وَالشَّافِعِيِّ ا هـ كَاكِيٌّ قَالَ الْوَلْوَالِجِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ فِي الْمَاءِ الْمُسْتَعْمَلِ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ ثَلَاثُ رِوَايَاتٍ رَوَى مُحَمَّدٌ عَنْهُ أَنَّهُ طَاهِرٌ غَيْرُ طَهُورٍ وَالْفَتْوَى عَلَيْهِ لِعُمُومِ الْبَلْوَى إلَّا فِي الْجُنُبِ عَلَى مَا يَأْتِي بَيَانُهُ ، وَإِنْ غَسَلَ رَأْسَ إنْسَانٍ مَقْتُولٍ قَدْ بَانَ مِنْهُ بِالْمَاءِ كَانَ مُسْتَعْمَلًا ؛ لِأَنَّ الرَّأْسَ إذَا وُجِدَ مَعَ الْبَدَنِ ضُمَّ إلَى الْبَدَنِ وَصُلِّيَ عَلَيْهِ فَكَانَ هُوَ بِمَنْزِلَةِ الْبَدَنِ فَيَكُونُ غُسَالَتُهُ مُسْتَعْمَلَةً قَالَ قَاضِي خَانْ رَحِمَهُ اللَّهُ اتَّفَقَ أَصْحَابُنَا فِي الرِّوَايَةِ الظَّاهِرَةِ عَلَى أَنَّ الْمَاءَ الْمُسْتَعْمَلَ فِي الْبَدَنِ لَا يَبْقَى طَهُورًا ، وَاخْتَلَفُوا فِي طَهَارَتِهِ وَفِي السَّبَبِ الَّذِي يَصِيرُ بِهِ الْمَاءُ مُسْتَعْمَلًا وَفِي الْوَقْتِ الَّذِي يَأْخُذُ الْمَاءُ حُكْمَ الِاسْتِعْمَالِ ، أَمَّا السَّبَبُ اتَّفَقُوا أَنَّهُ يَصِيرُ مُسْتَعْمَلًا إذَا اسْتَعْمَلَهُ لِلطَّهَارَةِ ، وَاخْتَلَفُوا فِي أَنَّهُ هَلْ يَصِيرُ مُسْتَعْمَلًا بِسُقُوطِ الْفَرْضِ إذَا لَمْ يَنْوِ ذَلِكَ ، أَوْ قَصَدَ التَّبَرُّدَ أَوْ إخْرَاجَ الدَّلْوِ مِنْ الْبِئْرِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَبُو يُوسُفَ يَصِيرُ مُسْتَعْمَلًا ، وَقَالَ مُحَمَّدٌ فِي الْمَشْهُورِ عَنْهُ لَا يَصِيرُ مُسْتَعْمَلًا ، وَأَمَّا وَقْتُ ثُبُوتِ حُكْمِ الِاسْتِعْمَالِ اتَّفَقُوا أَنَّهُ مَا دَامَ عَلَى الْعُضْوِ لَا يُعْطَى لَهُ حُكْمَ الِاسْتِعْمَالِ ، وَبَعْدَ الزَّوَالِ عَنْ الْعُضْوِ اخْتَلَفُوا فِيهِ ، قَالَ بَعْضُهُمْ : يَصِيرُ مُسْتَعْمَلًا وَإِنْ كَانَ فِي الْهَوَى بَعُدَ بِدَلِيلِ أَنَّ الْمُحْدِثَ إذَا غَسَلَ ذِرَاعَيْهِ فَأَمْسَكَ إنْسَانٌ يَدَهُ تَحْتَ ذِرَاعَيْهِ وَغَسَلَهُمَا بِذَلِكَ الْمَاءِ لَا يَجُوزُ مَرْوِيٌّ ذَلِكَ عَنْ أَصْحَابِنَا ، وَكَذَا الْمُحْدِثُ إذَا غَسَلَ عُضْوًا قَبْلَ أَنْ يَجْتَمِعَ فِي الْمَكَانِ غَسَلَ بِهِ عُضْوًا آخَرَ لَا يَجُوزُ عَلَى قَوْلِ أَبِي مُطِيعٍ

الْبَلْخِيّ ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ : لَا يَصِيرُ مُسْتَعْمَلًا مَا لَمْ يَسْتَقِرَّ فِي مَكَان وَيَسْكُنْ عَنْ التَّحْرِيكِ وَأَمَّا الِاخْتِلَافُ فِي طَهَارَةِ الْمَاءِ الْمُسْتَعْمَلِ وَنَجَاسَتِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَبُو يُوسُفَ فِي الْمَشْهُورِ عَنْهُمَا هُوَ نَجِسٌ ، وَقَالَ مُحَمَّدٌ طَاهِرٌ فَإِنْ أَصَابَ ذَلِكَ الْمَاءُ ثَوْبًا إنْ كَانَ ذَلِكَ مَاءَ الِاسْتِنْجَاءِ فَأَصَابَهُ أَكْثَرُ مِنْ قَدْرِ الدِّرْهَمِ لَا تَجُوزُ الصَّلَاةُ عِنْدَنَا ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ مَاءَ الِاسْتِنْجَاءِ عَلَى قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ لَا يَمْنَعُ مَا لَمْ يَفْحُشْ ، وَالْفَاحِشُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ مَا يُفْحِشُهُ النَّاظِرُ وَقِيلَ إنْ كَانَ رُبْعَ الثَّوْبِ فَهُوَ كَبِيرٌ ، وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ إنْ كَانَ شِبْرًا فِي شِبْرٍ فَهُوَ كَبِيرٌ وَفِي رِوَايَةِ مُحَمَّدٍ عَنْ أَبِي يُوسُفَ يُقَدَّرُ بِالرُّبْعِ قِيلَ أَرَادَ بِهِ رُبْعَ الْكُمِّ وَرُبْعَ الذَّيْلِ لَا رُبْعَ جَمِيعِ الثَّوْبِ الْمَرْأَةُ إذَا وَصَلَتْ شَعْرَهَا بِشَعْرِ غَيْرِهَا ثُمَّ غَسَلَتْ الشَّعْرَ الَّذِي وَصَلَتْ لَمْ يَصِرْ الْمَاءُ مُسْتَعْمَلًا ، وَإِنْ غَسَلَتْ شَعْرَ الرَّأْسِ صَارَ الْمَاءُ مُسْتَعْمَلًا ا هـ ظَهِيرِيَّةٌ ( قَوْلُهُ لَا يَصِيرُ الْمَاءُ مُسْتَعْمَلًا لِلضَّرُورَةِ ) لِأَنَّهُ عَسَى أَنْ لَا يَجِدَ إنَاءً صَغِيرًا وَلَا يُمْكِنُهُ صَبُّ الْمَاءِ عَلَى يَدِهِ مِنْ الْكَبِيرِ فَيُضْطَرُّ إلَى الْإِدْخَالِ ا هـ كَافِي ( قَوْلُهُ فَلَوْ اغْتَسَلُوا لِإِخْرَاجِ الدَّلْوِ كُلَّمَا وَقَعَ إلَى آخِرِهِ ) قَالَ فِي الْكَافِي : وَإِنَّمَا لَمْ يَحْكُمْ مُحَمَّدٌ بِاسْتِعْمَالِ الْمَاءِ فِي مَسْأَلَةِ الْبِئْرِ لِلضَّرُورَةِ فَإِنَّهُمْ لَوْ جَاءُوا بِمَنْ يَطْلُبُ دَلْوَهُمْ لَا يُمْكِنُهُمْ أَنْ يُكَلِّفُوهُ بِالِاغْتِسَالِ أَوَّلًا ا هـ ( قَوْلُهُ بِمَا جَرَى عَلَى الْعُضْوِ ) أَيْ ؛ لِأَنَّ الْبَلَّةَ الْبَاقِيَةَ فِي الْكَفِّ مَاءٌ مُسْتَعْمَلٌ بَلْ الْمُسْتَعْمَلُ الَّذِي انْفَصَلَ مِنْ الْكَفِّ وَجَرَى عَلَى الْعُضْوِ الَّذِي أُرِيدَ غَسْلُهُ ا هـ ( قَوْلُهُ فِي الْمَتْنِ وَمَسْأَلَةُ الْبِئْرِ جحط ) كَلَامٌ إضَافِيٌّ مُبْتَدَأٌ ، وَقَوْلُهُ جحط

فِي مَوْضِعِ الرَّفْعِ عَلَى الْخَبَرِيَّةِ تَقْدِيرُهُ وَمَسْأَلَةُ الْبِئْرِ تُضْبَطُ فِيهَا بِحُرُوفِ جحط ا هـ ع ( قَوْلُهُ لِطَلَبِ الدَّلْوِ ) قَيَّدَ بِهِ إذْ لَوْ انْغَمَسَ لِلِاغْتِسَالِ يَفْسُدُ الْمَاءُ عِنْدَ الْكُلِّ ، وَالْمُرَادُ مِنْ الْجُنُبِ الَّذِي لَيْسَ فِي بَدَنِهِ نَجَاسَةٌ مِنْ الْمَنِيِّ وَغَيْرِهِ ا هـ كَاكِيٌّ ( قَوْلُهُ وَكَذَا الْمَاءُ ) أَيْ طَاهِرٌ طَهُورٌ ، وَإِلَّا فَالْمَاءُ الْمُسْتَعْمَلُ طَاهِرٌ عِنْدَهُ ا هـ سَرُوجِيٌّ ( قَوْلُهُ لِعَدَمِ نِيَّةِ الْقُرْبَةِ ) أَيْ الَّتِي يَصِيرُ الْمَاءُ بِهَا مُسْتَعْمَلًا عِنْدَهُ ا هـ ( قَوْلُهُ وَهُوَ شَرْطٌ ) أَيْ لِإِسْقَاطِ الْفَرْضِ وَإِقَامَةِ الْقُرْبَةِ ا هـ كَافِي ( قَوْلُهُ وَهُوَ أَوْفَقُ الرِّوَايَاتِ ) أَيْ لِلْقِيَاسِ وَقَالَ الْكَافِي أَيْ أَسْهَلُ وَفِي شَرْحِ الْمَجْمَعِ وَهَذِهِ الرِّوَايَةُ صَحِيحَةٌ ؛ لِأَنَّ الْمَاءَ مَا دَامَ مُتَرَدِّدًا عَلَى الْأَعْضَاءِ فَالضَّرُورَةُ دَاعِيَةٌ إلَى الْحُكْمِ بِطَهَارَتِهِ وَبَعْدَ الِانْفِصَالِ لَا ضَرُورَةَ ا هـ كَاكِيٌّ

قَالَ رَحِمَهُ اللَّهُ ( وَكُلُّ إهَابٍ دُبِغَ فَقَدْ طَهُرَ ) لِحَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ { أَيُّمَا إهَابٍ دُبِغَ فَقَدْ طَهُرَ } وَأَيُّ نَكِرَةٌ يُرَادُ بِهَا جُزْءُ مَا تُضَافُ إلَيْهِ وَقَدْ وُصِفَتْ بِصِفَةٍ عَامَّةٍ فَتَعُمُّ مَا يُؤْكَلُ لَحْمُهُ وَمَا لَا يُؤْكَلُ وَفِي الْفِيلِ خِلَافُ مُحَمَّدٍ وَقَوْلُهُ : طَهُرَ يُفِيدُ طَهَارَةَ بَاطِنِهِ وَظَاهِرِهِ فَيَكُونُ حُجَّةً عَلَى مَالِكٍ فِي قَوْلِهِ يَطْهُرُ ظَاهِرُهُ دُونَ بَاطِنِهِ حَتَّى لَا يَجُوزُ أَنْ يُصَلِّيَ فِيهِ وَلَا الْوُضُوءُ مِنْهُ عِنْدَهُ ، وَتَجُوزُ الصَّلَاةُ عَلَيْهِ وَقَوْلُهُ كُلُّ إهَابٍ يَتَنَاوَلُ جَمِيعَ جِلْدٍ يَحْتَمِلُ الدِّبَاغَ ، وَأَمَّا مَا لَا يَحْتَمِلُ الدِّبَاغَ مِثْلُ جِلْدِ الْحَيَّةِ الصَّغِيرَةِ وَالْفَأْرَةِ لَا يَطْهُرُ بِالدِّبَاغِ كَاللَّحْمِ وَعَنْ مُحَمَّدٍ لَوْ أَصْلَحَ مَصَارِينَ الشَّاةِ الْمَيِّتَةِ أَوْ دَبَغَ الْمَثَانَةَ وَأَصْلَحَهَا طَهُرَتْ ، وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ هِيَ كَاللَّحْمِ ثُمَّ كُلُّ مَا يَمْنَعُ النَّتْنَ وَالْفَسَادَ فَهُوَ دِبَاغٌ ، وَاَلَّذِي يَمْنَعُ النَّتْنَ عَلَى نَوْعَيْنِ حَقِيقِيٌّ كَالْقَرَظِ وَالشَّثِّ وَالْعَفْصِ وَنَحْوِهِ وَحُكْمِيٌّ كَالتَّتْرِيبِ وَالتَّشْمِيسِ وَالْإِلْقَاءِ فِي الرِّيحِ ، وَلَوْ جَفَّ وَلَمْ يَسْتَحِلَّ لَمْ يَطْهُرْ وَمَا يَطْهُرُ بِالدِّبَاغِ يَطْهُرُ بِالذَّكَاةِ ؛ لِأَنَّهَا أَبْلَغُ فِي إزَالَةِ الرُّطُوبَةِ وَالدِّمَاءِ مِنْ الدِّبَاغِ ، وَقَالَ كَثِيرٌ مِنْ الْمَشَايِخِ : يَطْهُرُ جِلْدُهُ بِهَا وَلَا يَطْهُرُ لَحْمُهُ كَمَا لَا يَطْهُرُ بِالدِّبَاغِ وَهُوَ الصَّحِيحُ ؛ لِأَنَّ سُؤْرَهُ نَجِسٌ وَمَا ذَاكَ إلَّا لِنَجَاسَةِ عَيْنِهِ عَلَى مَا يَأْتِي بَيَانُهُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى قَالَ رَحِمَهُ اللَّهُ ( إلَّا جِلْدَ الْخِنْزِيرِ وَالْآدَمِيِّ ) أَمَّا الْخِنْزِيرُ فَلِأَنَّهُ نَجِسُ الْعَيْنِ إذْ الْهَاءُ فِي قَوْله تَعَالَى { فَإِنَّهُ رِجْسٌ } رَاجِعٌ إلَيْهِ أَيْ إلَى الْخِنْزِيرِ لِقُرْبِهِ ، فَإِنْ قِيلَ عَوْدُ الضَّمِيرِ كَمَا يَكُونُ إلَى الْأَقْرَبِ يَكُونُ إلَى الْمَقْصُودِ ، وَالْمُضَافُ هُوَ

الْمَقْصُودُ بِالنِّسْبَةِ دُونَ الْمُضَافِ إلَيْهِ فَوَجَبَ عَوْدُ الضَّمِيرِ إلَيْهِ كَمَا يُقَالُ لَقِيت ابْنَ عَبَّاسٍ فَحَدَّثْته قُلْنَا لَا يَمْتَنِعُ عَوْدُ الضَّمِيرِ إلَى الْمُضَافِ إلَيْهِ ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى { وَاشْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ إنْ كُنْتُمْ إيَّاهُ تَعْبُدُونَ } وَلِأَنَّهُ لَمَّا تَعَارَضَ الْأَصْلَانِ فَصَرْفُهُ إلَى مَا هُوَ الْعَمَلُ بِهِمَا أَوْلَى إذْ اللَّحْمُ مَوْجُودٌ فِي الْخِنْزِيرِ ، وَأَمَّا الْآدَمِيُّ فَلِحُرْمَتِهِ وَاسْتِثْنَاؤُهُ مَعَ الْخِنْزِيرِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَا يَطْهُرُ ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ بَلْ إذَا دُبِغَ طَهُرَ ذَكَرَهُ فِي الْغَايَةِ وَلَكِنْ لَا يَجُوزُ الِانْتِفَاعُ بِهِ كَسَائِرِ أَجْزَائِهِ .

( قَوْلُهُ فِي الْمَتْنِ وَكُلُّ إهَابٍ ) اسْمٌ لِلْجِلْدِ الْغَيْرِ الْمَدْبُوغِ وَالْمُرَادُ إهَابُ الْمَيْتَةِ ؛ لِأَنَّ إهَابَ الْمُذْكَاةِ طَاهِرٌ فَلَا يَحْتَاجُ إلَى الدِّبَاغَةِ ا هـ يَحْيَى ثُمَّ اعْلَمْ أَنَّ مَا هُوَ نَجِسُ الْعَيْنِ يَحْتَمِلُ أَنْ يَتَبَدَّلَ إلَى الطَّهَارَةِ بِأَمْرٍ شَرْعِيٍّ قَالَ فِي مِعْرَاجِ الدِّرَايَةِ فِي بَابِ الْأَسْآرِ : فَإِنَّ جِلْدَ الْمَيْتَةِ نَجِسُ الْعَيْنِ حَتَّى لَمْ يَجُزْ بَيْعُهُ بِالِاتِّفَاقِ ، وَلَوْ كَانَ نَجِسًا بِالْمُجَاوَرَةِ لَجَازَ بَيْعُهُ كَالثَّوْبِ النَّجِسِ وَالدُّهْنِ النَّجِسِ ، ثُمَّ الدِّبَاغُ أَثَّرَ فِيهِ وَطُهْرَهُ كَتَخْلِيلِ الْخَمْرِ فَعُلِمَ أَنَّ مَا هُوَ نَجِسُ الْعَيْنِ يَحْتَمِلُ التَّبَدُّلَ إلَى الطَّهَارَةِ بِأَمْرٍ شَرْعِيٍّ ا هـ ( قَوْلُهُ { أَيُّمَا إهَابٍ دُبِغَ فَقَدْ طَهُرَ } ) الْحَدِيثَ رَوَاهُ الْخَمْسَةُ غَيْرَ الْبُخَارِيِّ ا هـ كَاكِيٌّ ( قَوْلُهُ وَقَدْ وُصِفَتْ بِصِفَةٍ عَامَّةٍ ) أَيْ وَهِيَ الدِّبَاغَةُ ا هـ ( قَوْلُهُ فَتَعُمُّ مَا يُؤْكَلُ لَحْمُهُ وَمَا لَا يُؤْكَلُ ) ، وَسَوَاءٌ كَانَ ذَكِيَّةً أَوْ مَيْتَةً ا هـ رَازِيٌّ خِلَافًا لِمَالِكٍ فِي جِلْدِ الْمَيْتَةِ لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ { لَا تَنْتَفِعُوا بِالْمَيْتَةِ بِإِهَابٍ } وَلِلشَّافِعِيِّ فِي جِلْدِ الْكَلْبِ لِأَنَّهُ نَجِسُ الْعَيْنِ عِنْدَهُ رَازِيٌّ فَإِنْ قِيلَ الْحَدِيثُ مَتْرُوكُ الظَّاهِرِ ؛ لِأَنَّهُ يَتَنَاوَلُ جِلْدَ الْخِنْزِيرِ وَالْآدَمِيِّ وَلَا يَطْهُرَانِ بِالدِّبَاغِ قُلْنَا جِلْدُ الْخِنْزِيرِ لَا يَنْدَبِغُ فَلَا يَطْهُرُ ؛ لِأَنَّ شَعْرَهُ غَلِيظٌ يَنْبُتُ مِنْ لَحْمِهِ وَلِأَنَّهُ نَجِسُ الْعَيْنِ كَالْخَمْرِ ، وَجِلْدُ الْآدَمِيِّ إنْ احْتَمَلَ الدِّبَاغَ طَهُرَ لَكِنْ لَا يَحِلُّ دَبْغُهُ وَسَلْخُهُ وَابْتِذَالُهُ احْتِرَامًا لَهُ كَشَعْرِهِ ا هـ كَافِي ( قَوْلُهُ وَفِي الْفِيلِ خِلَافُ مُحَمَّدٍ ) أَيْ لِأَنَّهُ عِنْدَهُ نَجِسُ الْعَيْنِ ا هـ ( قَوْلُهُ وَلَا الْوُضُوءُ مِنْهُ ) أَيْ بِأَنْ جُعِلَ قُرْبَةً ا هـ قَوْلُهُ الْمَثَانَةُ ) بِالْمُثَلَّثَةِ ا هـ ( قَوْلُهُ وَالشَّثُّ ) بِالثَّاءِ الْمُثَلَّثَةِ شَجَرٌ يُدْبَغُ

بِوَرَقِهِ ، وَهُوَ كَوَرَقِ الْخِلَافِ وَالشَّبُّ تَصْحِيفٌ لِأَنَّهُ صِبَاغٌ لَا دِبَاغٌ ا هـ مُغْرِبٌ ( قَوْلُهُ وَالْعَفْصُ ) أَيْ يَطْهُرُ الْجِلْدُ وَلَا تَعُودُ نَجَاسَتُهُ أَبَدًا ا هـ وِقَايَةٌ ( قَوْلُهُ وَلَوْ جَفَّ وَلَمْ يَسْتَحِلَّ لَمْ يَطْهُرْ ) أَيْ لَمْ يَزُلْ نَتْنُهُ وَفِي الْحِلْيَةِ قَالَ أَبُو نَصْرٍ : سَمِعْت بَعْضَ أَصْحَابِ أَبِي حَنِيفَةَ يَقُولُ إنَّمَا يَطْهُرُ بِالتَّشْمِيسِ إذَا عَمِلَتْ الشَّمْسُ بِهِ عَمَلَ الدِّبَاغِ ا هـ كَاكِيٌّ ( قَوْلُهُ وَمَا يَطْهُرُ بِالدِّبَاغِ يَطْهُرُ بِالذَّكَاةِ ) إنَّمَا يَطْهُرُ الْجِلْدُ بِالذَّكَاةِ إذَا كَانَتْ فِي الْمَحَلِّ مِنْ الْأَهْلِ فَذَكَاةُ الْمَجُوسِيِّ لَا يَطْهُرُ بِهَا الْجِلْدُ بَلْ بِالدَّبْغِ ؛ لِأَنَّهَا إمَاتَةٌ قَالَهُ الْكَمَالُ ، وَفِي الْقُنْيَةِ وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ يَطْهُرُ ا هـ وَفِي الْأَسْرَارِ عَنْ مَشَايِخِنَا لَا يَطْهُرُ لَحْمُهُ بِالذَّكَاةِ ، وَهُوَ الصَّحِيحُ عِنْدَنَا وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ وَأَحْمَدُ ؛ لِأَنَّ الْحُرْمَةَ لَا لِلْكَرَامَةِ فِيمَا يُعْتَادُ أَكْلُهُ تَدُلُّ عَلَى النَّجَاسَةِ لَكِنْ بَيْنَ اللَّحْمِ وَالْجِلْدِ جِلْدَةٌ رَقِيقَةٌ تَمْنَعُ مُمَاسَّةَ اللَّحْمِ الْجِلْدَ فَلَا يَنْجُسُ ، وَبِهِ أَخَذَ الْمُحَقِّقُونَ مِنْ أَصْحَابِنَا وَأَبُو جَعْفَرٍ وَالنَّاطِفِيُّ وَشَيْخُ الْإِسْلَامِ خُوَاهَرْ زَادَهْ وَقَاضِي خَانْ وَفِي الْخُلَاصَةِ وَهُوَ الْمُخْتَارُ ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ يَطْهُرُ لَحْمُهُ وَإِنْ لَمْ يَحِلَّ الْأَكْلُ بِدَلِيلِ أَنَّ جِلْدَهُ يَطْهُرُ بِالذَّكَاةِ وَالْجِلْدُ مُتَّصِلٌ بِاللَّحْمِ ، وَبِهِ أَخَذَ الْمُصَنِّفُ وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ وَفِي الْقُنْيَةِ قَالَ الْكَرَابِيسِيُّ وَالْقَاضِي عَبْدُ الْجَبَّارِ : مَجُوسِيٌّ ذَبَحَ حِمَارًا قِيلَ لَا يَطْهُرُ وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ يَطْهُرُ ا هـ كَاكِيٌّ قَالَ فِي شَرْحِ الْوِقَايَةِ وَإِنْ كَانَتْ بِالتُّرَابِ أَوْ بِالشَّمْسِ يَطْهُرُ إذَا يَبِسَ ثُمَّ بِإِصَابَةِ الْمَاءِ هَلْ يَعُودُ نَجِسًا فَعَنْ أَبِي حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ رِوَايَتَانِ وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ إنْ صَارَ بِالشَّمْسِ بِحَيْثُ لَوْ تُرِكَ لَمْ يَفْسُدْ كَانَ دِبَاغًا ا هـ وَقَالَ

الْعَيْنِيُّ فِي شَرْحِ الْمَجْمَعِ فَلَوْ أَصَابَهَا مَاءٌ أَوْ شَيْءٌ مَائِعٌ بَعْدَ الدِّبَاغَةِ الْحَقِيقِيَّةِ لَا يَعُودُ نَجِسًا وَبَعْدَ الْحُكْمِيَّةِ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ رِوَايَتَانِ ا هـ ( قَوْلُهُ فِي الْمَتْنِ إلَّا جِلْدَ الْخِنْزِيرِ وَالْآدَمِيِّ ) قِيلَ الِاسْتِثْنَاءُ تَكَلُّمٌ بِالْبَاقِي بَعْدَ الثُّنْيَا عِنْدَنَا ، وَاَلَّذِي قِيلَ إذَا طُحِنَ سِنُّ الْآدَمِيِّ مَعَ الْحِنْطَةِ لَمْ تُؤْكَلْ فَذَلِكَ لِحُرْمَةِ الْآدَمِيِّ لَا لِنَجَاسَتِهِ ، وَالْجَوَابُ عَنْ تَعَلُّقِهِمْ بِقَوْلِهِ تَعَالَى { حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ الْمَيْتَةُ } مَا قَالَهُ الْعَلَّامَةُ الْمَيْتَةُ مَا فَارَقَهُ الرُّوحُ بِلَا ذَكَاةٍ وَلَا رُوحَ لِهَذِهِ الْأَشْيَاءِ فَلَمْ تَدْخُلْ تَحْتَ التَّحْرِيمِ ا هـ كَاكِيٌّ وَإِنَّمَا أَخَّرَهُ ؛ لِأَنَّ الْمَوْضِعَ مَوْضِعُ إهَانَةٍ كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى { لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ } ا هـ ع ( قَوْلُهُ إذَا دُبِغَ طَهِرَ ) قِيلَ لَا يُحْكَمُ بِطَهَارَتِهِ لِئَلَّا يُسْتَعْمَلَ كَرَامَةً لَهُ ا هـ يَحْيَى ( قَوْلُهُ ذَكَرَهُ فِي الْغَايَةِ ) ، قَالَ الرَّازِيّ وَجِلْدُ الْآدَمِيِّ إنْ لَمْ يَحْتَمِلْ الدِّبَاغَ فَطَاهِرٌ ، وَإِنْ احْتَمَلَهُ طَهُرَ لَكِنْ لَا يَحِلُّ سَلْخُهُ وَدَبْغُهُ وَابْتِذَالُهُ احْتِرَامًا لَهُ انْتَهَى فَحَاصِلُ هَذَا الْكَلَامِ مَا عَدَا هَذَيْنِ الْإِهَابَيْنِ يَطْهُرُ بِالدِّبَاغِ ، وَهُوَ سَاكِتٌ عَنْهُمَا فَلَيْسَ فِيهِ الْحُكْمُ بِنَجَاسَتِهِمَا فَكَيْفَ فَهِمَهُ الشَّارِحُ وَاشْتَغَلَ بِالِاسْتِدْلَالِ عَلَيْهِ أَقُولُ الْمَفْهُومُ فِي الرِّوَايَاتِ مُعْتَبَرٌ عِنْدَنَا فَيُفْهَمُ الْحُكْمُ بِنَجَاسَتِهِمَا بِطَرِيقِ الْمَفْهُومِ ا هـ يَحْيَى

قَالَ رَحِمَهُ اللَّهُ ( وَشَعْرُ الْإِنْسَانِ وَالْمَيْتَةِ وَعَظْمُهُمَا طَاهِرَانِ ) لِمَا رُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَنَّهُ قَالَ { سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ أَلَا كُلُّ شَيْءٍ مِنْ الْمَيْتَةِ حَلَالٌ إلَّا مَا أُكِلَ مِنْهَا } { وَكَانَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُشْطٌ مِنْ عَاجٍ } ، وَلِأَنَّهُ { عَلَيْهِ السَّلَامُ نَاوَلَ شَعْرَهُ أَبَا طَلْحَةَ فَقَسَمَهُ بَيْنَ النَّاسِ } وَلَوْ كَانَ نَجِسًا لَمَا فَعَلَ ذَلِكَ ، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ هُمَا نَجِسَانِ وَالْحُجَّةُ عَلَيْهِ مَا رَوَيْنَا وَلِأَنَّهُ لَا حَيَاةَ فِيهِمَا حَتَّى لَا يَتَأَلَّمُ الْحَيَوَانُ بِقَطْعِهِمَا فَلَا يُحِلُّهُمَا الْمَوْتُ وَأَرَادَ بِالْمَيْتَةِ غَيْرَ الْخِنْزِيرِ ، وَأَمَّا الْخِنْزِيرُ فَجَمِيعُ أَجْزَائِهِ نَجِسُ الْعَيْنِ خِلَافًا لِمُحَمَّدٍ فِي شَعْرِهِ ، وَهُوَ يَقُولُ إنَّ حَلَّ الِانْتِفَاعِ بِهِ يَدُلُّ عَلَى طَهَارَتِهِ وَلَنَا أَنَّهُ نَجِسُ الْعَيْنِ إذْ الْهَاءُ فِي قَوْله تَعَالَى { فَإِنَّهُ رِجْسٌ } مُنْصَرِفٌ إلَيْهِ وَهُوَ يَشْمَلُ جَمِيعَ أَجْزَائِهِ ، وَجَوَازُ الِانْتِفَاعِ بِهِ لِلْأَسَاكِفَةِ لِلضَّرُورَةِ وَلَا ضَرُورَةَ فِي غَيْرِهِ فَبَقِيَ عَلَى أَصْلِهِ ، وَلَبَنُ الْمَيْتَةِ وَبَيْضُهَا وَعَصَبُهَا وَإِفْحَتُهَا الصُّلْبَةُ طَاهِرَةٌ ؛ لِأَنَّ اللَّبَنَ لَا يَمُوتُ وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ : لَا يُشْرَبُ اللَّبَنُ لِأَنَّهُ فِي وِعَاءِ الْمَيْتَةِ وَكَذَا الْبَيْضُ إنْ كَانَ مَائِعًا لَا يَأْكُلُهُ وَنَافِجَةُ الْمِسْكِ إنْ كَانَتْ بِحَالٍ لَوْ أَصَابَهَا الْمَاءُ لَمْ تَفْسُدْ فَهِيَ طَاهِرَةٌ ، وَالْأَصَحُّ أَنَّهَا طَاهِرَةٌ بِكُلِّ حَالٍ وَمِنْ الذَّكِيَّةِ طَاهِرَةٌ بِالِاتِّفَاقِ .

( قَوْلُهُ وَلَبَنُ الْمَيْتَةِ ) ذَائِبًا كَانَ أَوْ جَامِدًا ا هـ كَاكِيٌّ ( قَوْلُهُ وَإِنْفَحَتُهَا ) بِكَسْرِ الْهَمْزَةِ وَفَتْحِ الْفَاءِ وَتَخْفِيفِ الْحَاءِ أَوْ تَشْدِيدِهَا شَيْءٌ يُسْتَخْرَجُ مِنْ بَطْنِ الْجَدْيِ أَصْفَرُ يُعْصَرُ فِي صُوفَةٍ مُبْتَلَّةٍ فِي اللَّبَنِ فَيَغْلُظُ كَالْجُبْنِ وَلَا تَكُونُ إلَّا لِذِي كَرِشٍ ، وَقِيلَ مِنْ نَفْسِ الْكَرِشِ إلَّا أَنَّهُ يُسَمَّى إنْفَحَةً مَا دَامَ رَضِيعًا ، وَإِنْ رَعَى الْعُشْبَ سُمِّيَ كَرِشًا ، وَيُقَالُ الْمِنْفَحَةُ أَيْضًا كَذَا فِي الْمُغْرِبِ ، وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ لَا يَشْرَبُ اللَّبَنَ أَيْ وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ إنْ كَانَ جَامِدًا يُغْسَلُ وَيُؤْكَلُ ا هـ كَاكِيٌّ ( قَوْلُهُ وَالْأَصَحُّ أَنَّهَا طَاهِرَةٌ بِكُلِّ حَالٍ ) قَالَ صَدْرُ الشَّرِيعَةِ فِي شَرْحِ الْوِقَايَةِ وَالصَّحِيحُ فِي نَافِجَةِ الْمِسْكِ جَوَازُ الصَّلَاةِ مَعَهَا مِنْ غَيْرِ فَصْلٍ ا هـ .

قَالَ رَحِمَهُ اللَّهُ ( وَتُنْزَحُ الْبِئْرُ بِوُقُوعِ نَجِسٍ ) أَسْنَدَ الْفِعْلَ إلَى الْبِئْرِ وَالْمُرَادُ مَاؤُهَا إطْلَاقًا لِاسْمِ الْمَحَلِّ عَلَى الْحَالِّ كَقَوْلِهِمْ جَرَى الْمِيزَابُ وَسَالَ الْوَادِي وَأَكَلَ الْقِدْرَ ، وَالْمُرَادُ مَا حَلَّ فِيهَا وَأَطْلَقَ النَّزْحَ وَلَمْ يُقَدِّرْهُ بِشَيْءٍ لِأَنَّهُ لَمْ يُعَيِّنْ مَا وَقَعَ فِيهَا مِنْ النَّجَاسَةِ ، فَأَيُّ نَجِسٍ وَقَعَ فِيهَا يُوجِبُ نَزْحَهَا وَهُوَ عَلَى ثَلَاثِ مَرَاتِبَ ، إمَّا أَنْ يُوجِبَ نَزْحَ الْجَمِيعِ أَوْ عِشْرِينَ دَلْوًا أَوْ أَرْبَعِينَ عَلَى مَا يَأْتِي بَيَانُهُ إنْ شَاءَ اللَّهُ ، وَمَا قَالَهُ بَعْضُهُمْ فِي الْحَلَمَةِ يُنْزَحُ عَشْرُ دِلَاءٍ لَيْسَ بِقَوِيٍّ لِعَدَمِ النَّقْلِ بِالتَّقْدِيرِ بِأَقَلَّ مِنْ ذَلِكَ وَلِهَذَا يُنْزَحُ مِنْ ذَنَبِ الْفَأْرَةِ الْمُنْقَطِعِ الْمُشَمَّعِ عِشْرُونَ ؛ لِأَنَّهُ أَقَلُّ مَا جَاءَ فِيهِ التَّقْدِيرُ ثُمَّ مَسَائِلُ الْبِئْرِ مَبْنِيَّةٌ عَلَى اتِّبَاعِ الْآثَارِ ؛ لِأَنَّ الْأَقْيِسَةَ فِيهَا مُتَعَارِضَةٌ فَفِي قِيَاسٍ يَجِبُ أَنْ لَا تَطْهُرَ أَبَدًا ، وَهُوَ قَوْلُ بِشْرٍ الْمَرِيسِيِّ لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ غَسْلُ حِجَارَتِهَا وَحِيطَانِهَا وَفِي قِيَاسٍ آخَرَ يَجِبُ أَنْ لَا تُنَجَّسَ وَهُوَ مَا رُوِيَ عَنْ مُحَمَّدٍ أَنَّهُ قَالَ اتَّفَقَ رَأْيِي وَرَأْيُ أَبِي يُوسُفَ أَنَّ مَاءَ الْبِئْرِ فِي حُكْمِ الْمَاءِ الْجَارِي لِأَنَّهُ يَنْبُعُ مِنْ أَسْفَلِهَا ، وَيُؤْخَذُ مِنْ أَعْلَاهَا فَلَا تَتَنَجَّسُ بِوُقُوعِ النَّجَاسَةِ فِيهَا كَحَوْضِ الْحَمَّامِ إذَا كَانَ الْمَاءُ يَنْصَبُّ فِيهِ مِنْ أَعْلَاهُ وَيُغْتَرَفُ مِنْ أَسْفَلِهِ لَا يَتَنَجَّسُ بِإِدْخَالِ الْيَدِ النَّجِسَةِ فِيهِ بِلَا خِلَافٍ فَتَرَكْنَا الْقِيَاسَ وَأَخَذْنَا بِالْأَثَرِ ، وَهُوَ فِي الْمَقَادِيرِ كَالْخَبَرِ قَالَ رَحِمَهُ اللَّهُ ( لَا بِبَعْرَتَيْ إبِلٍ وَغَنَمٍ وَخُرْءِ حَمَّامٍ وَعُصْفُورٍ ) أَيْ لَا يَجِبُ النَّزْحُ بِوُقُوعِ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ فِيهَا ، أَمَّا الْبَعْرُ فَلِلضَّرُورَةِ ؛ لِأَنَّ الْآبَارَ فِي الْفَلَوَاتِ لَيْسَ لَهَا رُؤْسٌ حَاجِزَةٌ وَالْإِبِلُ وَالْغَنَمُ تَبْعَرُ حَوْلَهَا فَتُلْقِيهِ الرِّيحُ فِيهَا فَلَوْ

أَفْسَدَ الْقَلِيلُ الْمَاءَ لَزِمَ الْحَرَجُ وَهُوَ مَدْفُوعٌ فَعَلَى هَذَا لَا فَرْقَ بَيْنَ الرَّطْبِ وَالْيَابِسِ وَالصَّحِيحِ وَالْمُتَكَسِّرِ وَالْبَعْرِ وَالْخِثْيِ وَالرَّوْثِ لِشُمُولِ الضَّرُورَةِ ، وَبَعْضُهُمْ يُفَرَّقُ وَالظَّاهِرُ الْأَوَّلُ وَكَذَا لَا فَرْقَ بَيْنَ آبَارِ الْمِصْرِ وَالْفَلَوَاتِ فِي الصَّحِيحِ لِمَا قُلْنَا ، ثُمَّ اخْتَلَفُوا فِي الْفَاصِلِ بَيْنَ الْقَلِيلِ وَالْكَثِيرِ فَقِيلَ الثَّلَاثُ كَثِيرٌ ، وَإِلَى هَذَا أَشَارَ فِي الْكِتَابِ بِقَوْلِهِ بَعْرَتَيْ إبِلٍ وَاسْتَدَلَّ عَلَيْهِ بِأَنَّ مُحَمَّدًا قَالَ فِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ فَإِنْ وَقَعَتْ فِيهَا بَعْرَةٌ أَوْ بَعْرَتَانِ لَمْ يَفْسُدْ الْمَاءُ ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّ الثَّلَاثَ تَفْسُدُ وَهَذَا لَيْسَ بِقَوِيٍّ لِأَنَّهُ ذَكَرَ فِيهِ إنْ وَقَعَتْ فِيهَا بَعْرَةٌ أَوْ بَعْرَتَانِ لَا تُفْسِدُهُ حَتَّى تَفْحُشَ وَالثَّلَاثُ لَيْسَ بِفَاحِشٍ وَرُوِيَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّ الْكَثِيرَ مَا يَسْتَكْثِرُهُ النَّاظِرُ ، وَالْقَلِيلَ مَا يَسْتَقِلُّهُ وَعَلَيْهِ الِاعْتِمَادُ وَقِيلَ الْكَثِيرُ مَا يُغَطِّي وَجْهَ الْمَاءِ كُلِّهِ ، وَقِيلَ مَا لَا يَخْلُو فِيهِ كُلُّ دَلْوٍ عَنْ بَعْرَةٍ ، وَالشَّاةُ تَبْعَرُ فِي الْمِحْلَبِ إنْ رَمَى مِنْ سَاعَتِهِ لَا يُنَجَّسُ لِلضَّرُورَةِ ، وَلَوْ وَقَعَتْ النَّجَاسَةُ فِي الْإِنَاءِ لَا يُعْفَى { لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ فِي فَأْرَةٍ مَاتَتْ فِي السَّمْنِ إنْ كَانَ جَامِدًا فَأَلْقُوهَا وَمَا حَوْلَهَا ، وَإِنْ كَانَ مَائِعًا فَلَا تَقْرَبُوهُ } وَأَمَّا خُرْءُ الْحَمَامِ وَالْعُصْفُورِ فَلَيْسَ بِنَجِسٍ لِعَدَمِ الِاسْتِحَالَةِ إلَى الْفَسَادِ وَلِإِجْمَاعِ الْمُسْلِمِينَ عَلَى اقْتِنَاءِ الْحَمَامَاتِ فِي الْمَسَاجِدِ .

قَوْلُهُ وَتُنْزَحُ الْبِئْرُ ) أَيْ بَعْدَ إخْرَاجِهِ ا هـ ع ( قَوْلُهُ إمَّا أَنْ يُوجِبَ ) أَيْ الْوُقُوعُ ا هـ ( قَوْلُهُ فِي الْحَلَمَةِ ) الْحَلَمَةُ الْقُرَادُ الضَّخْمُ الْغَلِيظُ ا هـ ( قَوْلُهُ يُنْزَحُ عَشْرُ دِلَاءٍ ) نَقَلَ الْكَاكِيُّ عَنْ التُّمُرْتَاشِيِّ أَنَّهُ يُنْزَحُ فِي وَلَدِ الْفَأْرَةِ وَالْحَلَمَةِ عِشْرُونَ ا هـ ( قَوْلُهُ كَحَوْضِ الْحَمَّامِ ) فِي مُنْيَةِ الْمُصَلِّي وَفِي نَوَادِرِ الْمُعَلَّى عَنْ أَبِي يُوسُفَ مَاءُ الْحَمَّامِ بِمَنْزِلَةِ الْمَاءِ الْجَارِي إذَا أَدْخَلَ يَدَهُ وَفِي يَدِهِ قَذَرٌ لَمْ يَتَنَجَّسْ وَاخْتَلَفَ الْمُتَأَخِّرُونَ فِي بَيَانِ هَذَا الْقَوْلِ قَالَ بَعْضُهُمْ : مُرَادُهُ حَالَةٌ مَخْصُوصَةٌ وَهُوَ مَا إذَا كَانَ الْمَاءُ يَجْرِي مِنْ الْأُنْبُوبِ إلَى حَوْضِ الْحَمَّامِ ، وَالنَّاسُ يَغْتَرِفُونَ غَرْفًا مُتَدَارِكًا ، وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ هُوَ عِنْدَهُ بِمَنْزِلَةِ الْمَاءِ الْجَارِي عَلَى كُلِّ حَالٍ لِأَجْلِ الضَّرُورَةِ أَلَا تَرَى أَنَّ الْحَوْضَ الْكَبِيرَ أُلْحِقَ بِالْمَاءِ الْجَارِي عَلَى كُلِّ حَالٍ لِلضَّرُورَةِ ا هـ قَالَ الْعَلَّامَةُ شَمْسُ الدِّينِ بْنُ أَمِيرِ حَاجٍّ رَحِمَهُ اللَّهُ فِي شَرْحِهِ عَقِبَ هَذِهِ الْمَقَالَةِ الْجُمْلَةُ مِنْ الذَّخِيرَةِ وَفِي شَرْحِ الزَّاهِدِيِّ حَوْضُ الْحَمَّامِ بِمَنْزِلَةِ الْمَاءِ الْجَارِي عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ ، قِيلَ عَلَى الْإِطْلَاقِ وَالْأَصَحُّ إنْ كَانَ يَدْخُلُ الْمَاءُ مِنْ الْأُنْبُوبِ وَالْغَرْفُ مُتَدَارَكٌ فَهُوَ كَالْجَارِي ، وَتَفْسِيرُ الْغَرْفِ الْمُتَدَارَكِ أَنْ لَا يَسْكُنَ وَجْهُ الْمَاءِ بَيْنَ الْغَرْفَتَيْنِ ، وَعَزَا فِي الْحَاوِي الْقُدْسِيِّ مَا ذَكَرَ الزَّاهِدِيُّ أَنَّهُ الْأَصَحُّ إلَى أَبِي يُوسُفَ قَالَ وَعَلَيْهِ الْفَتْوَى ا هـ مَا قَالَهُ ابْنُ أَمِيرِ حَاجٍّ وَقَالَ قَاضِي خَانْ فِي فَتَاوَاهُ : مَاءُ حَوْضِ الْحَمَّامِ طَاهِرٌ عِنْدَهُمْ مَا لَمْ يُعْلَمْ ( قَوْلُهُ لَا يَجِبُ النَّزْحُ بِوُقُوعِ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ فِيهَا ) وَلَوْ وَقَعَتْ هَذِهِ الْأَشْيَاءُ فِي جُبٍّ أُهْرِيقَ الْمَاءُ كُلُّهُ ، كَذَا نَقَلَهُ الْكَاكِيُّ عَنْ الْمَبْسُوطِ قَالَ فِي زَادِ الْفَقِيرِ لِلْعَلَّامَةِ الْكَمَالِ

رَحِمَهُ اللَّهُ وَلَوْ وَقَعَ فِيهَا خُرْءُ مَا يُؤْكَلُ لَحْمُهُ مِنْ الطُّيُورِ لَا يَفْسُدُ الْمَاءُ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِنَجِسٍ فَلَا يَتَنَجَّسُ الثَّوْبُ أَيْضًا فَاعْلَمْهُ إلَّا الدَّجَاجَةَ وَالْبَطَّ وَالْإِوَزَّ ، وَخُرْءُ مَا لَا يُؤْكَلُ لَحْمُهُ مِنْ الطَّيْرِ لَا يَنْجُسُ ، وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ يَتَنَجَّسُ وَعَلَى هَذَا حَالُ الثَّوْبِ فِيهِ ا هـ ( قَوْلُهُ لِمَا قُلْنَا ) أَيْ مِنْ شُمُولِ الضَّرُورَةِ ا هـ ( قَوْلُهُ إنْ رَمَى ) أَيْ قَبْلَ التَّفَتُّتِ لَا يَنْجُسُ ا هـ ظَهِيرِيَّةٌ

قَالَ رَحِمَهُ اللَّهُ ( وَبَوْلُ مَا يُؤْكَلُ لَحْمُهُ نَجِسٌ ) وَقَالَ مُحَمَّدٌ هُوَ طَاهِرٌ لِمَا رُوِيَ مِنْ قِصَّةِ { الْعُرَنِيِّينَ أَنَّهُمْ اجْتَوَوْا الْمَدِينَةَ فَأَمَرَهُمْ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ أَنْ يَشْرَبُوا مِنْ أَبْوَالِ الْإِبِلِ وَأَلْبَانِهَا } وَلَهُمَا قَوْلُهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ { اسْتَنْزِهُوا الْبَوْلَ فَإِنَّ عَامَّةَ عَذَابِ الْقَبْرِ مِنْهُ } وَلِأَنَّهُ يَسْتَحِيلُ إلَى نَتْنٍ وَفَسَادٍ فَأَشْبَهَ الْبَعْرَ ، ثُمَّ لَوْ وَقَعَ فِي الْبِئْرِ تَنَجَّسَ الْبِئْرُ وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ هُوَ طَهُورٌ مَا لَمْ يَغْلِبْ فَإِنْ غَلَبَ حَتَّى فَحَشَ فَهُوَ طَاهِرٌ غَيْرُ طَهُورٍ كَسَائِرِ الْمَائِعَاتِ الطَّاهِرَةِ إذَا اخْتَلَطَتْ بِالْمَاءِ قَالَ رَحِمَهُ اللَّهُ ( لَا مَا لَمْ يَكُنْ حَدَثًا ) أَيْ مَا يَخْرُجُ مِنْ بَدَنِ الْإِنْسَانِ إذَا لَمْ يَكُنْ حَدَثًا لَا يَكُونُ نَجِسًا كَالْقَيْءِ الْقَلِيلِ وَالدَّمِ إذَا لَمْ يَسِلْ ، وَهُوَ مَحْكِيٌّ عَنْ ابْنِ عُمَرَ مَرْوِيٌّ عَنْ أَبِي يُوسُفَ وَقَالَ مُحَمَّدٌ إنَّهُ نَجِسٌ لِأَنَّهُ دَمٌ وَإِنْ قَلَّ فَيَكُونُ نَجِسًا وَأَبُو يُوسُفَ رَحِمَهُ اللَّهُ يَقُولُ النَّجِسُ هُوَ الدَّمُ الْمَسْفُوحُ فَمَا لَا يَكُونُ سَائِلًا لَا يَكُونُ نَجِسًا كَدَمِ الْبَعُوضِ وَالدِّمَاءِ الَّتِي تَبْقَى فِي الْعُرُوقِ بَعْدَ الذَّبْحِ قَالَ رَحِمَهُ اللَّهُ ( وَلَا يُشْرَبُ أَصْلًا ) أَيْ بَوْلُ مَا يُؤْكَلُ لَحْمُهُ لَا يُشْرَبُ أَصْلًا لَا لِلتَّدَاوِي وَلَا لِغَيْرِهِ لِأَنَّهُ نَجِسٌ ، وَالتَّدَاوِي بِالطَّاهِرِ الْحَرَامِ كَلَبَنِ الْأَتَانِ لَا يَجُوزُ فَمَا ظَنُّك بِالنَّجِسِ ، وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ يَجُوزُ لِلتَّدَاوِي لِقِصَّةِ الْعُرَنِيِّينَ وَقَالَ مُحَمَّدٌ يَجُوزُ لِلتَّدَاوِي وَلِغَيْرِهِ لِطَهَارَتِهِ عِنْدَهُ ، وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ التَّدَاوِيَ بِالْمُحَرَّمِ لَا يَجُوزُ وَقَوْلُ مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللَّهُ مُشْكِلٌ ؛ لِأَنَّ كَثِيرًا مِنْ الطَّاهِرِ لَا يَجُوزُ شُرْبُهُ ، وَقَوْلُ أَبِي يُوسُفَ رَحِمَهُ اللَّهُ أَشَدُّ إشْكَالًا .

( قَوْلُهُ وَبَوْلُ مَا يُؤْكَلُ نَجِسٌ ) أَيْ عِنْدَهُمَا ا هـ ( قَوْلُهُ وَقَالَ مُحَمَّدٌ هُوَ طَاهِرٌ ) وَبِهِ قَالَ زُفَرُ وَمَالِكٌ وَأَحْمَدُ وَالزُّهْرِيُّ وَعَطَاءٌ وَالثَّوْرِيُّ ا هـ كَاكِيٌّ ( قَوْلُهُ { اسْتَنْزِهُوا الْبَوْلَ } ) الْحَدِيثَ الَّذِي ذَكَرَهُ فِي الْهِدَايَةِ وَالْكَافِي { اسْتَنْزِهُوا مِنْ الْبَوْلِ } قَالَ فِي مِعْرَاجِ الدِّرَايَةِ فِي بَعْضِ نُسَخِ الْأَحَادِيثِ عَنْ مَكَان مِنْ وَفِي الْمُغْرِبِ وَأَمَّا قَوْلُهُمْ اسْتَنْزِهُوا الْبَوْلَ لَحْنٌ ا هـ فَالْبَوْلُ عَامٌّ يَتَنَاوَلُ بَوْلَ مَا يُؤْكَلُ وَبَوْلَ مَا لَا يُؤْكَلُ وَالْعَامُّ الْمُتَّفَقُ عَلَى قَبُولِهِ أَوْلَى مِنْ الْخَاصِّ الْمُخْتَلَفِ فِي قَبُولِهِ ؛ لِأَنَّ مَتْنَهُ أَقْوَى فَصَارَ كَعَامِّ الْكِتَابِ ، وَالْخَاصُّ مِنْ خَبَرِ الْوَاحِدِ وَلِأَنَّهُ ذُكِرَ فِي رِوَايَةِ أَنَسٍ الْأَلْبَانُ دُونَ الْأَبْوَالِ وَالْحَدِيثُ حِكَايَةُ حَالٍ فَمَتَى دَارَ بَيْنَ كَوْنِهِ حُجَّةً وَغَيْرَ حُجَّةٍ سَقَطَ الِاحْتِجَاجُ بِهِ عَلَى أَنَّهُ خَصَّهُمْ بِذَلِكَ لِأَنَّهُ عَرَفَ شِفَاءَهُمْ بِطَرِيقِ الْوَحْيِ وَلَا يُوجَدُ مِثْلُهُ فِي زَمَانِنَا حَتَّى لَوْ تَعَيَّنَ الْحَرَامُ مَدْفَعًا لِلْهَلَاكِ إلَّا أَنْ يَحِلَّ كَالْمَيْتَةِ وَالْخَمْرِ عِنْدَ الضَّرُورَةِ ، وَلِأَنَّهُ عَلِمَ مَوْتَهُمْ مُرْتَدِّينَ وَحَيًّا ، وَلَا يَبْعُدُ أَنْ يَكُونَ شِفَاءُ الْكَافِرِ فِي نَجِسٍ ، وَالْحَدِيثُ مُخْتَصٌّ بِنَا لِمَكَانِ الْخِطَابِ وَلِأَنَّ الْمُحَرَّمَ وَالْمُبِيحَ إذَا وَرَدَا جُعِلَ الْمُحَرَّمُ أَحْيَانًا مُبِيحًا لِئَلَّا يَلْزَمَ النَّسْخُ مَرَّتَيْنِ وَلِأَنَّ فِيهِ مُثْلَةً وَهِيَ مَنْسُوخَةٌ فَتَبَيَّنَ بِهِ أَنَّهُ كَانَ فِي بَدْءِ الْإِسْلَامِ ا هـ كَافِي فَقَدْ أَبَاحَ الْبَوْلَ كَمَا أَبَاحَ اللَّبَنَ وَلَوْ كَانَ نَجِسًا لَمَا أَبَاحَ لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ { إنَّ اللَّهَ لَمْ يَجْعَلْ شِفَاءَكُمْ فِيمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ } كَافِي ( قَوْلُهُ { فَإِنَّ عَامَّةَ عَذَابِ الْقَبْرِ مِنْهُ } ) ثُمَّ وَجْهُ مُنَاسَبَةِ الْقَبْرِ مَعَ اسْتِنْزَاهِ الْبَوْلِ هُوَ أَنَّ الْقَبْرَ أَوَّلُ مَنْزِلٍ مِنْ مَنَازِلِ الْآخِرَةِ ،

وَالطَّهَارَةُ أَوَّلُ مَنْزِلٍ مِنْ مَنَازِلِ الصَّلَاةِ ، وَالِاسْتِنْزَاهُ أَوَّلُ مَنْزِلٍ مِنْ مَنَازِلِ الطَّهَارَةِ ، وَالصَّلَاةُ أَوَّلُ مَا يُحَاسَبُ الْمَرْءُ بِهَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَكَانَتْ الطَّهَارَةُ أَوَّلَ مَا يُعَذَّبُ بِتَرْكِهَا فِي أَوَّلِ مَنْزِلٍ مِنْ مَنَازِلِ الْآخِرَةِ ا هـ كَاكِيٌّ ( قَوْلُهُ وَلِأَنَّهُ يَسْتَحِيلُ إلَى نَتْنٍ وَفَسَادٍ ) قَيَّدَ بِهِمَا احْتِرَازًا عَمَّا لَا نَتْنَ فِيهِ ، فَإِنَّ مَا يُحِيلُهُ الطَّبْعُ عَلَى نَوْعَيْنِ نَوْعٌ تُحِيلُهُ إلَى فَسَادٍ وَهُوَ نَجِسٌ كَالدَّمِ وَالْغَائِطِ وَنَوْعٌ لَا تُحِيلُهُ إلَيْهِ كَالْبَيْضَةِ وَهُوَ لَيْسَ بِنَجِسٍ هَذَا هُوَ الصَّحِيحُ كَذَا ذَكَرَهُ فِي الْأَسْرَارِ ا هـ كَاكِيٌّ ( قَوْلُهُ فَإِنْ غَلَبَ حَتَّى فَحَشَ ) هَذِهِ زِيَادَةٌ فَاسِدَةٌ فَاحِشَةٌ ، قَالَ قَاضِي خَانْ وَزَرْقُ سِبَاعِ الطَّيْرِ يُفْسِدُ الثَّوْبَ إذَا فَحُشَ وَيُفْسِدُ مَاءَ الْأَوَانِي وَلَا يُفْسِدُ مَاءَ الْبِئْرِ ( قَوْلُهُ مَرْوِيٌّ عَنْ أَبِي يُوسُفَ ) أَيْ وَهُوَ الصَّحِيحُ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِنَجِسٍ حُكْمًا إذْ لَمْ تَنْتَقِضْ بِهِ الطَّهَارَةُ فَيَكُونُ طَاهِرًا حُكْمًا ا هـ كَافِي ( قَوْلُهُ وَقَالَ مُحَمَّدٌ إنَّهُ نَجِسٌ ) قَالَ فِي شَرْحِ الْوِقَايَةِ وَعَنْ مُحَمَّدٍ فِي غَيْرِ رِوَايَةِ الْأُصُولِ أَنَّهُ نَجِسٌ لِأَنَّهُ لَا أَثَرَ لِلسَّيَلَانِ فِي النَّجَاسَةِ ، فَإِذَا كَانَ السَّائِلُ نَجِسًا فَغَيْرُ السَّائِلِ يَكُونُ كَذَلِكَ ( قَوْلُهُ لَا لِلتَّدَاوِي ) أَيْ ؛ لِأَنَّ الْحُرْمَةَ ثَابِتَةٌ فَلَا يُعْرِضُ عَنْهَا إلَّا بِتَيَقُّنِ الشِّفَاءِ ، وَلَمْ يُوجَدْ تَيَقُّنُ شِفَاءِ غَيْرِهِمْ ؛ لِأَنَّ الْمَرْجِعَ فِيهِ الْأَطِبَّاءُ وَقَوْلُهُمْ لَيْسَ بِحُجَّةٍ قَطْعِيَّةٍ وَجَازَ أَنْ يَكُونَ شِفَاءُ قَوْمٍ دُونَ قَوْمٍ لِاخْتِلَافِ الْأَمْزِجَةِ ا هـ كَافِي ( قَوْلُهُ وَلِغَيْرِهِ ) أَيْ كَمَا فِي لَبَنِ الْأَتَانِ ا هـ .

قَالَ رَحِمَهُ اللَّهُ ( وَعِشْرُونَ دَلْوًا وَسَطًا بِمَوْتِ نَحْوِ فَأْرَةٍ ) أَيْ يُنْزَحُ عِشْرُونَ دَلْوًا إذَا مَاتَتْ فِيهَا فَأْرَةٌ وَنَحْوُهَا وَقَوْلُهُ وَعِشْرُونَ مَعْطُوفٌ عَلَى الْبِئْرِ ، وَفِيهِ إشْكَالٌ وَهُوَ أَنَّهُ يَصِيرُ مَعْنَاهُ تُنْزَحُ الْبِئْرُ وَعِشْرُونَ دَلْوًا وَأَرْبَعُونَ وَكُلُّهُ فَيَفْسُدُ الْمَعْنَى لِأَنَّهُ يَقْتَضِي نَزْحَ الْبِئْرِ وَعِشْرِينَ دَلْوًا وَلَيْسَ هَذَا بِمُرَادٍ ، وَإِنَّمَا الْمُرَادُ أَنْ تُنْزَحَ الْبِئْرُ إذَا وَقَعَتْ النَّجَاسَةُ فِيهَا ، ثُمَّ ذَلِكَ النَّجِسُ يَنْقَسِمُ إلَى ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ مِنْهُ مَا يُوجِبُ نَزْحَ عِشْرِينَ ، وَمِنْهُ مَا يُوجِبُ نَزْحَ أَرْبَعِينَ وَمِنْهُ مَا يُوجِبُ نَزْحَ الْجَمِيعِ وَلَيْسَ نَزْحُ الْبِئْرِ مُغَايِرًا لِهَذِهِ الثَّلَاثَةِ حَتَّى يُعْطَفَ عَلَيْهَا ، وَإِنَّمَا هُوَ تَفْسِيرٌ وَتَقْسِيمٌ لِذَلِكَ النَّزْحِ الْمُبْهَمِ ، وَلَيْسَ هَذَا مِنْ بَابِ عَطْفِ الْبَعْضِ عَلَى الْكُلِّ أَيْضًا مِثْلُ قَوْله تَعَالَى { فِيهِمَا فَاكِهَةٌ وَنَخْلٌ وَرُمَّانٌ } وَلَا يُقَالُ إنَّهُ أَرَادَ بِالْأَوَّلِ مَا يُوجِبُ نَزْحَ الْجَمِيعِ وَبِالْمَعْطُوفِ مَا يُوجِبُ نَزْحَ الْبَعْضِ لِأَنَّهُ ذَكَرَ بَعْدَ ذَلِكَ مَا يُوجِبُ نَزْحَ الْجَمِيعِ أَيْضًا ، فَلَوْ كَانَ مُرَادُهُ الْجَمِيعَ لَمَا ذَكَرَهُ ثَانِيًا لِكَوْنِهِ تَكْرَارًا مَحْضًا وَلِأَنَّ الْأَوَّلَ لَا يَجُوزُ أَنْ يُحْمَلَ عَلَى نَوْعٍ مِنْ هَذِهِ الْأَنْوَاعِ الثَّلَاثَةِ لِعَدَمِ الْأَوْلَوِيَّةِ فَبَقِيَ عَلَى إطْلَاقِهِ وَقَوْلُهُ بِنَحْوِ فَأْرَةٍ أَيْ بِمَوْتِ فَأْرَةٍ يُنْزَحُ عِشْرُونَ لِمَا رُوِيَ عَنْ أَنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ يُنْزَحُ فِي الْفَأْرَةِ عِشْرُونَ دَلْوًا وَالْعُصْفُورَةُ وَنَحْوُهَا تُعَادِلُ الْفَأْرَةَ فِي الْجُثَّةِ فَأَخَذَتْ حُكْمَهَا ، وَإِنْ وَقَعَ فِيهَا فَأْرَتَانِ أَوْ أَكْثَرُ فَعَنْ أَبِي يُوسُفَ أَنَّ الْأَرْبَعَ كَفَارَةٍ وَاحِدَةٍ وَالْخَمْسَ كَالدَّجَاجَةِ إلَى تِسْعٍ وَالْعَشْرَ كَالشَّاةِ وَعَنْ مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللَّهُ أَنَّ فِي الْفَأْرَتَيْنِ إذَا كَانَتَا كَهَيْئَةِ الدَّجَاجَةِ يُنْزَحُ أَرْبَعُونَ وَفِي الْهِرَّتَيْنِ يُنْزَحُ مَاؤُهَا

كُلُّهُ وَلَوْ كَانَتْ الْفَأْرَةُ مَجْرُوحَةً نُزِحَ جَمِيعُ الْمَاءِ لِأَجْلِ الدَّمِ وَلَا يُعْتَدُّ بِالنَّزْحِ قَبْلَ إخْرَاجِ الْفَأْرَةِ وَلَوْ صُبَّ دَلْوٌ مِنْهَا فِي بِئْرٍ طَاهِرَةٍ نُزِحَ الْمَصْبُوبُ وَقَدْرُ مَا بَقِيَ بَعْدَ تِلْكَ الدَّلْوِ فِي رِوَايَةِ أَبِي حَفْصٍ وَفِي رِوَايَةِ أَبِي سُلَيْمَانَ يُنْزَحُ قَدْرُ الْبَاقِي بَعْدَ الْمَصْبُوبِ لَا غَيْرُ مِثَالُهُ لَوْ صَبَّ الدَّلْوَ الْعَاشِرَ نَزَحَ أَحَدَ عَشَرَ دَلْوًا فِي رِوَايَةِ أَبِي حَفْصٍ الْعَشَرَةُ الَّتِي بَقِيَتْ وَالدَّلْوُ الْمَصْبُوبُ لِأَنَّهُ بِمَنْزِلَةِ الْفَأْرَةِ فَلَا بُدَّ مِنْ إخْرَاجِهِ ، وَفِي رِوَايَةِ أَبِي سُلَيْمَانَ يُنْزَحُ عَشْرُ دِلَاءٍ ، وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ وَلَوْ صَبَّ مَاءَ بِئْرٍ نَجِسَةٍ فِي بِئْرٍ أُخْرَى وَهِيَ نَجِسَةٌ أَيْضًا يَنْظُرُ بَيْنَ الْمَصْبُوبِ وَبَيْنَ الْوَاجِبِ فِيهَا أَيُّهُمَا كَانَ أَكْثَرَ أَغْنَى عَنْ الْأَقَلِّ فَإِنْ كَانَا سَوَاءً فَنَزْحُ إحْدَاهُمَا يَكْفِي مِثَالُهُ بِئْرَانِ مَاتَتْ فِي كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا فَأْرَةٌ فَنَزَحَ مِنْ إحْدَاهُمَا عَشْرَ دِلَاءٍ مَثَلًا وَصَبَّ فِي الْأُخْرَى يُنْزَحُ عِشْرُونَ وَلَوْ صُبَّ دَلْوٌ وَاحِدَةٌ فَكَذَلِكَ وَلَوْ مَاتَتْ فَأْرَةٌ فِي بِئْرٍ ثَالِثَةٍ فَصُبَّ فِيهَا مِنْ إحْدَى الْبِئْرَيْنِ عِشْرُونَ وَمِنْ الْأُخْرَى عَشْرَةٌ يُنْزَحُ ثَلَاثُونَ ، وَلَوْ صُبَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا عِشْرُونَ نُزِحَ أَرْبَعُونَ وَيَنْبَغِي أَنْ يُنْزَحَ الْمَصْبُوبُ ثُمَّ الْوَاجِبُ فِيهَا عَلَى رِوَايَةِ أَبِي حَفْصٍ قَوْلُهُ وَسَطًا الْوَسَطُ هِيَ الدَّلْوُ الْمُسْتَعْمَلَةُ فِي كُلِّ بَلَدٍ وَقِيلَ الْمُعْتَبَرُ فِي كُلِّ بِئْرٍ دَلْوُهَا ؛ لِأَنَّهَا أَيْسَرُ عَلَيْهِمْ وَقِيلَ مَا يَسَعُ صَاعًا وَقِيلَ عَشْرَةُ أَرْطَالٍ وَقِيلَ الْكَبِيرُ مَا زَادَ عَلَى الصَّاعِ وَالصَّغِيرُ مَا دُونَ الصَّاعِ وَالْوَسَطُ الصَّاعُ وَلَوْ نَزَحَ بِدَلْوٍ عَظِيمٍ مَرَّةً مِقْدَارَ عِشْرِينَ دَلْوًا جَازَ ، وَقَالَ زُفَرُ لَا يَجُوزُ لِأَنَّهُ بِتَوَاتُرِ الدِّلَاءِ يَصِيرُ كَالْمَاءِ الْجَارِي قُلْنَا قَدْ حَصَلَ الْمَقْصُودُ بِذَلِكَ وَهُوَ إخْرَاجُ قَدْرِ الْوَاجِبِ وَاعْتِبَارُ مَعْنَى

الْجَرَيَانِ سَاقِطٌ ، وَلِهَذَا لَوْ نَزَحَهَا فِي عَشْرَةِ أَيَّامٍ كُلَّ يَوْمٍ دَلْوَيْنِ جَازَ قَالَ رَحِمَهُ اللَّهُ ( وَأَرْبَعُونَ بِنَحْوِ حَمَامَةٍ ) لِمَا رُوِيَ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ فِي الدَّجَاجَةِ تَمُوتُ فِي الْبِئْرِ يُنْزَحُ مِنْهَا أَرْبَعُونَ دَلْوًا ، وَالْحَمَامَةُ وَنَحْوُهَا تُعَادِلُهَا فَأَخَذَتْ حُكْمَهَا ثُمَّ بِطَهَارَةِ الْبِئْرِ يَطْهُرُ الدَّلْوُ وَالرِّشَاءُ وَالْبَكَرَةُ وَنَوَاحِي الْبِئْرِ وَيَدُ الْمُسْتَقِي رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ أَبِي يُوسُفَ ؛ لِأَنَّ نَجَاسَةَ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ بِنَجَاسَةِ الْبِئْرِ فَتَكُونُ طَهَارَتُهَا بِطَهَارَتِهَا نَفْيًا لِلْحَرَجِ كَعُرْوَةِ الْإِبْرِيقِ تَطْهُرُ بِطَهَارَةِ الْيَدِ النَّجِسَةِ فِي الثَّالِثَةِ وَيَدُ الْمُسْتَنْجِي تَطْهُرُ بِطَهَارَةِ الْمَحَلِّ وَكَدَنِّ الْخَمْرِ يَطْهُرُ تَبَعًا إذَا صَارَتْ خَلًّا ، وَقِيلَ لَا تَطْهُرُ الدَّلْوُ فِي حَقِّ بِئْرٍ أُخْرَى كَدَمِ الشَّهِيدِ طَاهِرٌ فِي حَقِّ نَفْسِهِ لَا فِي حَقِّ غَيْرِهِ وَلَا يُحْكَمُ بِطَهَارَةِ الْبِئْرِ مَا لَمْ يَنْفَصِلْ الدَّلْوُ الْأَخِيرُ عَنْ رَأْسِ الْبِئْرِ عِنْدَهُمَا ؛ لِأَنَّ حُكْمَ الدَّلْوِ حُكْمُ الْمُتَّصِلِ بِالْمَاءِ ، وَالْبِئْرِ ، وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ تَطْهُرُ بِالِانْفِصَالِ عَنْ الْمَاءِ وَلَا اعْتِبَارَ بِمَا يَتَقَاطَرُ لِلضَّرُورَةِ وَثَمَرَةُ الْخِلَافِ تَظْهَرُ فِيمَا إذَا انْفَصَلَ الدَّلْوُ الْأَخِيرُ عَنْ الْمَاءِ وَلَمْ يَنْفَصِلْ عَنْ رَأْسِ الْبِئْرِ وَاسْتَقَى مِنْ مَائِهَا رَجُلٌ ، ثُمَّ عَادَ الدَّلْوُ فَعِنْدَهُمَا الْمَاءُ الْمَأْخُوذُ قَبْلَ الْعَوْدِ نَجِسٌ وَعِنْدَهُ طَاهِرٌ قَالَ رَحِمَهُ اللَّهُ ( وَكُلُّهُ بِنَحْوِ شَاةٍ وَانْتِفَاخِ حَيَوَانٍ أَوْ تَفَسُّخِهِ ) أَيْ يَجِبُ نَزْحُ جَمِيعِ الْمَاءِ بِهَذِهِ الْأَشْيَاءِ أَمَّا بِتَفَسُّخِ الْحَيَوَانِ أَوْ انْتِفَاخِهِ فَلِانْتِشَارِ الْبَلَّةِ فِي أَجْزَاءِ الْمَاءِ وَأَمَّا بِنَحْوِ الشَّاةِ فَلِمَا رَوَى الطَّحَاوِيُّ أَنَّ زِنْجِيًّا وَقَعَ فِي بِئْرِ زَمْزَمَ فَمَاتَ فِيهَا فَأَمَرَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَابْنُ الزُّبَيْرِ فَأُخْرِجَ وَأَمَرَا بِهَا أَنْ تُنْزَحَ قَالَ فَغَلَبَتْهُمْ عَيْنٌ جَاءَتْهُمْ مِنْ الرُّكْنِ

فَأَمَرَا بِهَا فَسُدَّتْ بِالْقُبَاطِيِّ وَالْمَطَارِفِ حَتَّى نَزَحُوهَا فَلَمَّا نَزَحُوهَا انْفَجَرَتْ عَلَيْهِمْ وَالصَّحَابَةُ مُتَوَافِرُونَ مِنْ غَيْرِ نَكِيرٍ فَكَانَ إجْمَاعًا ، ثُمَّ مَا كَانَ فَوْقَ الْفَأْرَةِ دُونَ الْحَمَامَةِ يَلْحَقُ بِالْفَأْرَةِ وَمَا كَانَ فَوْقَ الدَّجَاجَةِ دُونَ الشَّاةِ يَلْحَقُ بِالدَّجَاجَةِ ، هَذَا فِيمَا إذَا مَاتَ الْحَيَوَانُ فِيهَا فَأَمَّا إذَا خَرَجَ حَيًّا فَقَدْ اخْتَلَفُوا فِيهِ فَالصَّحِيحُ أَنَّهُ إنْ لَمْ يَكُنْ نَجِسَ الْعَيْنِ وَلَمْ يَكُنْ فِي بَدَنِهِ نَجَاسَةٌ ، وَلَمْ يُدْخِلْ فَاهُ فِي الْمَاءِ لَمْ يَتَنَجَّسْ الْمَاءُ وَإِنْ أَدْخَلَ فَاهُ فِي الْمَاءِ فَمُعْتَبَرٌ بِسُؤْرِهِ فَإِنْ كَانَ سُؤْرُهُ طَاهِرًا فَالْمَاءُ طَاهِرٌ ، وَإِنْ كَانَ نَجِسًا فَالْمَاءُ نَجِسٌ فَيُنْزَحُ كُلُّهُ وَإِنْ كَانَ مَشْكُوكًا فَالْمَاءُ مَشْكُوكٌ فَيُنْزَحُ جَمِيعُهُ وَإِنْ كَانَ مَكْرُوهًا فَمَكْرُوهٌ فَيُسْتَحَبُّ نَزْحُهَا ، وَإِنْ كَانَ نَجِسَ الْعَيْنِ كَالْخِنْزِيرِ فَإِنَّهُ يُنَجِّسُ الْمَاءَ ، وَإِنْ لَمْ يُدْخِلْ فَاهُ ، وَفِي الْكَلْبِ رِوَايَتَانِ بِنَاءً عَلَى أَنَّهُ نَجِسُ الْعَيْنِ أَوَّلًا وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ لَا يَفْسُدُ مَا لَمْ يُدْخِلْ فَاهُ ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِنَجِسِ الْعَيْنِ لِجَوَازِ الِانْتِفَاعِ بِهِ حِرَاسَةً وَاصْطِيَادًا وَإِجَارَةً وَبَيْعًا قَالَ رَحِمَهُ اللَّهُ ( وَمِائَتَانِ لَوْ لَمْ يُمْكِنْ نَزْحُهَا ) أَيْ إذَا وَجَبَ نَزْحُ الْجَمِيعِ وَلَمْ يُمْكِنْ فَرَاغُهَا لِكَوْنِهَا مَعِينًا نُزِحَ مِائَتَا دَلْوٍ وَهُوَ مَرْوِيٌّ عَنْ مُحَمَّدٍ أَفْتَى بِمَا شَاهَدَ فِي بَغْدَادَ ؛ لِأَنَّ آبَارَهَا كَثِيرَةُ الْمَاءِ لِمُجَاوَرَةِ دِجْلَةَ وَذُكِرَ عَنْ أَبِي يُوسُفَ فِيهِ وَجْهَانِ أَحَدُهُمَا أَنْ يَحْفِرَ حَفِيرَةً عُمْقُهَا وَدَوْرُهَا مِثْلُ مَوْضِعِ الْمَاءِ مِنْهَا وَتُجَصَّصُ وَيُصَبُّ فِيهَا فَإِذَا امْتَلَأَتْ فَقَدْ نُزِحَ مَاؤُهَا وَالثَّانِي أَنْ يُرْسِلَ قَصَبَةً فِي الْمَاءِ وَيَجْعَلَ عَلَامَةً لِمَبْلَغِ الْمَاءِ ثُمَّ يَنْزَحُ عَشْرَ دِلَاءٍ مَثَلًا ثُمَّ تُعَادُ الْقَصَبَةُ فَيَنْظُرُ كَمْ انْتَقَصَ فَإِنْ انْتَقَصَ الْعَشْرَ فَهُوَ مِائَةٌ ، وَلَكِنَّ هَذَا لَا

يَسْتَقِيمُ إلَّا إذَا كَانَ دَوْرُ الْبِئْرِ مِنْ أَوَّلِ حَدِّ الْمَاءِ إلَى قَعْرِ الْبِئْرِ مُتَسَاوِيًا ، وَإِلَّا لَا يَلْزَمُ إذَا نَقَصَ شِبْرٌ بِنَزْحِ عَشَرَةٍ مِنْ أَعْلَى الْمَاءِ أَنْ يَنْقُصَ شِبْرٌ بِنَزْحِ مِثْلِهِ مِنْ أَسْفَلِهِ وَرُوِيَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ يُنْزَحُ حَتَّى يَغْلِبَهُمْ الْمَاءُ وَقُدْوَتُهُ فِي اشْتِرَاطِ الْغَلَبَةِ عَلِيٌّ وَابْنُ الزُّبَيْرِ ثُمَّ اخْتَلَفُوا فِي الْغَلَبَةِ قَالَ قَاضِي خَانْ الصَّحِيحُ فِي الْغَلَبَةِ الْعَجْزُ وَقَالَ غَيْرُهُ يُعْتَبَرُ غَلَبَةُ الظَّنِّ لَا غَيْرُهُ ، وَقِيلَ يُؤْتَى بِرَجُلَيْنِ لَهُمَا بَصَارَةٌ بِأَمْرِ الْمَاءِ فَإِذَا قَدَّرَاهُ بِشَيْءٍ وَجَبَ نَزْحُ ذَلِكَ الْقَدْرِ ، وَهُوَ الْأَصَحُّ وَالْأَشْبَهُ بِالْفِقْهِ لِكَوْنِهِمَا نِصَابَ الشَّهَادَةِ الْمُلْزِمَةِ .

( قَوْلُهُ فِي الْمَتْنِ وَعِشْرُونَ دَلْوًا إلَى آخِرِهِ ) وَقَالَ فِي فَتَاوَى قَاضِي خَانْ رَحِمَهُ اللَّهُ إذَا وَقَعَ فِي الْبِئْرِ سَامٌّ أَبْرَصُ فَمَاتَ يُنْزَحُ مِنْهَا عِشْرُونَ دَلْوًا فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ ا هـ وَلَوْ كَانَ الدَّلْوُ مُتَخَرِّقًا يَطْهُرُ إذَا بَقِيَ فِيهِ أَكْثَرُ مَائِهِ ا هـ كَاكِيٌّ قَالَ الْكَمَالُ وَإِذَا لَمْ يُوجَدْ فِي الْبِئْرِ الْقَدْرُ الْوَاجِبُ نُزِحَ مَا فِيهَا فَإِذَا جَاءَ الْمَاءُ بَعْدَهُ لَا يُنْزَحُ مِنْهُ شَيْءٌ ا هـ ( قَوْلُهُ فِي الْمَتْنِ بِنَحْوِ فَأْرَةٍ ) وَالصَّعْوَةُ وَالْعُصْفُورُ بِمَنْزِلَةِ الْفَأْرَةِ لِاسْتِوَائِهِمَا فِي الْجُثَّةِ ا هـ قَاضِي خَانْ ( قَوْلُهُ وَإِنَّمَا هُوَ تَفْسِيرٌ وَتَقْسِيمٌ لِذَلِكَ النَّزْحِ الْمُبْهَمِ ) قَالَ الْعَيْنِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ بَعْدَ أَنْ سَاقَ إشْكَالَ الشَّارِحِ قُلْت هَذَا كُلُّهُ تَعَسُّفٌ ، وَإِنَّمَا فِيهِ حَذْفٌ وَالتَّقْدِيرُ وَيُنْزَحُ مِنْ الْبِئْرِ عِشْرُونَ دَلْوًا عِنْدَ وُقُوعِ نَحْوِ فَأْرَةٍ وَهَذِهِ الْجُمْلَةُ مَعْطُوفَةٌ عَلَى الْجُمْلَةِ الْأُولَى ، وَبَيَّنَ فِي الْجُمْلَةِ الْأُولَى أَنَّ الْحُكْمَ نَزْحُ كُلِّ الْمَاءِ وَفِي الْجُمْلَةِ الْمَعْطُوفَةِ نَزْحُ الْبَعْضِ بِحَسَبِ الْوَاقِعِ ا هـ أَيْ لَيْسَ هَذَا مِنْ بَابِ عَطْفِ فَرْدٍ مِنْ أَفْرَادِ الْكُلِّيِّ عَلَى الْكُلِّيِّ ؛ لِأَنَّ الْمَذْكُورَ هُوَ الْبِئْرُ وَالْمَاءُ الْمَنْزُوحُ بِعِشْرِينَ دَلْوًا لَيْسَ مِنْ أَفْرَادِهِ ، أَقُولُ لَمَّا كَانَ الْمُرَادُ نَزْحَ مَاءِ الْبِئْرِ كَانَ مِنْ أَفْرَادِهِ فَهُوَ نَظِيرُ الْآيَةِ ا هـ يَحْيَى ( قَوْلُهُ قَبْلَ إخْرَاجِ الْفَأْرَةِ ) لِأَنَّهَا سَبَبُ النَّجَاسَةِ وَمَعَ بَقَائِهَا لَا يُمْكِنُ الْحُكْمُ بِالطَّهَارَةِ ا هـ كَاكِيٌّ ( قَوْلُهُ بَعْدَ تِلْكَ الدَّلْوِ ) قَالَ الزَّاهِدِيُّ فَحُكْمُ الْمَصْبُوبِ فِيهِ حُكْمُ مَا قَبْلَ الْإِخْرَاجِ ا هـ ( قَوْلُهُ وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ ) وَعَلَى هَذَا لَوْ صَبَّ الدَّلْوَ الْأَخِيرَ فِي أُخْرَى طَاهِرَةٍ يُنْزَحُ مِنْهَا دَلْوٌ فَقَطْ عَلَى الْقَوْلَيْنِ ا هـ وَبَعْضُهُمْ وَفَّقَ فَقَالَ عَشَرَةٌ سِوَى الْمَصْبُوبِ وَإِحْدَى عَشْرَةَ مَعَ الْمَصْبُوبِ .

ا هـ غَايَةٌ قَالَ قَاضِي خَانْ رَحِمَهُ اللَّهُ فِي فَتَاوِيهِ فَأْرَةٌ مَاتَتْ فِي جُبِّ مَاءٍ فَوَقَعَتْ قَطْرَةٌ مِنْ ذَلِكَ الْمَاءِ فِي بِئْرٍ فَإِنَّهُ يُنْزَحُ مِنْ الْبِئْرِ عِشْرُونَ دَلْوًا أَوْ ثَلَاثُونَ كَأَنَّ الْفَأْرَةَ وَقَعَتْ فِي الْبِئْرِ ، وَإِنْ وَقَعَتْ الْفَأْرَةُ فِي الْجُبِّ وَتَفَسَّخَتْ ثُمَّ صُبَّ قَطْرَةٌ مِنْ ذَلِكَ الْمَاءِ فِي بِئْرٍ فَإِنَّهُ يُنْزَحُ جَمِيعُ الْمَاءِ كَأَنَّ الْفَأْرَةَ وَقَعَتْ فِي الْبِئْرِ وَتَفَسَّخَتْ ( فَرْعٌ ) قَالَ الْوَلْوَالِجِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ جِلْدُ الْإِنْسَانِ إذَا وَقَعَ فِي الْإِنَاءِ أَوْ قِشْرُهُ إنْ كَانَ قَلِيلًا مِثْلُ مَا يَتَنَاثَرُ مِنْ شُقُوقِ الرِّجْلِ وَمَا أَشْبَهَهُ لَا تَفْسُدُ وَإِنْ كَانَ كَثِيرًا تَفْسُدُ وَمِقْدَارُ الظُّفْرِ كَثِيرٌ ؛ لِأَنَّ هَذِهِ مِنْ جُمْلَةِ لَحْمِ الْآدَمِيِّ وَلَوْ وَقَعَ الظُّفْرُ فِي الْمَاءِ لَا يُفْسِدُهُ ا هـ قَالَ قَاضِي خَانْ جِلْدُ الْآدَمِيِّ أَوْ لَحْمُهُ إذَا وَقَعَ فِي الْمَاءِ إنْ كَانَ مِقْدَارَ الظُّفْرِ يُفْسِدُهُ ، وَإِنْ كَانَ دُونَهُ لَا يُفْسِدُهُ ا هـ الْفَأْرَةُ إذَا وَقَعَتْ فِي الْخَمْرِ فَصَارَ خَلًّا إنْ لَمْ تَتَفَسَّخْ وَأُخْرِجَتْ قَبْلَ أَنْ يَصِيرَ خَلًّا جَازَ أَكْلُهُ لِأَنَّهُ لَمْ يَبْقَ جُزْءٌ مِنْهَا فِيهَا ، وَإِنْ تَفَسَّخَ لَا يَجُوزُ أَكْلُهُ لِأَنَّهُ بَقِيَ فِيهَا جُزْءٌ مِنْهَا ا هـ وَلْوَالِجِيٌّ رَحِمَهُ اللَّهُ وَسَيَأْتِي فِي الْأَنْجَاسِ نَقْلًا عَنْ الظَّهِيرِيَّةِ ( قَوْلُهُ مِقْدَارُ عِشْرِينَ دَلْوًا جَازَ ) وَهُوَ أَوْلَى ، وَذَلِكَ لِأَنَّ الْقَدْرَ الَّذِي وَجَبَ إخْرَاجُهُ مِنْهَا قَدْ أُخْرِجَ مَعَ قِلَّةِ مَا يَعُودُ إلَيْهَا مِنْ الْقَطْرِ فَكَانَ أَوْلَى ا هـ أَقْطَعُ ( قَوْلُهُ لِأَنَّهُ بِتَوَاتُرٍ ) وَلَا تَوَاتُرَ فِي دَلْوٍ وَاحِدَةٍ فَلَا يُعْتَبَرُ ا هـ ( قَوْلُهُ كُلَّ يَوْمٍ دَلْوَيْنِ جَازَ ) أَيْ وَلَا تَوَاتُرَ ا هـ ( قَوْلُهُ فَأَخَذَتْ حُكْمَهَا ) فَإِنْ قِيلَ قَدْ مَرَّ أَنَّ مَسَائِلَ الْآبَارِ مَبْنِيَّةٌ عَلَى اتِّبَاعِ الْآثَارِ ، وَالنَّصُّ وَرَدَ فِي الْفَأْرَةِ وَالدَّجَاجَةِ وَالْآدَمِيِّ وَقَدْ قِيسَ مَا عَادَلَهَا بِهَا قُلْنَا

بَعْدَمَا اسْتَحْكَمَ هَذَا الْأَصْلُ صَارَ كَاَلَّذِي ثَبَتَ عَلَى وِفَاقِ الْقِيَاسِ فِي حَقِّ التَّفْرِيعِ عَلَيْهِ كَمَا فِي الْإِجَارَةِ وَسَائِرِ الْعُقُودِ الَّتِي يَأْبَى الْقِيَاسُ جَوَازَهَا إذَا وَرَدَ الشَّرْعُ بِهَا صَارَ بِمَنْزِلَةِ الْعُقُودِ الَّتِي عَلَى وِفَاقِ الْقِيَاسِ فِي حَقِّ التَّفْرِيعِ ، كَذَا فِي الْمُسْتَصْفَى وَالْخَبَّازِيَّةِ وَالْأَوْلَى أَنْ نَقُولَ هَذَا إلْحَاقٌ بِطَرِيقِ الدَّلَالَةِ بِالْقِيَاسِ ا هـ كَاكِيٌّ ( قَوْلُهُ ؛ لِأَنَّ حُكْمَ الدَّلْوِ حُكْمُ الْمُتَّصِلِ بِالْمَاءِ ) بِدَلِيلِ أَنَّ التَّقَاطُرَ فِيهِ جُعِلَ عَفْوًا ، وَلَوْلَا الِاتِّصَالُ لَأَفْسَدَ مَاءَ الْبِئْرِ لِوُقُوعِ النَّجِسِ فَصَارَ بَقَاءُ الِاتِّصَالِ حُكْمًا كَبَقَاءِ الِاتِّصَالِ حَقِيقَةً ا هـ كَافِي ( قَوْلُهُ فِي الْمَتْنِ وَكُلُّهُ بِنَحْوِ شَاةٍ إلَى آخِرِهِ ) وَلَوْ وَجَبَ نَزْحُ مَائِهَا فَغَارَ الْمَاءُ ثُمَّ عَادَ عَادَ نَجِسُهُ ، وَفِي الْجَامِعِ الْأَصْغَرِ قَالَ سَدَّادٌ وَهُوَ ظَاهِرٌ وَفِي الْمُلْتَقَطِ وَهُوَ الصَّحِيحُ ا هـ كَاكِيٌّ وَكَذَا لَوْ غَاضَ الْمَاءُ بِقَدْرِ عِشْرِينَ طَهُرَ الْبَاقِي ا هـ كَاكِيٌّ ، وَقَدْ نَقَلْت هَذَا الْفَرْعَ وَاَلَّذِي قَبْلَهُ فِي بَابِ الْأَنْجَاسِ نَقْلًا عَنْ قَاضِي خَانْ قَوْلُهُ وَإِنْ كَانَ مَكْرُوهًا ) كَسُكَّانِ الْبُيُوتِ وَالسِّنَّوْرِ وَالدَّجَاجَةِ الْمُخْلَاةِ ا هـ كَاكِيٌّ وَفِي الطَّاهِرِ الَّذِي لَمْ يَسْتَنْجِ وَالْحَائِضِ وَالْكَافِرِ وَالذِّمِّيِّ كُلُّهُ ا هـ زَاهِدِيٌّ وَكَاكِيٌّ ( قَوْلُهُ بِنَاءً عَلَى أَنَّهُ نَجِسُ الْعَيْنِ أَوْ لَا ) قَالَ فِي الدِّرَايَةِ ثُمَّ الصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ عِنْدَنَا أَنَّ عَيْنَ الْكَلْبِ نَجِسٌ إلَيْهِ أَشَارَ مُحَمَّدٌ فِي الْكِتَابِ

قَالَ رَحِمَهُ اللَّهُ ( وَنَجَّسَهَا مُنْذُ ثَلَاثٍ فَأْرَةٌ مُنْتَفِخَةٌ جُهِلَ وَقْتُ وُقُوعِهَا ) أَيْ نَجَّسَ الْبِئْرَ مُنْذُ ثَلَاثِ لَيَالٍ فَأْرَةٌ مَيِّتَةٌ لَا يُدْرَى وَقْتُ وُقُوعِهَا وَهِيَ مُنْتَفِخَةٌ وَعَادَةُ الْأَصْحَابِ أَنْ يُقَدِّرُوهُ بِالْأَيَّامِ ، وَهُوَ قَدَّرَهُ بِاللَّيَالِيِ حَيْثُ حَذَفَ التَّاءَ مِنْ الثَّلَاثِ وَلَا فَرْقَ بَيْنَهُمَا فِي الْحَقِيقَةِ لِأَنَّهُ إذَا تَمَّ أَحَدُهُمَا ثَلَاثَةً فَقَدْ تَمَّ الْآخَرُ ، وَقَوْلُهُ نَجَّسَهَا مُنْذُ ثَلَاثٍ يَعْنِي فِي حَقِّ الْوُضُوءِ حَتَّى يَلْزَمَهُمْ إعَادَةُ الصَّلَاةِ إذَا تَوَضَّئُوا مِنْهَا ، وَأَمَّا فِي حَقِّ غَيْرِهِ فَإِنَّهُ يُحْكَمُ بِنَجَاسَتِهَا فِي الْحَالِ مِنْ غَيْرِ إسْنَادٍ لِأَنَّهُ مِنْ بَابِ وُجُودِ النَّجَاسَةِ فِي الثَّوْبِ حَتَّى إذَا كَانُوا غَسَلُوا الثِّيَابَ بِمَائِهَا لَا يَلْزَمُهُمْ إلَّا غَسْلُهَا عَلَى الصَّحِيحِ قَالَ رَحِمَهُ اللَّهُ ( وَإِلَّا مُنْذُ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ ) أَيْ وَإِنْ لَمْ تَنْتَفِخْ نَجِسُهَا مُنْذُ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ وَهَذَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَقَالَا يُحْكَمُ بِنَجَاسَتِهَا وَقْتَ الْعِلْمِ بِهَا وَلَا يَلْزَمُهُمْ إعَادَةُ شَيْءٍ مِنْ الصَّلَوَاتِ وَلَا غَسْلُ مَا أَصَابَهُ مَاؤُهَا وَهُوَ الْقِيَاسُ لِاحْتِمَالِ أَنَّهَا مَاتَتْ فِي الْحَالِ أَوْ أَلْقَاهَا الرِّيحُ بَعْدَ الْمَوْتِ أَوْ بَعْضُ مَنْ لَمْ يَرَ تَنَجُّسَهَا أَوْ أَلْقَاهَا طَيْرٌ كَمَا رُوِيَ عَنْ أَبِي يُوسُفَ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ بِقَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ حَتَّى رَأَى حِدَأَةً وَهُوَ جَالِسٌ فِي الْبُسْتَانِ فِي مِنْقَارِهَا جِيفَةٌ فَطَرَحْتهَا فِي بِئْرٍ فَرَجَعَ عَنْ قَوْلِهِ ، وَلِأَنَّ وُقُوعَهَا فِي الْبِئْرِ حَادِثٌ وَالْأَصْلُ فِي الْحَوَادِثِ أَنْ تُضَافَ إلَى أَقْرَبِ الْأَوْقَاتِ لِلشَّكِّ فِي الْإِسْنَادِ فَصَارَ كَمَنْ رَأَى فِي ثَوْبِهِ نَجَاسَةً لَا يَدْرِي مَتَى أَصَابَتْهُ فَإِنَّهُ لَا يُعِيدُ بِالْإِجْمَاعِ عَلَى الْأَصَحِّ ذَكَرَهُ الْحَاكِمُ الشَّهِيدُ وَوَجْهُ قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ وَهُوَ الِاسْتِحْسَانُ أَنَّ وُقُوعَ الْحَيَوَانِ الدَّمَوِيِّ فِي الْمَاءِ سَبَبٌ لِمَوْتِهِ لَا سِيَّمَا فِي الْبِئْرِ فَيُحَالُ بِهِ عَلَى

السَّبَبِ الظَّاهِرِ دُونَ الْمَوْهُومِ كَالْمَجْرُوحِ إذَا لَمْ يَزَلْ صَاحِبَ فِرَاشٍ حَتَّى مَاتَ يُحَالُ بِهِ عَلَى الْجُرْحِ حَتَّى يَجِبَ مُوجِبُهُ إذْ لَا يَجُوزُ إبْطَالُ السَّبَبِ الظَّاهِرِ بِغَيْرِ الظَّاهِرِ ، وَأَمَّا مَسْأَلَةُ النَّجَاسَةِ فَقَدْ قَالَ الْمُعَلَّى هِيَ عَلَى الْخِلَافِ فَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ يُعِيدُ صَلَاةَ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ وَلَيَالِيهَا فِي الْيَابِسِ وَيَوْمٍ وَلَيْلَةٍ فِي الطَّرِيِّ قِيلَ قَالَهُ مِنْ ذَاتِ نَفْسِهِ ، وَذَكَرَ ابْنُ رُسْتُمَ إنْ وَجَدَ فِي ثَوْبِهِ مَنِيًّا أَعَادَ مِنْ آخِرِ نَوْمَةٍ نَامَهَا لِلشَّكِّ فِيمَا قَبْلَهُ وَفِي الْبَدَائِعِ يُعِيدُ مِنْ آخِرِ مَا احْتَلَمَ فِيهِ ، وَقِيلَ فِي الْبَوْلِ يُعْتَبَرُ مِنْ آخِرِ مَا بَالَ وَفِي الدَّمِ مِنْ آخِرِ مَا رَعَفَ ، وَلَوْ فَتَقَ جُبَّةً فَوَجَدَ فِيهَا فَأْرَةً مَيِّتَةً وَلَمْ يَعْلَمْ مَتَى دَخَلَتْ فِيهَا فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا ثَقْبٌ يُعِيدُ الصَّلَاةَ مُنْذُ يَوْمِ وَضَعَ الْقُطْنَ فِيهَا ، وَإِنْ كَانَ فِيهَا ثَقْبٌ يُعِيدُهَا مُنْذُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ عِنْدَهُ ذَكَرَهُ فِي الْبَدَائِعِ فَإِذَا كَانَ الْوُقُوعُ سَبَبًا لِمَوْتِهِ فَلَا شَكَّ أَنَّ زَمَانَ وُقُوعِهَا سَابِقٌ عَلَى زَمَانِ وُجُودِهَا ، فَقَدَّرَ بِثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْمُنْتَفِخِ لِأَنَّهُ لَا يَنْتَفِخُ إلَّا بَعْدَ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ غَالِبًا وَبِيَوْمٍ وَلَيْلَةٍ فِي غَيْرِ الْمُنْتَفِخِ ؛ لِأَنَّ عَدَمَ الِانْتِفَاخِ دَلِيلُ قُرْبِ الْعَهْدِ وَلِأَنَّ الْحَيَوَانَ إذَا مَاتَ يَنْزِلُ إلَى قَعْرِ الْبِئْرِ ، ثُمَّ يَطْفُو فَلَا بُدَّ لِذَلِكَ مِنْ مُضِيِّ زَمَانٍ وَقُدِّرَ ذَلِكَ بِيَوْمٍ وَلَيْلَةٍ احْتِيَاطًا ؛ لِأَنَّ مَا دُونَهَا سَاعَاتٌ لَا تَنْضَبِطُ .

( قَوْلُهُ وَهُوَ قَدَّرَهُ بِاللَّيَالِيِ إلَى آخِرِهِ ) إنْ قِيلَ لَا دَلَالَةَ فِي حَذْفِ التَّاءِ عَلَى أَنَّ الْمَعْنَى مُؤَنَّثٌ ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ إنَّمَا يَلْزَمُ إذَا ذُكِّرَ الْمَعْدُودُ أَمَّا إذَا لَمْ يُذَكَّرْ فَيُذَكَّرُ مَعَ الْمُذَكَّرِ كَمَا قَيَّدَ بِذَلِكَ بَعْضُ النُّحَاةِ ، وَحِينَئِذٍ فَجَازَ أَنْ يَكُونَ الْمُصَنِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ مَشَى عَلَى مَا مَشَتْ عَلَيْهِ الْأَصْحَابُ مِنْ التَّقْدِيرِ بِالْأَيَّامِ ، قُلْت قَدْ قَالَ الْمُرَادِيُّ فِي شَرْحِ الْأَلْفِيَّةِ : الْفَصِيحُ أَنْ يَكُونَ بِالتَّاءِ لِلْمُذَكَّرِ وَعَدَمِهَا لِلْمُؤَنَّثِ كَمَا لَوْ ذُكِّرَ الْمَعْدُودُ فَتَقُولُ صُمْت خَمْسَةً تُرِيدُ أَيَّامًا وَسِرْت خَمْسًا تُرِيدُ لَيَالِيَ ا هـ وَقَوْلُهُ إذْ لَا فَرْقَ بَيْنَهُمَا فِي الْحَقِيقَةِ قُلْت : لِأَنَّ ذِكْرَ الْأَيَّامِ بِلَفْظِ الْجَمْعِ يُدْخِلُ مَا بِإِزَائِهَا مِنْ اللَّيَالِي ، وَكَذَا ذِكْرُ اللَّيَالِي بِلَفْظِ الْجَمْعِ يُدْخِلُ مَا بِإِزَائِهَا مِنْ الْأَيَّامِ كَمَا ذَكَرَهُ الشَّارِحُ وَغَيْرُهُ فِي الِاعْتِكَافِ ( قَوْلُهُ فِي الْمَتْنِ وَنَجِسُهَا مُنْذُ ثَلَاثٍ ) وَالْمُصَنِّفُ فِي التَّعْبِيرِ بِقَوْلِهِ مُنْذُ ثَلَاثٍ تَابِعٌ لِصَاحِبِ الْمَنْظُومَةِ حَيْثُ قَالَ دَجَاجَةٌ بِهَا انْتِفَاخٌ وُجِدَتْ فِي الْبِئْرِ فَهِيَ مُذْ ثَلَاثٍ فَسَدَتْ قَالَ الْمُصَنِّفُ فِي الْمُصَفَّى قَوْلُهُ فَهِيَ مُذْ ثَلَاثٍ أَيْ ثَلَاثِ لَيَالٍ إذْ لَوْ أُرِيدَ بِهِ الْأَيَّامُ لَقَالَ مُذْ ثَلَاثَةٍ لَكِنَّ اللَّيَالِيَ تَنْتَظِمُ مَا بِإِزَائِهَا مِنْ الْأَيَّامِ كَمَا أَنَّ الْأَيَّامَ تَنْتَظِمُ مَا بِإِزَائِهَا مِنْ اللَّيَالِي كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى { ثَلَاثِ لَيَالٍ سَوِيًّا } وقَوْله تَعَالَى { ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ إلَّا رَمْزًا } وَهَذَا كَقَوْلِهِ تَعَالَى { أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا } أَيْ عَشْرَ لَيَالٍ بِأَيَّامِهَا ا هـ ( قَوْلُهُ حَتَّى إذَا كَانُوا غَسَلُوا ) أَيْ بَعْدَ الْعِلْمِ ا هـ ( قَوْلُهُ وَقْتَ الْعِلْمِ ) أَيْ فِي الْفَصْلَيْنِ ( قَوْلُهُ بَعْدَ الْمَوْتِ ) أَيْ وَالتَّفَسُّخِ ا هـ ( قَوْلُهُ فَإِنَّهُ لَا يُعِيدُ ) أَيْ سَوَاءٌ كَانَتْ رَطْبَةً أَوْ يَابِسَةً ا هـ ( قَوْلُهُ عَلَى

السَّبَبِ الظَّاهِرِ ) أَيْ وَهُوَ الْوُقُوعُ ا هـ ( قَوْلُهُ دُونَ الْمَوْهُومِ ) أَيْ وَهُوَ الْمَوْتُ بِغَيْرِ الْوُقُوعِ ، وَقَدَّرْنَا الْمَوْتَ بِلَا انْتِفَاخٍ بِثَلَاثَةِ أَيَّامٍ بِيَوْمٍ وَلَيْلَةٍ إذْ مَا دُونَ ذَلِكَ سَاعَاتٌ لَا يُمْكِنُ التَّقْدِيرُ بِهَا لِتَفَاوُتِهَا ، وَالْمَوْتُ مَعَ الِانْتِفَاخِ بِثَلَاثَةِ أَيَّامٍ ؛ لِأَنَّهُ دَلِيلُ تَقَادُمِ الْعَهْدِ وَأَدْنَى حَدِّ التَّقَادُمِ ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ فَإِنَّ مَنْ دُفِنَ قَبْلَ أَنْ يُصَلَّى عَلَيْهِ صُلِّيَ عَلَى قَبْرِهِ إلَى ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ ؛ لِأَنَّهُ تَفَسَّخَ ظَاهِرًا كَذَا فِي الْكَافِي قَوْلُهُ هِيَ عَلَى الْخِلَافِ ) وَلَئِنْ سُلَّمَ فَالْفَرْقُ وَاضِحٌ إذْ الثَّوْبُ يَقَعُ بَصَرُهُ عَلَيْهِ كُلَّ وَقْتٍ فَلَوْ كَانَتْ عَلَيْهِ نَجَاسَةٌ لَرَآهَا فِيمَا مَضَى وَالْبِئْرُ غَائِبٌ عَنْ بَصَرِهِ وَالْمَوْضِعُ مَوْضِعُ الِاحْتِيَاطِ ا هـ كَافِي ( قَوْلُهُ وَفِي الدَّمِ مِنْ آخِرِ مَا رَعَفَ ) وَفِي الْمُحِيطِ قَالَ فِي الدَّمِ لَا يُعِيدُ حَتَّى يَسْتَيْقِنَ ؛ لِأَنَّ الدَّمَ قَدْ يُصِيبُهُ فِي الطَّرِيقِ بِخِلَافِ الْمَنِيِّ فَإِنْ كَانَ الثَّوْبُ يَلْبَسُهُ هُوَ وَغَيْرُهُ فَهُوَ كَالدَّمِ ا هـ سَرُوجِيٌّ ( قَوْلُهُ عَلَى زَمَانِ وُجُودِهَا ) أَيْ زَمَانِ الْعِلْمِ بِوُجُودِهَا ا هـ وَلِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ : سَلَّمْنَا أَنَّ الْوُقُوعَ سَبَبٌ لِلْمَوْتِ لَكِنْ لَا نُسَلِّمُ أَنَّ الْوُقُوعَ سَابِقٌ عَلَى زَمَانِ الْعِلْمِ ، وَلَوْ سَلَّمَ فَسَبَبُ الْمَوْتِ الْمُكْثُ بَعْدَ الْوُقُوعِ ، فَكَانَ الْمَوْتُ بَعْدَ الْمُكْثِ لَا مِنْ ابْتِدَاءِ الْوُقُوعِ وَعَلَى التَّقْدِيرَيْنِ كَيْفَ يَسْتَنِدُ الْمَوْتُ إلَى ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ أَوْ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ ، وَالْجَوَابُ عَنْ الْأَوَّلِ أَنَّ الْبِئْرَ بَعِيدَةٌ عَنْ أَعْيُنِ النَّاسِ فَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْوُقُوعُ قَبْلَ زَمَانِ الْعِلْمِ ، فَيَعْمَلُ ذَلِكَ الِاحْتِمَالُ احْتِيَاطًا ، وَعَنْ الثَّانِي أَنَّهُ يَحْتَمِلُ أَنْ تَكُونَ مُدَّةُ الْمُكْثِ أَكْثَرَ مِنْ الثَّلَاثِ بِكَثِيرٍ فَيُعْتَبَرُ الِاحْتِمَالُ احْتِيَاطًا ، وَأَمَّا تَقْدِيرُ مُدَّةِ السَّبْقِ عَلَى الْعِلْمِ بِمَا ذَكَرَ فَلِمَا ذَكَرَ ا هـ .

يَحْيَى

قَالَ رَحِمَهُ اللَّهُ ( وَالْعَرَقُ كَالسُّؤْرِ ) ؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مُتَوَلِّدٌ مِنْ اللَّحْمِ فَأَخَذَ حُكْمَهُ ثُمَّ الْأَسْآرُ عِنْدَنَا أَرْبَعَةُ أَنْوَاعٍ طَاهِرٌ وَمَكْرُوهٌ وَمَشْكُوكٌ فِيهِ وَنَجِسٌ عَلَى مَا يَأْتِي بَيَانُ كُلِّ نَوْعٍ فِي مَوْضِعِهِ ، وَكَانَ الْقِيَاسُ أَنْ يَكُونَ عَرَقُ الْحِمَارِ مَشْكُوكًا فِيهِ كَسُؤْرِهِ وَلَكِنْ تُرِكَ ذَلِكَ لِمَا رُوِيَ { أَنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ كَانَ يَرْكَبُ الْحِمَارَ مُعْرَوْرِيًا } وَهُوَ لَا يَخْلُو عَنْ الْعَرَقِ عَادَةً وَلَوْ كَانَ نَجِسًا لَمَا رَكِبَهُ .( قَوْلُهُ ثُمَّ الْأَسْآرُ ) إنَّمَا قَيَّدَ بِهِ ؛ لِأَنَّ سُؤْرَ سِبَاعِ الْبَهَائِمِ طَاهِرٌ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ ا هـ .

( وَسُؤْرُ الْآدَمِيِّ وَالْفَرَسِ وَمَا يُؤْكَلُ لَحْمُهُ طَاهِرٌ ) قَالَ رَحِمَهُ اللَّهُ فَأَمَّا الْآدَمِيُّ فَلِأَنَّهُ { عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ شَرِبَ اللَّبَنَ وَعَنْ يَمِينِهِ أَعْرَابِيٌّ وَعَنْ يَسَارِهِ أَبُو بَكْرٍ ثُمَّ أَعْطَى الْأَعْرَابِيَّ فَقَالَ الْأَيْمَنُ فَالْأَيْمَنُ } وَلِأَنَّ لُعَابَهُ مُتَوَلِّدٌ مِنْ لَحْمٍ طَاهِرٍ فَيَكُونُ طَاهِرًا مِثْلَهُ وَلَا فَرْقَ بَيْنَ الطَّاهِرِ وَالْجُنُبِ وَالْحَائِضِ وَالنُّفَسَاءِ وَالصَّغِيرِ وَالْكَبِيرِ وَالْمُسْلِمِ وَالْكَافِرِ وَالذَّكَرِ وَالْأُنْثَى لِمَا بَيَّنَّا ، وَلِقَوْلِ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ { كُنْت أَشْرَبُ وَأَنَا حَائِضٌ فَأُنَاوِلُهُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَيَضَعُ فَاهُ عَلَى مَوْضِعِ فِي فَيَشْرَبُ } فَإِنْ قِيلَ وَجَبَ أَنْ يَتَنَجَّسَ سُؤْرُ الْجُنُبِ لِسُقُوطِ الْفَرْضِ بِهِ قِيلَ لَهُ لَمْ يُرْفَعْ الْحَدَثُ لِلضَّرُورَةِ وَفِي رِوَايَةٍ يُرْفَعُ وَلَا يَصِيرُ الْمَاءُ مُسْتَعْمَلًا لِلْحَرَجِ ذَكَرَهُ الْإِمَامُ خُوَاهَرْ زَادَهْ وَلَوْ شَرِبَ الْخَمْرَ تَنَجَّسَ سُؤْرُهُ فَإِنْ بَلَعَ رِيقَهُ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ طَهُرَ فَمُهُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ ؛ لِأَنَّ الْمَائِعَ غَيْرُ الْمَاءِ يَطْهُرُ مِنْ غَيْرِ اشْتِرَاطِ صَبٍّ عِنْدَهُ ، وَأَمَّا سُؤْرُ الْفَرَسِ فَطَاهِرٌ فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ ؛ لِأَنَّ لُعَابَهُ مُتَوَلِّدٌ مِنْ لَحْمِهِ وَهُوَ طَاهِرٌ وَحُرْمَتُهُ لِحُرْمَتِهِ لِكَوْنِهِ آلَةَ الْجِهَادِ لَا لِنَجَاسَتِهِ كَالْآدَمِيِّ أَلَا تَرَى أَنَّ لَبَنَهُ حَلَالٌ بِالْإِجْمَاعِ وَفِي رِوَايَةِ الْحَسَنِ أَنَّهُ مَكْرُوهٌ كَلَحْمِهِ وَرُوِيَ عَنْهُ أَنَّهُ مَشْكُوكٌ فِيهِ وَفِي رِوَايَةٍ رَابِعَةٍ سُؤْرُ مَا لَا يُؤْكَلُ كَبَوْلِهِ وَالْفَرَسُ وَغَيْرُهُ فِيهِ سَوَاءٌ وَهُوَ رِوَايَةُ الْبَغْدَادِيِّينَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ ، وَعِنْدَهُمَا سُؤْرُهُ طَاهِرٌ رِوَايَةً وَاحِدَةً ؛ لِأَنَّ لَحْمَهُ مَأْكُولٌ عِنْدَهُمَا وَأَمَّا سُؤْرُ مَا يُؤْكَلُ لَحْمُهُ فَلِأَنَّهُ يَتَوَلَّدُ مِنْ لَحْمٍ مَأْكُولٍ فَأَخَذَ حُكْمَهُ وَيَلْحَقُ بِهِ سُؤْرُ مَا لَيْسَ لَهُ نَفْسٌ سَائِلَةٌ مِمَّا يَعِيشُ فِي الْمَاءِ وَغَيْرِهِ .

( قَوْلُهُ { فَقَالَ الْأَيْمَنُ فَالْأَيْمَنُ } ) يَجُوزُ نَصْبُهُمَا بِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ أَعْطِ الْأَيْمَنَ فَالْأَيْمَنَ ، وَرَفْعُهُمَا عَلَى الِابْتِدَائِيَّةِ وَالْخَبَرُ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ الْأَيْمَنُ أَحَقُّ ا هـ ( قَوْلُهُ لِسُقُوطِ الْفَرْضِ بِهِ ) أَيْ بِشُرْبِهِ ا هـ .

قَالَ رَحِمَهُ اللَّهُ ( وَالْكَلْبُ وَالْخِنْزِيرُ وَسِبَاعُ الْبَهَائِمِ نَجِسٌ ) أَيْ سُؤْرُ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ نَجِسٌ قَوْلُهُ وَالْكَلْبُ إلَى آخِرِهِ بِالرَّفْعِ أَجْوَدُ عَلَى أَنَّهُ حُذِفَ الْمُضَافُ وَأُقِيمَ الْمُضَافُ إلَيْهِ مَقَامَهُ ، وَذَلِكَ جَائِزٌ بِالِاتِّفَاقِ إذَا كَانَ الْكَلَامُ مُشْعِرًا بِحَذْفِهِ ، وَقَدْ وُجِدَ هُنَا مَا يُشْعِرُ بِحَذْفِهِ وَهُوَ تَقَدُّمُ ذِكْرِ السُّؤْرِ وَلَوْ جُرَّ عَلَى أَنَّهُ مَعْطُوفٌ عَلَى مَا قَبْلَهُ مِنْ الْمَجْرُورِ لَا يَجُوزُ عِنْدَ سِيبَوَيْهِ لِأَنَّهُ لَا يَلْزَمُ الْعَطْفُ عَلَى عَامِلَيْنِ وَهُوَ مُمْتَنِعٌ عِنْدَ الْبَصْرِيِّينَ وَيَجُوزُ عِنْدَ الْفَرَّاءِ ، وَلَوْ قِيلَ إنَّهُ مَجْرُورٌ عَلَى أَنَّهُ حُذِفَ الْمُضَافُ وَتُرِكَ الْمُضَافُ إلَيْهِ عَلَى إعْرَابِهِ كَانَ جَائِزًا إلَّا أَنَّهُ قَلِيلٌ نَحْوُ قَوْلِهِمْ : مَا كُلُّ سَوْدَاءَ تَمْرَةٌ وَلَا بَيْضَاءَ شَحْمَةٌ ، وَيُشْتَرَطُ أَنْ يَتَقَدَّمَ فِي اللَّفْظِ ذِكْرُ الْمُضَافِ ، ثُمَّ نَجَاسَةُ سُؤْرِ الْكَلْبِ مَذْهَبُنَا ، وَقَالَ مَالِكٌ : إنَّهُ طَاهِرٌ يُشْرَبُ وَيُغْسَلُ الْإِنَاءُ مِنْ وُلُوغِهِ سَبْعًا تَعَبُّدًا ، وَلَنَا قَوْلُهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ { إذَا وَلَغَ الْكَلْبُ فِي إنَاءِ أَحَدِكُمْ فَلْيُرِقْهُ ثُمَّ لِيَغْسِلْهُ سَبْعَ مَرَّاتٍ } وَالْأَمْرُ بِالْإِرَاقَةِ دَلِيلُ التَّنَجُّسِ ، وَأَقْوَى مِنْهُ قَوْلُهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ { طُهُورُ إنَاءِ أَحَدِكُمْ إذَا وَلَغَ فِيهِ الْكَلْبُ أَنْ يَغْسِلَهُ سَبْعًا } فَهَذَا يُفِيدُ النَّجَاسَةَ ؛ لِأَنَّ الطُّهُورَ مَصْدَرٌ بِمَعْنَى الطَّهَارَةِ فَيَسْتَدْعِي سَابِقَةَ التَّنَجُّسِ أَوْ الْحَدَثِ ، وَالثَّانِي مُنْتَفٍ فَيَتَعَيَّنُ الْأَوَّلُ وَلِأَنَّ الْأَصْلَ فِي النُّصُوصِ أَنْ تَكُونَ مَعْقُولَةَ الْمَعْنَى فَإِذَا دَارَ الْأَمْرُ بَيْنَ كَوْنِهِ مَعْقُولًا وَتَعَبُّدًا كَانَ جَعْلُهُ مَعْقُولَ الْمَعْنَى أَوْلَى لِنُدْرَةِ التَّعَبُّدِ وَكَثْرَةِ التَّعَقُّلِ ، ثُمَّ عِنْدَنَا يَطْهُرُ بِالثَّلَاثِ وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ لَا بُدَّ مِنْ السَّبْعِ لِمَا رَوَيْنَا فَيَكُونُ التَّعَبُّدُ فِي الْعَدَدِ عِنْدَهُ وَهَذَا أَوْلَى مِنْ قَوْلِ
أقسام الكتاب1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17 18 19 20 21 22 23 24 25 26 27 28 29 30 31 32 33 34 35 36 37 38 39 40 41 42 43 44 45 46 47 48 49 50 51 52 53 54 55 56 57 58 59 60 61 62 --

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

فهرست ا لمدونة

  كتاب : آداب الصحبة المؤلف : أبي عبد الرحمن السلمي / أرشيف الألباني / يمتنع مع لام القَبْلِ أن تسري دلالات الآيات ا ... / الي الحائرين...